18.2 كتاب الوكالة


باب ما يجوز التوكيل فيه من العقود وإبقاء الحقوق وإخراج الزكاة وإقامة الحدود وغير ذلك
قال أبو رافع: استسلف النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بكرا فجاءت إبل الصدقة فأمرني أن أقضي الرجل بكره.
وقال ابن أبي أوفى: أتيت النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بصدقة مال أبي فقال: ((اللّهم صل علي آل أبي أوفي)) .
وقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((إن الخازن الأمين الذي يعطي ما أمر به كاملا موفرا طيبة به نفسه حتى يدفعه إلى الذي أمر له به أحد المتصدقين)) .
وقال: ((واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها)) .
وقال عليٌّ: أمرني النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أن أقوم على بُدْنِهِ وأقسم جلودها وجلالها. وقال أبو هريرة: وكلني النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في حفظ زكاة رمضان، وأعطى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عقبة بن عامر غنما يقسمها بين أصحابه.
هذه الأحاديث لم يذكر المصنف في هذا الموضع من خرجها. وحديث أبي رافع قد تقدم في باب استقراض الحيوان من كتاب القرض، وأورده ها هنا للاستدلال به على جواز التوكيل في قضاء القرض.
وحديث ابن أبي أوفى تقدم في باب تفرقة الزكاة في بلدها من كتاب الزكاة، وذكره المصنف ها هنا للاستدلال به على جواز توكيل صاحب الصدقة من يوصلها إلى الإمام.

18.2 كتاب الوكالة


وحديث الخازن ذكره المصنف في باب العاملين على الصدقة من كتاب الزكاة، وسيذكر الأحاديث الواردة في تصرف المرأة في مال زوجها، والعبد في مال سيده، والخازن في مال من جعله خازنا في آخر كتاب الهبة والعطية.
وذكر حديث الخازن ها هنا للاستدلال به على جواز التوكيل في الصدقة لقوله فيه: ((الذي يعطي ما أمر به كاملا)) ، وقوله: ((اغد يا أنيس)) . سيأتي في كتاب الحدود، وفيه دليل على أنه يجوز للإمام توكيل من يقيم الحد على من وجب عليه.
وحديث علي تقدم في باب الصدقة بالجلود من أبواب الضحايا والهدايا، وفيه دليل على جواز توكيل صاحب الهدي لرجل أن يقسم جلودها وجلالها.
وحديث أبي هريرة هو في صحيح البخاري وغيره، وقد أورده في كتاب الوكالة، وبوب عليه باب: إذا وكل رجل رجلا فترك الوكيل شيئا فأجازه الموكل فهو جائز، وإن أقرضه إلى أجل مسمى جاز، وذكر فيه مجيء السارق إلى أبي هريرة، وأنه شكا إليه الحاجة فتركه يأخذ، فكأنه أسلفه إلى أجل وهو وقت إخراج زكاة الفطر.
وحديث عقبة بن عامر تقدم في باب السن الذي يجزئ في الأضحية، وفيه دليل على جواز التوكيل في قسمة الضحايا.
وهذه الأحاديث تدل على صحة الوكالة، وهي بفتح الواو، وقد تكسر: التفويض والحفظ، تقول: وكلت فلانا إذا استحفظته، ووكلت الأمر إليه بالتخفيف إذا فوضته إليه. وهي في الشرع: إقامة الشخص غيره مقام نفسه مطلقا أو مقيدا.
وقد استدل على جواز الوكالة من القرآن بقوله تعالى: ((فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ)) [الكهف: 19]. وقوله تعالى: ((اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ)) [يوسف: 55].

18.2 كتاب الوكالة


وقد دل على جوازها أحاديث كثيرة منها ما ذكره المصنف في هذا الكتاب، وقد أورد البخاري في كتاب الوكالة ستة وعشرين حديثا، ستة معلقة والباقية موصولة.
وقد حكى صاحب البحر الإجماع على كونها مشروعة، وفي كونها نيابة أو ولاية وجهان، فقيل: نيابة لتحريم المخالفة، وقيل: ولاية لجواز المخالفة إلى الأصلح كالبيع بمعجل وقد أمر بمؤجل.

