٥.٢ عودة الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- إلى مكّة، وكفالة أبي طالب للنبي -صلَّى الله عليه وسلَّم-


عودة الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- إلى مكّة:

عزيزي الدّارس :
تقدّم الحديث عن حادثة شقّ الصّدر، التي كانت السبب المباشر لقيام حليمة بِردّ الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- إلى أمّه، على الرغم مِن محبّتها له وحِرصها على أنْ يظَلّ معها؛ إلاّ أنّ هذه الحادثة غير العادية أخافتها، فسارعت بردّه إلى أمّه، وقد كان عمره أربع سنين، وقيل: خمْس؛ وذلك سنة ستّ مِن عام الفيل.
وبعد هذه العودة المفاجئة، مكث -صلَّى الله عليه وسلَّم- في مكّة في رعاية أمّه وجَدِّه عبد المطلب. ولمّا بلغ -صلَّى الله عليه وسلَّم- ستّ سنين، وقيل: سبع سنين، توجّهت به أمُّه آمنة لزيارة أخوال جدّه مِن بني عديّ بن النجّار، ولزيارة قبر زوجها عبد الله. فخرجت به، وخرجت معها أمّ أيمن بَرَكة الحبشيّة جارية أبيه. فوصلوا المدينة. وكان مقامهم بدار النابغة مِن بني النجار. ومكثوا شهراً، ثم عادوا إلى مكة. وفي الطريق مرضت آمنة، وتوفّيت بالأبواء، ودُفنت. وحزن عليها -صلَّى الله عليه وسلَّم- حزناً شديداً. فوالده قد توفّي قبل أن يولد، وها هي أمّه تموت، وهو في أمسّ الحاجة إليها. وعادت به بركة مولاته إلى مكة، ليلقاه جدُّه بكل حبّ وشفقة وعطف وحنان.
ففي صحيح مسلم، عن أبي هريرة، قال: ((زار النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- قبْر أمّه، فبكى وأبكى مَن حوْله، ثم قال: استأذنْتُ ربّي في زيارة قبْر أمي فأذِن لي، وأستأذنته في الاستغفار لها فلمْ يأذنْ لي؛ فزوروا القبور تذكِّركم الموت)).


٥.٢ عودة الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- إلى مكّة، وكفالة أبي طالب للنبي -صلَّى الله عليه وسلَّم-


وبعد وفاة أمّه، كفلَه جدّه عبد المطلب، ورقّ عليه رِقّة لم يرقّها على أحد مِن أولاده. وكان يُقرّبه منه ويُدنيه، ويدخل عليه إنْ خلا، وإذا نام، ولا يأكل طعاماً إلا قال: "عليَّ بابني"؛ وبذلك عوَّضه الله تعالى بحنان جدِّه حنان أبويه، وكانت حاضنته بعد وفاة أمّه أمّ أيمن، وكان -صلى الله عليه و سلم- يعترف لها بذلك، فيقول: ((هي أمّي بعد أمّي)).
ولكن حياة جدِّه أيضاً لم تَطُل، فقد توفَّي وعمُره -صلى الله عليه و سلم- ثماني سنين، وقيل: تسْع، وقيل: عشْر.
ويقال بأنه كان يوصِي ابنه أبا طالب بمحمد -صلَّى الله عليه وسلَّم-
تولّى أبو طالب كفالة النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- بعد وفاة جدِّه، وذلك بناءً على وصيّة مِن أبيه، ولكونه أيضاً كان أخاً شقيقاً لعبد الله، والد رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-. وقد حلّت البركة ببيْت أبي طالب، حيث يذكرون أنه كان مُقِلاً مِن المال، وإذا قدّم طعامه إلى بَنيه لم يُجْزهم، إلاّ إذا كان معهم محمد، فإنهم يشبعون ويروون. ولذلك كان أبو طالب يحجزهم عن الأكل أو الشّرب، حتى يتقدّمهم الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم-.
وهذا مِن لطف الله تعالى بمحمد -صلَّى الله عليه وسلَّم- إذ جعَله محبوباً عند كلّ أحد، وجعل إشارة ملموسة لدى مِن يكون عنده، ليكون ذلك مدعاة لحُبِّهم له وحِرْصهم عليه وعلى رعايته.
لما بلغَ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- مِن العمر ثلاث عشرة سنة، قرّر أبو طالب الخروج في عِير قريش إلى الشام. فلما تهيّأ للسفر تعلّق به الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم-، وقال له: إلى مَن تتركني؟ فرقّ له أبو طالب وقال: والله لأخرجنَّ به معي! ولا يفارقني أبداً! فخرج إلى...


