16.3 باب الحجر على المبذر


باب الحجر على المبذر
عن عروة بن الزبير قال: ابتاع عبد اللّه بن جعفر بيعا فقال علي رضي اللّه عنه: لآتين عثمان فلأحجرن عليك، فأعلم ذلك ابن جعفر الزبير فقال: أنا شريكك في بيعتك، فأتى عثمان رضي اللّه عنهما قال: تعال احجر على هذا، فقال الزبير: أنا شريكه، فقال عثمان: احجر على رجل شريكه الزبير. رواه الشافعي في مسنده.
هذه القصة رواها الشافعي عن محمد بن الحسن عن أبي يوسف القاضي عن هشام بن عروة عن أبيه، وأخرجها أيضا البيهقي. وقال: يقال إن أبا يوسف تفرد به وليس كذلك، ثم أخرجها من طريق الزهري المدني القاضي عن هشام نحوه.
ورواها أبو عبيد في كتاب الأموال عن عفان بن مسلم عن حماد بن زيد عن هشام بن حسان عن أبي سيرين قال: قال عثمان لعلي: ألا تأخذ على يد ابن أخيك -يعني عبد اللّه بن جعفر- وتحجر عليه! اشترى سبخة ـبفتح السين والمهملة وكسر الموحدة بعدها معجمة أي: ذات سباخة وهي الأرض التي لا تنبت ـ بستين ألف درهم ما يسرني أنها لي بنعلي.
وقد ساق القصة البيهقي فقال: اشترى عبد اللّه بن جعفر أرضا سبخة فبلغ ذلك عليا فعزم على أن يسأل عثمان الحجر عليه، فجاء عبد اللّه بن جعفر إلى الزبير فذكر له فقال الزبير: أنا شريكك، فلما سأل علي عثمان الحجر على عبد اللّه بن جعفر قال: كيف أحجر على من شريكه الزبير؟ وفي رواية للبيهقي أن الثمن ستمائة ألف. وقال الرافعي: الثمن ثلاثون ألفا. قال الحافظ: لعله من غلط الناسخ، والصواب بستين، يعني ألفا.

16.3 باب الحجر على المبذر


وروى القصة ابن حزم فقال: بستين ألفا. وقد استدل بهذه الواقعة من أجاز الحجر على من كان سيئ التصرف وبه قال علي وعثمان وعبد اللّه بن الزبير وعبد اللّه بن جعفر وشريح وعطاء والشافعي ومالك وأبو يوسف ومحمد هكذا في البحر.
قال في الفتح: والجمهور على جواز الحجر على الكبير. وخالف أبو حنيفة بعض الظاهرية، ووافق أبو يوسف ومحمد قال الطحاوي: ولم أر عن أحد من الصحابة منع الحجر على الكبير ولا عن التابعين إلا عن إبراهيم وابن سيرين، ثم حكى صاحب البحر عن العترة أنه لا يجوز مطلقا، وعن أبي حنيفة أنه لا يجوز أن يسلم إليه ماله بعد خمس وعشرين سنة.
ولهم أن يجيبوا عن هذه القصة بأنها وقعت عن بعض من الصحابة، والحجة إنما هو إجماعهم، والأصل جواز التصرف لكل مالك من غير فرق بين أنواع التصرفات فلا يمنع منها إلا ما قام الدليل على منعه، ولكن الظاهر أن الحجر على من كان في تصرفه سفه كان أمرا معروفا عند الصحابة مألوفا بينهم، ولو كان غير جائز لأنكره بعض من اطلع على هذه القصة، ولكان الجواب من عثمان رضي اللّه عنه عن علي بأن هذا غير جائز، وكذلك الزبير وعبد اللّه بن جعفر لو كان مثل هذا الأمر غير جائز لكان لهما عن تلك الشركة مندوحة، والعجب من ذهاب العترة إلى عدم الجواز مطلقا، وهذا إمامهم وسيدهم أمير المؤمنين علىّ يقول بالجواز مع كون أكثرهم يجعل قوله حجة متبعة يجب المصير إليها وتصلح لمعارضة المرفوع، وأما اعتذار صاحب البحر عن ذلك بأن عليًّا لم يفعل ذلك ففي غاية من السقوط؛ فإن الحجر لو كان غير جائز لما ذهب إلى عثمان وسأل منه ذلك.