باب من وكل في شراء شيء فاشترى بالثمن أكثر منه وتصرف في الزيادة
عن عروة بن أبي الجعد البارقي أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أعطاه دينارا ليشتري به له شاة، فاشترى له به شاتين، فباع أحدهما بدينار وجاءه بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه. رواه أحمد والبخاري وأبو داود.
وعن حبيب بن أبي ثابت عن حكيم بن حزام أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بعثه ليشتري له أضحية بدينار، فاشترى أضحية فأُرْبِح فيها دينارا، فاشترى أخرى مكانها، فجاء بالأضحية والدينار إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال: ((ضح بالشاة وتصدق بالدينار)) . رواه الترمذي وقال: لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وحبيب بن أبي ثابت لم يسمع عندي من حكيم. ولأبي داود نحوه من حديث أبي حصين عن شيخ من أهل المدينة عن حكيم. الحديث الأول أخرجه أيضا الترمذي وابن ماجه والدارقطني.

18.2 كتاب الوكالة


وفي إسناد من عدا البخاري سعيد بن زيد أخو حماد وهو مختلف فيه عن أبي لبيد لمازة بن زبار. وقد قيل: إنه مجهول، لكنه قال الحافظ: إنه وثقه ابن سعد.
وقال حرب: سمعت أحمد يثني عليه. وقال في التقريب: إنه ناصبي جُلِد. قال المنذري والنووي: إسناده صحيح لمجيئه من وجهين، وقد رواه البخاري من طريق ابن عيينة عن شبيب بن غرقد: سمعت الحي يحدثون عن عروة، ورواه الشافعي عن ابن عيينة وقال: إن صح قلت به.
ونقل المزني عنه أنه ليس بثابت عنده. قال البيهقي: إنما ضعفه لأن الحي غير معروفين، وقال في موضع آخر: هو مرسل لأن شبيب بن غرقد لم يسمعه من عروة، وإنما سمعه من الحي. وقال الرافعي: هو مرسل. قال الحافظ: الصواب أنه متصل في إسناده مبهم.
والحديث الثاني منقطع في الطريق الأولى لعدم سماع حبيب من حكيم، وفي الطريق الثانية في إسناده مجهول. قال الخطابي: إن الخبرين معا غير متصلين لأن في أحدهما -وهو خبر حكيم- رجلا مجهولا لا يدرى من هو، وفي خبر عروة أن الحي حدثوه، وما كان هذا سبيله من الرواية لم تقم به الحجة. وقال البيهقي: ضعف حديث حكيم من أجل هذا الشيخ.
وفي الحديثين دليل على أنه يجوز للوكيل إذا قال له المالك: اشتر بهذا الدينار شاة ووصفها أن يشتري به شاتين بالصفة المذكورة؛ لأن مقصود الموكل قد حصل وزاد الوكيل خيرا، ومثل هذا لو أمره أن يبيع شاة بدرهم فباعها بدرهمين أو بأن يشتريها بدرهم فاشتراها بنصف درهم وهو الصحيح عند الشافعية كما نقله النووي في زيادات الروضة.

18.2 كتاب الوكالة


قوله: فباع أحدهما بدينار. فيه دليل على صحة بيع الفضولي، وبه قال مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه، والشافعي في القديم، وقواه النووي في الروضة، وهو مروي عن جماعة من السلف منهم عليٌّ وابن عباس وابن مسعود وابن عمر، وإليه ذهبت الهادوية.
وقال الشافعي في الجديد وأصحابه والناصر: إن البيع الموقوف والشراء الموقوف باطلان للحديث المتقدم في البيع أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: ((لا تبع ما ليس عندك)) . وأجابوا عن حديثي الباب بما فيهما من المقال، وعلى تقدير الصحة فيمكن أنه كان وكيلا بالبيع بقرينة فهمها منه صلى اللّه عليه وآله وسلم.
وقال أبو حنيفة: إنه يكون البيع الموقوف صحيحا دون الشراء. والوجه أن الإخراج عن ملك المالك مفتقر إلى إذنه بخلاف الإدخال.
ويجاب بأن الإدخال للمبيع في الملك يستلزم الإخراج من الملك للثمن. وروي عن مالك العكس من قول أبي حنيفة، فإن صح فهو قوي لأن فيه جمعا بين الأحاديث.
قوله: فاشترى أخرى مكانها. فيه دليل على أن الأضحية لا تصير أضحية بمجرد الشراء، وأنه يجوز البيع لإبدال مثل أو أفضل.
قوله: ((وتصدق بالدينار)) . جعل جماعة من أهل العلم هذا أصلا فقالوا: من وصل إليه مال من شبهة وهو لا يعرف له مستحقا فإنه يتصدق به.
ووجه الشبهة ها هنا أنه لم يأذن لعروة في بيع الأضحية، ويحتمل أن يتصدق به؛ لأنه قد خرج عنه للقربة للّه تعالى في الأضحية فكره أكل ثمنها.

