15.3 باب النهي عن التسعير، و باب ما جاء ...


باب النهي عن التسعير
عن أنس قال: غلا السعر على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فقالوا: يا رسول اللّه لو سعرت فقال: ((إن اللّه هو القابض الباسط الرازق المسعر، وإني لأرجو أن ألقى اللّه عز وجل ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال)) . رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي.
الحديث أخرجه أيضا الدارمي والبزار وأبو يعلى. قال الحافظ: وإسناده على شرط مسلم، وصححه أيضا ابن حبان، وفي الباب عن أبي هريرة عند أحمد وأبي داود قال: جاء رجل فقال: يا رسول اللّه سعر فقال: ((بل ادعوا اللّه)) ثم جاء آخر فقال: يا رسول اللّه سعر فقال: ((بل اللّه يخفض ويرفع)) . قال الحافظ: وإسناده حسن.
وعن أبي سعيد عند ابن ماجه والبزار والطبراني نحو حديث أنس ورجاله رجال الصحيح وحسنه الحافظ. وعن علي رضى الله عنه عند البزار نحوه. وعن ابن عباس عند الطبراني في الصغير. وعن أبي جحيفة عنده في الكبير.
قوله: لو سعرت. التسعير هو أن يأمر السلطان أو نوابه أو كل من ولى من أمور المسلمين أمرا أهل السوق أن لا يبيعوا أمتعتهم إلا بسعر كذا، فيمنع من الزيادة عليه أو النقصان لمصلحة.
قوله: ((المسعر)) فيه دليل على أن المسعر من أسماء اللّه تعالى، وأنها لا تنحصر في التسعة والتسعين المعروفة.

15.3 باب النهي عن التسعير، و باب ما جاء ...


وقد استدل بالحديث وما ورد في معناه على تحريم التسعير وأنه مظلمة. ووجهه أن الناس مسلطون على أموالهم والتسعير حجر عليهم، والإمام مأمور برعاية مصلحة المسلمين، وليس نظره في مصلحة المشتري برخص الثمن أولى من نظره في مصلحة البائع بتوفير الثمن، وإذا تقابل الأمران وجب تمكين الفريقين من الاجتهاد لأنفسهم وإلزام صاحب السلعة أن يبيع بما لا يرضى به مناف لقوله تعالى: ((إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ)) [النساء: 29]. وإلى هذا ذهب جمهور العلماء.
وروى عن مالك أنه يجوز للإمام التسعير، وأحاديث الباب ترد عليه. وظاهر الأحاديث أنه لا فرق بين حالة الغلاء وحالة الرخص ولا فرق بين المجلوب وغيره وإلى ذلك مال الجمهور.
وفي وجه للشافعية جواز التسعير في حالة الغلاء وهو مردود. وظاهر الأحاديث عدم الفرق بين ما كان قوتا للآدمي ولغيره من الحيوانات، وبين ما كان من غير ذلك من الإدامات وسائر الأمتعة. وجوز جماعة من متأخري أئمة الزيدية جواز التسعير فيما عدا قوت الآدمي والبهيمة كما حكى ذلك منهم صاحب الغيث. وقال شارح الأثمار: إن التسعير في غير القوتين لعله اتفاق، والتخصيص يحتاج إلى دليل، والمناسب الملغى لا ينتهض لتخصيص صرائح الأدلة بل لا يجوز العمل به على فرض عدم وجود دليل كما تقرر في الأصول.

15.3 باب النهي عن التسعير، و باب ما جاء ...


