15.4 كتاب السلم


كتاب السلم
عن ابن عباس قال: قدم النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال: ((من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)) . رواه الجماعة، وهو حجة في السلم في منقطع الجنس حالة العقد.
قوله: كتاب السلم، هو بفتح السين المهملة واللام كالسلف وزنًا ومعنى، وحكى في الفتح عن الماوردي أن السلف لغة أهل العراق والسلم لغة أهل الحجاز، وقيل: السلف تقديم رأس المال، والسلم تسليمه في المجلس، فالسلف أعم. قال في الفتح: والسلم شرعا بيع موصوف في الذمة وزيد في الحد ببدل يعطى عاجلا، وفيه نظر لأنه ليس داخلا في حقيقته.
قال: واتفق العلماء على مشروعيته إلا ما حكى عن ابن المسيب، واختلفوا في بعض شروطه، واتفقوا على أنه يشترط له ما يشترط للبيع، وعلى تسليم رأس المال في المجلس، واختلفوا هل هو عقد غرر جوز للحاجة أم لا. اهـ.
قوله: يسلفون، بضم أوله.
قوله: السنة والسنتين، في رواية للبخاري: عامين أو ثلاثة.
والسنة، بالنصب على الظرفية أو على المصدر، وكذلك لفظ: سنتين وعامين.
قوله: ((في كيل معلوم)) . احترز بالكيل عن السلم في الأعيان، وبقوله: ((معلوم)) ...

15.4 كتاب السلم


عن المجهول من المكيل والموزون، وقد كانوا في المدينة حين قدم النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يسلمون في ثمار نخيل بأعيانها فنهاهم عن ذلك لما فيه من الغرر إذا قد تصاب تلك النخيل بعاهة فلا تثمر شيئا.
قال الحافظ: واشتراط تعيين الكيل فيما يسلم فيه من المكيل متفق عليه من أجل اختلاف المكاييل إلا أن يكون في البلد سوى كيل واحد فإنه ينصرف إليه عند الإطلاق.
قوله: ((إلى أجل معلوم)) فيه دليل على اعتبار الأجل في السلم وإليه ذهب الجمهور وقالوا: لا يجوز السلم حالا، وقالت الشافعية: يجوز، قالوا: لأنه إذا جاز مؤجلا مع الغرر فجوازه حالا أولى، وليس ذكر الأجل في الحديث لأجل الاشتراط بل معناه: إن كان لأجل فليكن معلوما وتعقب بالكتابة فإن التأجيل شرط فيها. وأجيب بالفرق لأن الأجل في الكتابة شرع لعدم قدرة العبد غالبا.
واستدل الجمهور على اعتبار التأجيل بما أخرجه الشافعي والحاكم وصححه عن ابن عباس أنه قال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل قد أحله اللّه في كتابه وأذن فيه ثم قرأ ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ)) [البقرة: 282]. ويجاب بأن هذا يدل على جواز السلم إلى أجل، ولا يدل على أنه لا يجوز إلا مؤجلا. وبما أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عباس أنه قال: لا تسلف إلى العطاء ولا إلى الحصاد واضرب أجلا. ويجاب بأن هذا ليس بحجة لأنه موقوف عليه. وكذلك يجاب عن قول أبي سعيد الذي علقه البخاري ووصله عبد الرزاق بلفظ: السلم بما يقوم به السعر ربا ولكن السلف في كيل معلوم إلى أجل.

15.4 كتاب السلم


وقد اختلف الجمهور في مقدار الأجل فقال أبو حنيفة: لا فرق بين الأجل القريب والبعيد، وقال أصحاب مالك: لا بد من أجل تتغير فيه الأسواق، وأقله عندهم ثلاثة أيام وكذا عند الهادوية وعند ابن القاسم خمسة عشر يوما، وأجاز مالك السلم إلى العطاء والحصاد ومقدم الحاج، ووافقه أبو ثور، واختار ابن خزيمة تأقيته إلى الميسرة، واحتج بحديث عائشة أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بعث إلى يهودي أن يبعث إليه بثوبين إلى الميسرة. وأخرجه النسائي، وطعن ابن المنذر في صحته، وليس في ذلك دليل على المطلوب؛ لأن التنصيص على نوع من أنواع الأجل لا ينفي غيره.
وقال المنصور باللّه: أقله أربعون يوما، وقال الناصر: أقله ساعة، والحق ما ذهبت إليه الشافعية من عدم اعتبار الأجل لعدم ورود دليل يدل عليه فلا يلزم التعبد بحكم بدون دليل.
وأما ما يقال من أنه يلزم مع عدم الأجل أن يكون بيعا للمعدوم ولم يرخص فيه إلا في السلم، ولا فارق بينه وبين البيع إلا الأجل. فيجاب عنه بأن الصيغة فارقة، وذلك كاف.
واعلم أن للسلم شروطا غير ما اشتمل عليه الحديث مبسوطة في كتب الفقه، ولا حاجة لنا في التعرض لما لا دليل عليه، إلا أنه وقع الإجماع على اشتراط معرفة صفة الشيء المسلم فيه على وجه يتميز بتلك المعرفة عن غيره.