18.2 كتاب الوكالة


باب من وكل في التصديق بماله فدفعه إلى ولد الموكل
عن معن بن يزيد قال: كان أبي خرج بدنانير يتصدق بها، فوضعها عند رجل في المسجد، فجئت فأخذتها فأتيته بها، فقال: واللّه ما إياك أردت بها، فخاصمه إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال: ((لك ما نويت يا يزيد، ولك يا معن ما أخذت)) . رواه أحمد والبخاري.
قوله: عند رجل. قال في الفتح: لم أقف على اسمه.
قوله: فأتيته بها، أي: أتيت أبي بالدنانير المذكورة.
قوله: واللّه ما إياك أردت. يعني: لو أردت أنك تأخذها لأعطيتك إياها من غير توكيل، وكأنه كان يرى أن الصدقة على الولد لا تجزئ أو تجزيء ولكن الصدقة على الأجنبي أفضل.
قوله: ((لك ما نويت)) ، أي: إنك نويت أن تتصدق بها على من يحتاج إليها، وابنك محتاج، فقد وقعت موقعها، وإن كان لم يخطر ببالك أنه يأخذها، ولابنك ما أخذ؛ لأنه أخذها محتاجا إليها.
واستدل بالحديث على جواز دفع الصدقة إلى كل أصل وفرع ولو كان ممن تلزمه نفقته، قال في الفتح: ولا حجة فيها لأنها واقعةُ حالٍ، فاحتمل أن يكون معن كان مستقلا لا يلزم أباه نفقته.
والمراد بهذه الصدقة صدقة التطوّع لا صدقة الفرض؛ فإنه قد وقع الإجماع على أنها لا تجزئ في الولد كما تقدم في الزكاة.

18.2 كتاب الوكالة


وفي الحديث جواز التوكيل في صرف الصدقة، ولهذا الحكم ذكر المصنف هذا الحديث ها هنا.
وعن السائب المخزومي رضي الله عنه أنه كان شريك النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، فجاء يوم الفتح، فقال: مرحبا بأخي وشريكي. رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه.
الشرح
وعن السائب المخزومي رضي الله عنه أنه كان شريك النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، فجاء يوم الفتح فقال: مرحبا بأخي وشريكي. رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه. قال ابن عبد البر: السائب بن أبي السائب من المؤلفة قلوبهم، وممن حسن إسلامه، وكان من المعمرين، عاش إلى زمن معاوية، وكان شريك النبي صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام في التجارة، فلما كان يوم الفتح قال: مرحبا بأخي وشريكي، كان لا يماري ولا يداري. وصححه الحاكم. ولابن ماجه: كنت شريكي في الجاهلية.
والحديث دليل على أن الشركة كانت ثابتة قبل الإسلام، ثم قررها الشارع على ما كانت.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: اشتركت أنا وعمار وسعد فيما نصيب يوم بدر... الحديث. رواه النسائي.
وعن عروة البارقي رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معه بدينار يشتري له أضحية.

18.2 كتاب الوكالة


رواه البخاري في أثناء حديث، وقد تقدم، أي: في كتاب البيع، وتقدم الكلام على ما فيه من الأحكام.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر على الصدقة... الحديث. متفق عليه.