باب ما جاء في الاحتكار
عن سعيد بن المسيب عن معمر بن عبد اللّه العدوي أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: ((لا يحتكر إلا خاطئ)) . وكان سعيد يحتكر الزيت. رواه أحمد ومسلم وأبو داود.
وعن معقل بن يسار قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم كان حقا على اللّه أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة)) .
وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((من احتكر حكرة يريد أن يغلى بها على المسلمين فهو خاطئ)) . رواهما أحمد.
وعن عمر قال سمعت النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول: ((من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه اللّه بالجذام والإفلاس)) . رواه ابن ماجه.
حديث معمر أخرجه أيضا الترمذي وغيره. وحديث معقل أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط وفي إسناده زيد بن مرة أبو المعلى. قال في مجمع الزوائد: ولم أجد من ترجمه، وبقية رجاله رجال الصحيح.
وحديث أبي هريرة خرجه أيضا الحاكم، وزاد: ((وقد برئت منه ذمة اللّه)) . وفي إسناد حديث أبي هريرة أبو معشر وهو ضعيف وقد وثق. وحديث عمر في إسناده الهيثم بن رافع قال أبو داود: روى حديثا منكرا.

15.3 باب النهي عن التسعير، و باب ما جاء ...


قال الذهبي: هو الذي خرجه ابن ماجه يعني هذا، وفي إسناده أيضا أبو يحيى المكي وهو مجهول، ولبقية أحاديث الباب شواهد، منها: حديث ابن عمر عند ابن ماجه والحاكم وإسحاق بن راهويه والدارمي وأبي يعلى والعقيلي في الضعفاء بلفظ: ((الجالب مرزوق والمحتكر ملعون)) . وضعف الحافظ إسناده. ومنها حديث آخر عن ابن عمر أيضا عند أحمد والحاكم وابن أبي شيبة والبزار وأبي يعلى بلفظ: ((من احتكر الطعام أربعين ليلة فقد برئ من اللّه وبرئ اللّه منه)) . زاد الحاكم: ((وأيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة اللّه)) . وفي إسناده أصبغ بن زيد وكثير بن مرة، والأول مختلف فيه والثاني قال ابن حزم: إنه مجهول، وقال غيره: معروف، ووثقه ابن سعد، وروى عنه جماعة، واحتج به النسائي.
قال الحافظ: ووهم ابن الجوزي فأخرج هذا الحديث في الموضوعات، وحكى ابن أبي حاتم عن أبيه أنه منكر، ولا شك أن أحاديث الباب تنتهض بمجموعها للاستدلال على عدم جواز الاحتكار، ولو فرض عدم ثبوت شيء منها في الصحيح فكيف وحديث معمر المذكور في صحيح مسلم، والتصريح بأن المحتكر خاطئ كافٍ في إفادة عدم الجواز؛ لأن الخاطئ المذنب العاصي وهو اسم فاعل من خطئ بكسر العين وهمز اللام خطأ بفتح العين وبكسر الفاء وسكون العين إذا أثم في فعله، قاله أبو عبيدة وقال: سمعت الأزهري يقول: خطئ إذا تعمد، وأخطأ إذا لم يتعمد.

15.3 باب النهي عن التسعير، و باب ما جاء ...


قوله: ((بعظم)) بضم العين المهملة وسكون الظاء المعجمة أي: بمكان عظيم من النار. قوله: ((حكرة)) بضم الحاء المهملة وسكون الكاف وهي حبس السلع عن البيع.
وظاهر أحاديث الباب أن الاحتكار محرم من غير فرق بين قوت الآدمي والدواب وبين غيره، والتصريح بلفظ: الطعام، في بعض الروايات لا يصلح لتقييد بقية الروايات المطلقة، بل هو من التنصيص على فرد من الأفراد التي يطلق عليها المطلق؛ وذلك لأن نفي الحكم عن غير الطعام إنما هو لمفهوم اللقب وهو غير معمول به عند الجمهور، وما كان كذلك لا يصلح للتقييد على ما تقرر في الأصول.
وذهبت الشافعية إلى أن المحرم إنما هو احتكار الأقوات خاصة لا غيرها ولا مقدار الكفاية منها وإلى ذلك ذهبت الهادوية.
قال ابن رسلان في شرح السنن: ولا خلاف في أن ما يدخره الإنسان من قوت وما يحتاجون إليه من سمن وعسل وغير ذلك جائز لا بأس به. انتهى.
ويدل على ذلك ما ثبت أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم كان يعطي كل واحدة من زوجاته مائة وسق من خيبر. قال ابن رسلان في شرح السنن: وقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يدخر لأهله قوت سنتهم من تمر وغيره.
قال أبو داود: قيل لسعيد -يعني ابن المسيب-: فإنك تحتكر، قال: ومعمر كان يحتكر، وكذا في صحيح مسلم.
قال ابن عبد البر وآخرون: إنما كانا يحتكران الزيت، وحملا الحديث على احتكار القوت عند الحاجة إليه، وكذلك حمله الشافعي وأبو حنيفة وآخرون.

