17.1 كتاب الصلح وأحكام الجوار ((باب جواز الصلح عن ...
17.1 كتاب الصلح وأحكام الجوار ((باب جواز الصلح عن المعلوم والمجهول والتحليل منهما))
كتاب الصلح وأحكام الجوار ((باب جواز الصلح عن المعلوم والمجهول والتحليل منهما))
عن أم سلمة قالت: جاء رجلان يختصمان إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في مواريث بينهما قد درست ليس بينهما بينة، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((إنكم تختصمون إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها أسطاما في عنقه يوم القيامة)) . فبكى الرجلان وقال كل واحد منهما: حقي لأخي، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((أما إذ قلتما فاذهبا فاقتسما ثم توخيا الحق، ثم استهما، ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه)) . رواه أحمد وأبو داود، وفي رواية لأبي داود: ((وإنما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل علىَّ فيه)) . الحديث أخرجه أيضا ابن ماجه، وسكت عنه أبو داود والمنذري.
وفي إسناده أسامة بن زيد بن أسلم المدني مولى عمر قال النسائي وغيره: ليس بالقوي. وأصل هذا الحديث في الصحيحين، وسيأتي في باب أن حكم الحاكم ينفذ ظاهرا لا باطنا من كتاب الأقضية.
قوله: ((إنكم تختصمون إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم)) . يعني: في الأحكام. قوله: ((وإنما أنا بشر)) البشر يطلق على الواحد كما في الحديث، وعلى الجمع نحو قوله تعالى: ((نَذِيرًا لِلْبَشَرِ)) [المدثر: 36]. والمراد إنما أنا مشارك لغيري في البشرية، وإن كان صلى اللّه عليه وآله وسلم زائدًا عليهم بما أعطاه اللّه تعالى من المعجزات الظاهرة والاطلاع على بعض الغيوب.
17.1 كتاب الصلح وأحكام الجوار ((باب جواز الصلح عن ...
17.1 كتاب الصلح وأحكام الجوار ((باب جواز الصلح عن المعلوم والمجهول والتحليل منهما))
والحصر ها هنا مجازي أي: باعتبار علم الباطن. وقد حققه علماء المعاني وأشرنا إلى طرف من تحقيقه في كتاب الصلاة.
قوله: ((ألحن)) أي: أفطن وأعرف، ويجوز أن يكون معناه أفصح تعبيرا عنها وأظهر احتجاجا، فربما جاء بعبارة تخيل إلى السامع أنه محق وهو في الحقيقة مبطل، والأظهر أن يكون معناه أبلغ كما في رواية في الصحيحين أي: أحسن إيرادا للكلام.
وأصل اللحن الميل عن جهة الاستقامة يقال: لحن فلان في كلامه إذا مال عن صحيح النطق، ويقال: لحنت لفلان إذا قلت له قولا يفهمه ويخفى على غيره؛ لأنه بالتورية ميل كلامه عن الواضح المفهوم.
قوله: ((وإنما أقضي)) إلخ. فيه دليل على أن الحاكم إنما يحكم بظاهر ما يسمع من الألفاظ مع جواز كون الباطن خلافه، ولم يتعبد بالبحث عن البواطن باستعمال الأشياء التي تفضي في بعض الأحوال إلى ذلك كأنواع السياسة والمداهاة.
قوله: ((فلا يأخذه)) . فيه أن حكم الحاكم لا يحل به الحرام كما زعم بعض أهل العلم. قوله: ((قطعة)) بكسر القاف أي: طائفة.
قوله: ((أسطاما)) . بضم الهمزة وسكون السين المهملة. قال في القاموس: السطام بالكسر: المسعار لحديدة مفطوحة تحرك بها النار، ثم قال: (والإسطام) المسعار. اهـ. والمراد هنا الحديدة التي تسعر بها النار، أي: يأتي يوم القيامة حاملا لها مع أثقاله.
قوله: حقي لأخي. فيه دليل على صحة هبة المجهول وهبة المدعي قبل ثبوته وهبة الشريك لشريكه.
قوله: ((أما إذ قلتما)) . لفظ أبي داود: ((أما إذ فعلتما ما فعلتماه فاقتسما)) .
17.1 كتاب الصلح وأحكام الجوار ((باب جواز الصلح عن ...
17.1 كتاب الصلح وأحكام الجوار ((باب جواز الصلح عن المعلوم والمجهول والتحليل منهما))
قال في شرح السنن: ((أما)) بتخفيف الميم يحتمل أن يكون بمعنى: حقا، وإذ للتعليل.
قوله: ((فاقتسما)) . فيه دليل على أن الهبة إنما تملك بالقبول؛ لأن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أمرهما بالاقتسام بعد أن وهب كل واحد نصيبه من الآخر.
قوله: ((ثم توخيا)) بفتح الواو والخاء المعجمة. قال في النهاية: أي: اقصدا الحق فيما تصنعان من القسمة، يقال توخيت الشيء أتوخاه توخيا إذا قصدت إليه وتعمدت فعله. قوله: ((ثم استهما)) أي: ليأخذ كل واحد منكما ما تخرجه القرعة من القسمة ليتميز سهم كل واحد منكما عن الآخر.