16.3 باب الحجر على المبذر


وأما اعتذاره أيضا بأن ذلك اجتهاد فمخالف لما تمشى عليه في كثير من الأبحاث من الجزم بأن قول علىّ حجة من غير فرق بين ما كان للاجتهاد فيه مسرح وما ليس كذلك، على أن ما لا مجال للاجتهاد فيه لا فرق فيه بين قول عليّ وغيره من الصحابة أن له حكم الرفع، وإنما محل النزاع بين أهل البيت وغيرهم فيما كان من مواطن الاجتهاد، وكثيرا ما ترى جماعة من الزيدية في مؤلفاتهم يجزمون بحجية قول عليٍّ إن وافق ما يذهبون إليه ويعتذرون عنه إن خالف بأنه اجتهاد لا حجة فيه، كما يقع منهم ومن غيرهم إذا وافق قول أحد من الصحابة ما يذهبون إليه فإنهم يقولون لا مخالف له من الصحابة فكان إجماعا، ويقولون: إن خالف ما يذهبون إليه قول صحابي لا حجة فيه، وهكذا يحتجون بأفعاله صلى اللّه عليه وآله وسلم إن كانت موافقة للمذهب ويعتذرون عنها إن خالفت بأنها غير معلومة الوجه الذي لأجله وقعت، فلا تصلح للحجة، فليكن هذا منك على ذكر فإنه من المزالق التي يتبين عندها الإنصاف والاعتساف. وقد قدمنا التنبيه على مثل هذا وكررناه لما فيه من التحذير عن الاغترار بذلك.
ومن الأدلة الدالة على جواز الحجر على من كان بعد البلوغ سيئ التصرف قول اللّه تعالى: ((وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ)) [النساء: 5] قال في الكشاف: (السفهاء) المبذرون أموالهم الذين ينفقونها فيما لا ينبغي ولا يد لهم بإصلاحها وتثميرها والتصرف فيها، والخطاب للأولياء، وأضاف الأموال إليهم لأنها من جنس ما يقيم به الناس معايشهم كما قال: ((وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ)) [النساء: 29]، ((فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ)) [النساء: 25].

16.3 باب الحجر على المبذر


والدليل على أنه خطاب للأولياء في أموال اليتامى قوله: ((وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ)) [النساء: 5]. ثم قال في تفسير قوله تعالى: ((وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا)) : واجعلوها مكانا لرزقهم بأن تتحروا فيها وتتربحوا حتى تكون نفقتهم من الأرباح لا من صلب المال فلا يأكلها الإنفاق. وقيل: هو أمر لكل أحد أن لا يخرج ماله إلى أحد من السفهاء قريب أو أجنبي رجل أو امرأة يعلم أنه يضيعه فيما لا ينبغي ويفسده. انتهى.
وقد عرفت بهذا عدم اختصاص السفهاء المذكورين بالصبيان كما قال في البحر: فإنه تخصيص لما تدل عليه الصيغة بلا مخصص. ومما يؤيد ذلك نهيه صلى اللّه عليه وآله وسلم عن الإسراف بالماء ولو على نهر جار.
ومن المؤيدات عدم إنكاره صلى اللّه عليه وآله وسلم على قرابة حبان لما سألوه أن يحجر عليه إن صح ثبوت ذلك، وقد تقدم الحديث بجميع طرقه في البيع.
وقد استدل على جواز الحجر على السفيه أيضا برده صلى اللّه عليه وآله وسلم صدقة الرجل الذي تصدق بأحد ثوبيه كما أخرجه أصحاب السنن وصححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان وغيرهم من حديث أبي سعيد وأخرجه الدارقطني من حديث جابر. وبما أخرجه أبو داود وصححه ابن خزيمة من حديث جابر أيضا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم رد البيضة على من تصدق بها ولا مال له غيرها، وبرده صلى اللّه عليه وآله وسلم عِتق من أعتق عبدا له عن دبر ولا مال له غيره كما أشار إلى ذلك البخاري، وترجم عليه: باب من رد أمر السفيه والضعيف العقل، وإن لم يكن حجر عليه الإمام.

16.3 باب الحجر على المبذر


ومن جملة ما استدل به على الجواز قول ابن عباس وقد سئل متى ينقضي يتم اليتيم فقال: لعمري إن الرجل لتنبت لحيته وإنه لضعيف الأخذ لنفسه ضعيف العطاء، فإذا أخذ لنفسه من صالح ما أخذ الناس فقد ذهب عنه اليتم. حكاه في الفتح.
والحكمة في الحجر على السفيه أن حفظ الأموال حكمة لأنها مخلوقة للانتفاع بها بلا تبذير، ولهذا قال تعالى: ((إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ)) [الإسراء: 27]. قال في البحر: فصل، والسفه المقتضي للحجر عند من أثبته هو صرف المال في الفسق أو فيما لا مصلحة فيه ولا غرض ديني ولا دنيوي، كشراء ما يساوي درهما بمائة، لا صرفه في أكل طيب ولبس نفيس وفاخر المشموم لقوله تعالى: ((قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ)) [الأعراف: 32] الآية، وكذا لو أنفقه في القُرب. انتهى.