15.3 باب النهي عن التسعير، و باب ما جاء ...


ويدل على اعتبار الحاجة وقصد إغلاء السعر على المسلمين قوله في حديث معقل: ((من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم)) . وقوله في حديث أبي هريرة: ((يريد أن يغلي بها على المسلمين)) . قال أبو داود: سألت أحمد ما الحكرة؟ قال: ما فيه عيش الناس، أي: حياتهم وقوتهم.
وقال الأثرم: سمعت أبا عبد اللّه -يعني أحمد بن حنبل- يسأل عن أي شيء الاحتكار؟ فقال: إذا كان من قوت الناس فهو الذي يكره، وهذا قول ابن عمر.
وقال الأوزاعي: المحتكر من يعترض السوق أي: ينصب نفسه للتردد إلى الأسواق ليشتري منها الطعام الذي يحتاجون إليه ليحتكره. قال السبكي: الذي ينبغي أن يقال في ذلك أنه إن منع غيره من الشراء وحصل به ضيق حرم وإن كانت الأسعار رخيصة، وكان القدر الذي يشتريه لا حاجة بالناس إليه فليس لمنعه من شرائه وادخاره إلى وقت حاجة الناس إليه معنى.
قال القاضي حسين والروياني: وربما يكون هذا حسنة لأنه ينفع به الناس، وقطع المحاملي في المقنع باستحبابه. قال أصحاب الشافعي: الأولى بيع الفاضل عن الكفاية. قال السبكي: أما إمساكه حالة استغناء أهل البلد عنه رغبة في أن يبيعه إليهم وقت حاجتهم إليه فينبغي ألا يكره بل يستحب.
والحاصل أن العلة إذا كانت هى الإضرار بالمسلمين لم يحرم الاحتكار إلا على وجه يضر بهم، ويستوي في ذلك القوت وغيره لأنهم يتضررون بالجميع.

15.3 باب النهي عن التسعير، و باب ما جاء ...


قال الغزالي في الإحياء: ما ليس بقوت ولا معين عليه فلا يتعدى النهي إليه، وإن كان مطعوما وما يعين على القوت كاللحم والفواكه وما يسد مسد شيء من القوت في بعض الأحوال وإن كان لا يمكن المداومة عليه فهو في محل النظر، فمن العلماء من طرد التحريم في السمن والعسل والشيرج والجبن والزيت وما يجري مجراه.
وقال السبكي: إذا كان في وقت قحط كان في إدخار العسل والسمن والشيرج وأمثالها إضرار فينبغي أن يقضي بتحريمه، وإذا لم يكن إضرار فلا يخلو احتكار الأقوات عن كراهة.
وقال القاضي حسين: إذا كان الناس يحتاجون الثياب ونحوها لشدة البرد أو لستر العورة فيكره لمن عنده ذلك إمساكه. قال السبكي: إن أراد كراهة تحريم فظاهر، وإن أراد كراهة تنزيه فبعيد. وحكى أبو داود عن قتادة أنه قال: ليس في التمر حكرة. وحكى أيضا عن سفيان أنه سئل عن كبس القت فقال: كانوا يكرهون الحكرة. والكبس بفتح الكاف وإسكان الموحدة، والقت بفتح القاف وتشديد التاء الفوقية وهي اليابس من القضب. قال الطيبي: إن التقييد بالأربعين اليوم غير مراد به التحديد. انتهى. ولم أجد من ذهب إلى العمل بهذا العدد.