15.4 كتاب السلم


وعن ابن عمر قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((من أسلف شيئا فلا يشرط على صاحبه غير قضائه)) . وفي لفظ: ((من أسلف في شيء فلا يأخذ إلا ما أسلف فيه أو رأس ماله)) . رواهما الدارقطني، واللفظ الأول دليل امتناع الرهن والضمين فيه، والثاني بمنع الإقالة في البعض.
حديث أبي سعيد في إسناده عطية بن سعد العوفي، قال المنذري: لا يحتج بحديثه.
قوله: ابن أبزى، بالموحدة والزاي على وزن أعلى، وهو الخزاعي أحد صغار الصحابة ولأبيه أبزى صحبة.
قوله: إنباط، جمع نبيط وهم قوم معروفون كانوا ينزلون بالبطائح من العراقيين، قاله الجوهري، وأصلهم قوم من العرب دخلوا في العجم واختلطت أنسابهم وفسدت ألسنتهم ويقال لهم النبط بفتحتين، والنبيط بفتح أوله وكسر ثانيه وزيادة تحتانية، وإنما سموا بذلك لمعرفتهم بأنباط الماء أي: استخراجه لكثرة معالجتهم الفلاحة، وقيل: هم نصارى الشام، وهم عرب دخلوا في الروم ونزلوا بوادي الشام، ويدل على هذا قوله: من أنباط الشام. وقيل: هم طائفتان، طائفة اختلطت العجم ونزلوا البطائح، وطائفة اختلطت بالروم ونزلوا الشام.
قوله: فنسلفهم، بضم النون وإسكان السين المهملة وتخفيف اللام من الإسلاف، وقد تشدد اللام مع فتح السين من التسليف.
قوله: ما كنا نسألهم عن ذلك. فيه دليل على أنه لا يشترط في المسلم فيه أن يكون عند المسلم إليه، وذلك مستفاد من تقريره صلى اللّه عليه وآله وسلم لهم مع ترك الاستفصال.

15.4 كتاب السلم


قال ابن رسلان: وأما المعدوم عند المسلم إليه وهو موجود عند غيره فلا خلاف في جوازه.
قوله: وما نراه عندهم. لفظ أبي داود: إلى قوم ما هو عندهم، أي: ليس عندهم أصل من أصول الحنطة والشعير والتمر والزبيب.
وقد اختلف العلماء في جواز السلم فيما ليس بموجود في وقت السلم إذا أمكن وجوده في وقت حلول الأجل، فذهب إلى جوازه الجمهور قالوا: ولا يضر انقطاعه قبل الحلول. وقال أبو حنيفة: لا يصح فيما ينقطع قبله، بل لا بد أن يكون موجودا من العقد إلى المحل، ووافقه الثوري والأوزاعي، فلو أسلم في شيء فانقطع في محله لم ينفسخ عند الجمهور، وفي وجه للشافعية ينفسخ.
واستدل أبو حنيفة ومن معه بما أخرجه أبو داود عن ابن عمر أن رجلا أسلف رجلا في نخل فلم يخرج تلك السنة شيئا فاختصما إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال: ((بم تستحل ماله؟! اردد عليه ماله)) . ثم قال: ((لا تسلفوا في النخل حتى يبدو صلاحه)) .
وهذا نص في التمر، وغيره قياس عليه، ولو صح هذا الحديث لكان المصير إليه أولى لأنه صريح في الدلالة على المطلوب بخلاف حديث عبد الرحمن بن أبزى وعبد اللّه بن أبي أوفى فليس فيه إلا مظنة التقرير منه صلى اللّه عليه وآله وسلم مع ملاحظة تنزيل ترك الاستفصال منزلة العموم، ولكن حديث ابن عمر هذا في إسناده رجل مجهول؛ فإن أبا داود رواه عن محمد بن كثير عن سفيان عن أبي إسحاق عن رجل نجراني عن ابن عمر، ومثل هذا لا تقوم به حجة.