وفيه الأمر بالقرعة عند المساواة أو المشاحة، وقد وردت القرعة في كتاب اللّه في موضعين؛
 |
أحدهما: قوله تعالى: ((إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ)) [آل عمران: 44]. |
 |
والثاني: قوله تعالى: ((فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ)) [الصافات: 141]. |
وجاءت في خمسة أحاديث من السنة الأول هذا الحديث.
الثاني: حديث أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم كان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه.
الثالث: أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أقرع في ستة مملوكين.
17.1 كتاب الصلح وأحكام الجوار ((باب جواز الصلح عن ...
17.1 كتاب الصلح وأحكام الجوار ((باب جواز الصلح عن المعلوم والمجهول والتحليل منهما))
الرابع: قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول لاستهموا عليه)) .
الخامس: حديث الزبير أن صفية جاءت بثوبين لتكفن فيهما حمزة فوجدنا إلى جنبه قتيلا فقلنا: لحمزة ثوب وللأنصاري ثوب، فوجدنا أحد الثوبين أوسع من الآخر فأقرعنا عليهما ثم كفنا كل واحد في الثوب الذي خرج له.
والظاهر أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم اطلع على على هذا وقرره لأنه كان حاضرا هنالك، ويبعد أن يخفي عليه مثل ذلك في حق حمزة، وقد كانت الصحابة تعتمد القرعة في كثير من الأمور كما روي أنه تشاح الناس يوم القادسية في الأذان فأقرع يبنهم سعد.
قوله: ((ثم ليحلل)) إلخ. أي: ليسأل كل واحد منكما صاحبه أن يجعله في حل من قبله بإبراء ذمته، وفيه دليل على أنه يصح الإبراء من المجهول؛ لأن الذي في ذمة كل واحد ها هنا غير معلوم، وفيه أيضا صحة الصلح بمعلوم عن مجهول، ولكن لا بد مع ذلك من التحليل. وحكى في البحر عن الناصر والشافعي أنه لا يصح بمعلوم عن مجهول.
قوله: ((برأيي)) . هذا مما استدل به أهل الأصول على جواز العمل بالقياس وأنه حجة، وكذا استدلوا بحديث بعث معاذ المعروف.
وعن عمرو بن عوف أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: ((الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا حرم حلالا أو أحل حرامًا)) . رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وزاد: ((المسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حرامًا)) . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
الحديث أخرجه أيضا الحاكم وابن حبان، وفي إسناده كثير بن عبد اللّه بن عمرو بن عوف عن أبيه وهو ضعيف جدا.
17.1 كتاب الصلح وأحكام الجوار ((باب جواز الصلح عن ...
17.1 كتاب الصلح وأحكام الجوار ((باب جواز الصلح عن المعلوم والمجهول والتحليل منهما))
وعن عمرو بن عوف أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: ((الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا حرم حلالا أو أحل حرامًا)) . رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وزاد: ((المسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حرامًا)) . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
الحديث أخرجه أيضا الحاكم وابن حبان، وفي إسناده كثير بن عبد اللّه بن عمرو بن عوف عن أبيه وهو ضعيف جدا. قال فيه الشافعي وأبو داود: هو ركن من أركان الكذب، وقال النسائي: ليس بثقة. وقال ابن حبان: له عن أبيه عن جده نسخة موضوعة، وتركه أحمد.
وقد نوقش الترمذي في تصحيح حديثه، قال الذهبي: أما الترمذي فروى من حديثه ((الصلح جائز بين المسلمين)) وصححه، فلهذا لا يعتمد العلماء على تصحيحه. وقال ابن كثير في إرشاده: قد نوقش أبو عيسى -يعني الترمذي- في تصحيحه هذا الحديث وماشاكله. اهـ. واعتذر له الحافظ، قال في بلوغ المرام: وكأنه اعتبره بكثرة طرقه، وقد صححه ابن حبان من حديث أبي هريرة. اهـ. فقال: وكأنه اعتبره بكثرة طرقه؛ وذلك لأنه رواه أبو داود والحاكم من طريق كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة قال الحاكم: على شرطهما، وصححه ابن حبان وحسنه الترمذي. وأخرجه أيضا الحاكم من حديث أنس. وأخرجه أيضا من حديث عائشة وكذلك الدارقطني.
وأخرجه أحمد من حديث سليمان بن بلال عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة، وأخرجه ابن أبي شيبة عن عطاء مرسلا. وأخرجه البيهقي موقوفا على عمر كتبه إلى أبي موسى. وقد صرح الحافظ بأن إسناد حديث أنس وإسناد حديث عائشة واهيان، وضعف ابن حزم حديث أبي هريرة، وكذلك ضعفه عبد الحق. وقد روى من طريق عبد اللّه بن الحسين المصيصي وهو ثقة.
