عودة الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- إلى مكّة:
عزيزي الدّارس :
تقدّم الحديث عن حادثة شقّ الصّدر، التي كانت السبب المباشر لقيام حليمة بِردّ الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- إلى أمّه، على الرغم مِن محبّتها له وحِرصها على أنْ يظَلّ معها؛ إلاّ أنّ هذه الحادثة غير العادية أخافتها، فسارعت بردّه إلى أمّه، وقد كان عمره أربع سنين، وقيل: خمْس؛ وذلك سنة ستّ مِن عام الفيل.
وبعد هذه العودة المفاجئة، مكث -صلَّى الله عليه وسلَّم- في مكّة في رعاية أمّه وجَدِّه عبد المطلب. ولمّا بلغ -صلَّى الله عليه وسلَّم- ستّ سنين، وقيل: سبع سنين، توجّهت به أمُّه آمنة لزيارة أخوال جدّه مِن بني عديّ بن النجّار، ولزيارة قبر زوجها عبد الله. فخرجت به، وخرجت معها أمّ أيمن بَرَكة الحبشيّة جارية أبيه. فوصلوا المدينة. وكان مقامهم بدار النابغة مِن بني النجار. ومكثوا شهراً، ثم عادوا إلى مكة. وفي الطريق مرضت آمنة، وتوفّيت بالأبواء، ودُفنت. وحزن عليها -صلَّى الله عليه وسلَّم- حزناً شديداً. فوالده قد توفّي قبل أن يولد، وها هي أمّه تموت، وهو في أمسّ الحاجة إليها. وعادت به بركة مولاته إلى مكة، ليلقاه جدُّه بكل حبّ وشفقة وعطف وحنان.
ففي صحيح مسلم، عن أبي هريرة، قال: ((زار النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- قبْر أمّه، فبكى وأبكى مَن حوْله، ثم قال: استأذنْتُ ربّي في زيارة قبْر أمي فأذِن لي، وأستأذنته في الاستغفار لها فلمْ يأذنْ لي؛ فزوروا القبور تذكِّركم الموت)).