٥.٢ عودة الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- إلى مكّة، وكفالة أبي طالب للنبي -صلَّى الله عليه وسلَّم-


...بُصرى مِن الشام، وتعرّف بحيرى الراهب على رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- بالصّفات المذكورة عندهم، وبما رآه مِن بعض الأمور التي تُعتبر خارقة للعادة.
ونسوق قصة بحيرة كما رواها الترمذي -رحمه الله-:
روى بسنده عن أبي موسى الأشعري: أنه قال: ((خرج أبو طالب إلى الشّام، ومعه رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- في أشياخ مِن قريش. فلمّا أشرفوا على الراهب -يعني: بحيرة- هبطوا رحالَهم، فخرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يمرُّون فلا يخرج ولا يلتفت إليهم. قال: فنزل وهم يحلّون رحالهم، فجعل يتخلّلُهم، حتى جاء فأخذ بيد النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- فقال: هذا سيّد العالمين، بعَثه الله رحمةً للعالمين. فقال له أشياخٌ مِن قريش: وما علْمك؟ فقال: إنَّكم حين أشرفْتم مِن العَقبة لم يبقَ شجرٌ ولا حجرٌ إلا خرّ ساجداً؛ ولا يسجدون إلا لنبيِّ. وإنِّي أعرفه بخاتَم النبوّة أسفلَ مِن غضروف كتِفه. ثم رجع فصنع لهم طعاماً، فلمّا أتاهم به -وكان هو في رعي الإبل- قال: أرسلوا إليه، فأقبل وغمامة تُظلّه، فلما دنا مِن القوم، قال: انظروا إليه، عليه غمامة، فلما دنا مِن القوم وجدَهم قد سبقوه إلى فيء الشّجرة، فلما جلس مال ظلُّ الشجرة إليه. قال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه، قال: بينما هو قائم عليهم، وهو يَنشدهم ألاّ يذهبوا به إلى الرُّوم، فإنّ الروم إن رأوْه عرفوه بالصّفة، فقتلوه، التفت فإذا هو بسبْعة مِن الروم قد أقبلوا، قال: فاستقبَلهم. فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا لأنّ هذا النبيَّ خارج في هذا الشهر، فلم يبقَ طريق إلا بُعث إليه ناس. وإنا أُخبرنا خبَره إلى طريقك هذه. فقال: هل خلْفكم أحد هو خيْر منكم؟ قالوا: إنما اخترنا خيرة بعثنا لطريقك هذا. قال: أفرأيتم أمراً أراد الله أن يَقضيَه، هل يستطيع أحد مِن الناس ردَّه. قالوا: لا. قال: فبايَعوه. وأقاموا معه.قال: أَنشُدكم بالله أيّكم وليّه؟


٥.٢ عودة الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- إلى مكّة، وكفالة أبي طالب للنبي -صلَّى الله عليه وسلَّم-


قالوا: أبو طالب. فلم يزل يُناشده حتى ردّه أبو طالب، وبعث معه أبو بكر بلالاً، وزوَّده الراهب مِن الكعك والزيت)).
قال في "عيون الأثر": ليس في إسناد هذا الحديث إلاّ مَن خُرّج له في الصحيح، وقال: ومع ذلك ففي مَتنه نكارة، وهي: إرسال أبي بكر مع النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- بلالاً. فكيف؟ وأبو بكر لم يبلغ العشر سنين. فإنّ النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- أسنّ مِن أبي بكر مِن عامين. وأيضاً قال: بلال لم ينتقل لأبي بكر إلاّ بعد ذلك بأكثر مِن ثلاثين عاماً.
وقد ضعّف الذهبي هذا الحديث، وقال بعد تصحيح الحاكم له: أظنّه موضوعاً.
وذكر ابن إسحاق: أنّ ثلاثة سماهم مِن رجال الدين النصراني رأوا مِن الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- ما رآه بحيرى الراهب منه في سفره ذلك.