17.1 كتاب الصلح وأحكام الجوار ((باب جواز الصلح عن ...
17.1 كتاب الصلح وأحكام الجوار ((باب جواز الصلح عن المعلوم والمجهول والتحليل منهما))
وكثير بن زيد المذكور قال أبو زرعة: صدوق، ووثقه ابن معين، والوليد بن رباح صدوق أيضا.
ولا يخفى أن الأحاديث المذكورة والطرق يشهد بعضها لبعض، فأقل أحوالها أن يكون المتن الذي اجتمعت عليه حسنا.
قوله: ((الصلح جائز)) . ظاهر هذه العبارة العموم فيشمل كل صلح إلا ما استثنى، ومن ادعى عدم جواز صلح زائد على ما استثناه الشارع في هذا الحديث فعليه الدليل. وإلى العموم ذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد والجمهور. وحكى في البحر عن العترة والشافعي وابن أبي ليلى أنه لا يصح الصلح عن إنكار، وقد استدل لهم بقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه)) ، وبقوله تعالى: ((وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ)) [البقرة: 188].
ويجاب بأن الرضا بالصلح مشعر بطيبة النفس فلا يكون أكل المال به من أكل أموال الناس بالباطل.
وقد جمع بين الأدلة بجمع حسن صاحب السبل قال: ومعنى عدم صحته أنه لا يطيب مال الخصم مع إنكار المصالح وذلك حيث يدعي عليه آخر عينا أو دينا فيصالح ببعض العين أو الدين مع إنكار خصمه، فإن الباقي لا يطيب له، بل يجب عليه تسليمه لقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه)) . وقوله تعالى: ((عَنْ تَرَاضٍ)) [النساء: 29]. وأجيب بأنها قد وقعت طيبة النفس بالرضا وعند الصلح قد صار في حكم عقد المعاوضة فيحل له ما بقي.
قلت: الأولى أن يقال إن كان المدعي يعلم أن حقا عند خصمه جاز له قبض ما صولح به، والمدعى عليه إن كان عنده حق يعلمه جاز له إعطاء جزء من ماله في دفع شجار غريم وأذيته، وحرم على المدعي أخذه، وبهذا تجتمع الأدلة، ...
17.1 كتاب الصلح وأحكام الجوار ((باب جواز الصلح عن ...
17.1 كتاب الصلح وأحكام الجوار ((باب جواز الصلح عن المعلوم والمجهول والتحليل منهما))
فلا يقال: الصلح على الإنكار لا يصلح ولا أنه يصح على الإطلاق بل يفصل فيه. اهـ.
واحتج لهم في البحر بأن الصلح معاوضة فلا يصح مع الإنكار كالبيع. وأجيب بأنه لا معنى للإنكار في البيع لعدم ثبوت حق لأحدهما على الآخر يتعلق به الإنكار قبل صدور البيع فلا يصح القياس.
وقوله: ((بين المسلمين)) . هذا خرج مخرج الغالب، لأن الصلح جائز بين الكفار وبين المسلم والكافر. ووجه التخصيص أن المخاطب بالأحكام في الغالب هم المسلمون لأنهم هم المنقادون لها.
قوله: ((إلا صلحا)) . بالنصب على الاستثناء، وفي رواية لأبي داود والترمذي بالرفع. والصلح الذي يحرم الحلال كمصالحة الزوجة للزوج على أن لا يطلقها، أو لا يتزوج عليها، أو لا يبيت عند ضرتها، والذي يحلل الحرام كأن يصالحه على وطء أمة لا يحل له وطؤها، أو أكل مال لا يحل له أكله أو نحو ذلك.
قوله: ((المسلمون على شروطهم)) . وفي الإتيان بـ(على) ووصفهم بالإسلام والإيمان دلالة على علو مرتبتهم، وأنهم لا يخلون بشروطهم، فهلا يتنبه لذلك أهل هذا العصر ويقتدون بسلفهم وبما جاءت به شريعتهم لا سيما أهل العلم منهم ومن كان حائزا للشهادة والوظيفة. نسأل اللّه التوفيق.
((المسلمون على شروطهم)) أي: ثابتون عليها لا يرجعون عنها. قال المنذري وهذا في الشروط الجائزة دون الفاسدة، ويدل على هذا قوله: ((إلا شرطا حرم حلالا)) إلخ.
17.1 كتاب الصلح وأحكام الجوار ((باب جواز الصلح عن ...
17.1 كتاب الصلح وأحكام الجوار ((باب جواز الصلح عن المعلوم والمجهول والتحليل منهما))
ويؤيده ما ثبت في حديث بريرة من قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((كل شرط ليس في كتاب اللّه فهو باطل)) ، وحديث: ((من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)) .
والشرط الذي يحل الحرام كأن يشرط نصرة الظالم أو الباغي أو غزو المسلمين، والذي يحرم الحلال كأن يشرط عليه أن لا يطأ أمته أو زوجته أو نحو ذلك.