15.4 كتاب السلم


قال القائلون بالجواز: ولو صح هذا الحديث لحمل على بيع الأعيان أو على السلم الحالِّ عند من يقول به أو على ما قرب أجله. قالوا: ومما يدل على الجواز ما تقدم من أنهم كانوا يسلفون في الثمار السنتين والثلاث، ومن المعلوم أن الثمار لا تبقى هذه المدة، ولو اشترط الوجود لم يصح السلم في الرطب إلى هذه المدة، وهذا أولى ما يتمسك به في الجواز.
قوله: فلا يصرفه إلى غيره، الظاهر أن الضمير راجع إلى المسلم فيه لا إلى ثَمَنِهِ الَّذِي هُوَ رَأْسُ الْمَالِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ لَا يَحِلُّ جَعْلُ الْمُسْلَمِ فِيهِ ثَمَنًا لِشَيْءٍ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ، أَيْ: لَا يَصْرِفْهُ إلَى شَيْءٍ غَيْرَ عَقْدِ السَّلَمِ. وَقِيلَ: الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ، وَعَلَى ذَلِكَ حَمَلَهُ ابْنُ رِسْلَانَ فِي شَرْحِ السُّنَنِ وَغَيْرِهِ، أَيْ: لَيْسَ لَهُ صَرْفُ رَأْسِ الْمَالِ فِي عِوَضٍ آخَرَ كَأَنْ يَجْعَلَهُ ثَمَنًا لِشَيْءٍ آخَرَ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ حَتَّى يَقْبِضَهُ، وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْهَادِي وَالْمُؤَيَّدُ بِاَللَّهِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَزُفَرُ: يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ عَنْ مُسْتَقِرٍّ فِي الذِّمَّةِ فَجَازَ كَمَا لَوْ كَانَ قَرْضًا، وَلِأَنَّهُ مَالٌ عَادَ إلَيْهِ بِفَسْخِ الْعَقْدِ عَلَى فَرْضِ تَعَذُّرِ الْمُسْلَمِ فِيهِ فَجَازَ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ كَالثَّمَنِ فِي الْمَبِيعِ إذَا فُسِخَ الْعَقْدُ.

باب السلم
عن ابن عباس قال: قدم النبى -صلى الله عليه وسلم- المدينة وهم يسلفون فى الثمار السنة والسنتين فقال: ((من أسلف فى تمر فليسلف فى كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)) .

15.4 كتاب السلم


عن ابن عباس قال: قدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والناس يسلفون فقال لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((من أسلف فلا يسلف إلا فى كيل معلوم ووزن معلوم)) . وفي رواية عن ابن أبى نجيح بهذا الإسناد، مثل حديث عبد الوارث ولم يذكر ((إلى أجل معلوم)) . وفي رواية عن ابن أبى نجيح بإسنادهم مثل حديث ابن عيينة يذكر فيه: ((إلى أجل معلوم)) .
المعنى العام
علاقة السلم بكتاب البيع أنه شراء سلعة موصوفة في الذمة بثمن عاجل، وقد تناولت الأحاديث بيوعا ممنوعة بعد أن كانت في الجاهلية سائدة منتشرة، وبيوعا جائزة يظن أن تمنع، لكنها للحاجة إليها أجيزت مع ما فيها من غرر محتمل، وجهالة يغض الطرف عنها، لما تعود على المتعاملين بالفائدة، ولما يعود منعها بالضرر الذي لا يحتمل، من هذا النوع السلم، فكثيرا ما يحتاج الناس شراء شيء ليس موجودا في الحال في يد البائع، ولكنه محقق الوجود عنده غالبا في وقت يتفق عليه الطرفان، وقد يكون من مصلحة البائع تسويق بضاعة قبل حيازته لها صالحة للبيع، كالثياب قبل نسيجها، والبترول قبل استخراجه، ويكون من مصلحة المشتري الاطمئنان على وصول السلعة عند الحاجة إليها، وقد يستغرق وصولها أياما وشهورًا، ومن هنا أجاز الشارع بيع الشيء الموصوف في الذمة المقدور على تسليمه، بشرط أن يكون معلوم الكيل إذا كان مكيلا، معلوم الوزن إذا كان موزونا، معلوم العد إذا كان معدودا، معلوم المقياس إذا كان مقيسا، وبصفة عامة معلوم المقدار، وأن يكون أجل التسليم معلوما.