كفالة جدّه له:
وبعد وفاة أمّه، كفلَه جدّه عبد المطلب، ورقّ عليه رِقّة لم يرقّها على أحد مِن أولاده.
وكان يُقرّبه منه ويُدنيه، ويدخل عليه إنْ خلا، وإذا نام، ولا يأكل طعاماً إلا قال: "عليَّ بابني"؛
وبذلك عوَّضه الله تعالى بحنان جدِّه حنان أبويه، وكانت حاضنته بعد وفاة أمّه أمّ أيمن، وكان -صلى الله عليه و سلم- يعترف لها بذلك، فيقول: ((هي أمّي بعد أمّي)).


٥.٢ عودة الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- إلى مكّة، وكفالة أبي طالب للنبي -صلَّى الله عليه وسلَّم-


ولكن حياة جدِّه أيضاً لم تَطُل، فقد توفَّي وعمُره -صلى الله عليه و سلم- ثماني سنين، وقيل: تسْع، وقيل: عشْر.
ويقال بأنه كان يوصِي ابنه أبا طالب بمحمد -صلَّى الله عليه وسلَّم-.

كفالة أبي طالب للنبي -صلَّى الله عليه وسلَّم-

تولّى أبو طالب كفالة النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- بعد وفاة جدِّه، وذلك بناءً على وصيّة مِن أبيه، ولكونه أيضاً كان أخاً شقيقاً لعبد
الله، والد رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-.
وقد حلّت البركة ببيْت أبي طالب، حيث يذكرون أنه كان مُقِلاً مِن المال، وإذا قدّم طعامه إلى بَنيه لم يُجْزهم، إلاّ إذا كان معهم محمد،
فإنهم يشبعون ويروون. ولذلك كان أبو طالب يحجزهم عن الأكل أو الشّرب، حتى يتقدّمهم الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم-.
وهذا مِن لطف الله تعالى بمحمد -صلَّى الله عليه وسلَّم- إذ جعَله محبوباً عند كلّ أحد، وجعل إشارة ملموسة لدى مِن يكون عنده،
ليكون ذلك مدعاة لحُبِّهم له وحِرْصهم عليه وعلى رعايته.


٥.٢ عودة الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- إلى مكّة، وكفالة أبي طالب للنبي -صلَّى الله عليه وسلَّم-


سفّره مع عمِّه إلى الشام:

لما بلغَ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- مِن العمر ثلاث عشرة سنة، قرّر أبو طالب الخروج في عِير قريش إلى الشام. فلما تهيّأ للسفر تعلّق به الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم-، وقال له: إلى مَن تتركني؟ فرقّ له أبو طالب وقال: والله لأخرجنَّ به معي! ولا يفارقني أبداً! فخرج إلى بُصرى مِن الشام، وتعرّف بحيرى الراهب على رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- بالصّفات المذكورة عندهم، وبما رآه مِن بعض الأمور التي تُعتبر خارقة للعادة.

وهناك حديث عن قصة بحيرة كما رواها الترمذي -رحمه الله-

قال في "عيون الأثر": ليس في إسناد هذا الحديث إلاّ مَن خُرّج له في الصحيح، وقال: ومع ذلك ففي مَتنه نكارة، وهي: إرسال أبي بكر مع النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- بلالاً. فكيف؟ وأبو بكر لم يبلغ العشر سنين. فإنّ النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- أسنّ مِن أبي بكر مِن عامين. وأيضاً قال: بلال لم ينتقل لأبي بكر إلاّ بعد ذلك بأكثر مِن ثلاثين عاماً. وقد ضعّف الذهبي هذا الحديث، وقال بعد تصحيح الحاكم له: أظنّه موضوعاً.
وذكر ابن إسحاق: أنّ ثلاثة سماهم مِن رجال الدين النصراني رأوا مِن الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- ما رآه بحي.