15.4 كتاب السلم


المباحث العربية
(السلم) بفتح السين واللام، هو السلف، وزنا ومعنى، وذكر الماوردي أن السلف لغة أهل العراق، والسلم لغة أهل الحجاز، وقيل: السلف تقديم رأس المال، والسلم تسليمه في المجلس، فالسلف أعم.
والسلم شرعا: بيع موصوف في الذمة، وقيل: عقد على موصوف في الذمة ببذل يعطى عاجلا، وبعضهم يقيد التعريف بلفظ السلم، وذكروا في تعريفه عبارات أخرى.
(قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة) أي: مهاجرا. وفي الرواية الثانية بدون ذكر المدينة، وهي مقصودة.
(وهم يسلفون في الثمار) الضمير لأهل المدينة، وفي الرواية الثانية: (والناس يسلفون) فـ(أل) في (الناس) للعهد، أي: ناس المدينة، وفي الرواية الثانية بدون: في الثمار، وذكرها ليس قيدا، فقد كانوا يسلفون في الثياب والحيوان.
(السنة والسنتين) أي: إلى أجل، وعند البخاري: (لعام ولعامين)، أو قال: (عامين أو ثلاثة)، وفي رواية: (السنتين والثلاثة).
وقوله: السنة والسنتين، منصوب إما على نزع الخافض، أي: إلى السنة، وإلى السنتين، أو على المصدر أي: إسلاف السنة، فالإسلاف مصدر منصوب، فلما حذف قام المضاف إليه مقامه.

15.4 كتاب السلم


((من أسلف في تمر)) وفي رواية: ((من سلف)) بتشديد اللام، وفي بعض النسخ: ((تمر)) بالتاء، وفي بعضها: ((ثمر)) بالثاء، وهو أعم، وفي رواية للبخاري: ((من أسلف في شيء)) وهي أشمل، وفي روايتنا الثانية: ((من أسلف)) .
((في كيل معلوم، ووزن معلوم)) الواو بمعنى أو، والمراد اعتبار الكيل فيما يكال، والوزن فيما يوزن، ويلحق بهما العدد فيما يعد، والقياس فيما يقاس بالأذرع ونحوها، لأن القصد عدم الجهالة بالمقدار.
ويشترط في كل ذلك تحديد نوع الكيل والوزن والقياس، لاختلافها باختلاف الأماكن.

فقه الحديث
قال الحافظ ابن حجر: واتفق العلماء على مشروعيته، إلا ما حكى عن ابن المسيب اهـ. وقال النووي: وأجمع المسلمون على جواز السلم اهـ. أي: السلم المؤجل.
واختلفوا في بعض شروطه، واتفقوا على أنه يشترط له ما يشترط للبيع، واختلفوا هل هو عقد غرر جوز للحاجة أم لا؟ واختلفوا في جواز السلم الحال، مع إجماعهم على جواز المؤجل، فجوزه الشافعي وآخرون، ومنعه مالك وأبو حنيفة وآخرون، واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: ((إلى أجل معلوم)) فالأجل المعلوم شرط صحة، كالكيل المعلوم، والوزن المعلوم، وقال الشافعية: إذا جاز السلم مع الأجل، ...

15.4 كتاب السلم


وفيه من الغرر ما فيه فمع الحال أولى، لكونه أبعد عن الغرر، وحملوا الأمر في قوله: ((فليسلف إلى أجل معلوم)) على العلم بالأجل إذا كان هناك أجل، لا على أنه يشترط الأجل، فالشرط العلم، وليس الأجل، والمعنى: من أسلم إلى أجل فليسلم إلى أجل معلوم، لا مجهول، وهذا هو المراد من قوله: ((في كيل معلوم)) أي إن كان هناك كيل فليسلم في كيل معلوم، وإن كان هناك وزن فليسلم في وزن معلوم، فالكيل ليس بشرط، والوزن ليس بشرط، إذ يجوز السلم في الثياب بالذرع والقياس.
ثم اختلفوا في المراد بالأجل المعلوم، هل يلزم تحديده باليوم والشهر مثلا؟ أو يكفي وصفه التقريبي؟ ذهب بعض العلماء إلى الأول، واعتمدوا على قول ابن عباس: لا تسلف على العطاء –أي إلى يوم وصول العطاء من الأمير- ولا إلى الحصاد، واضرب أجلا. اهـ فهم يشترطون تعيين الأجل بشيء لا يختلف، فإن خروج العطاء قد يختلف ولو بيوم، وكذلك الحصاد، وقدوم الحاج، وأجاز ذلك مالك وأبو ثور، واختار ابن خزيمة من الشافعية توسيع الأجل، فأجاز تأقيته إلى ميسرة. واختلفوا: هل يشترط قبض المال المبذول في مجلس العقد؟ أو يجوز التفرق قبل القبض؟ قال مالك: يجوز التفرق في السلم قبل القبض، إن كان بغير شرط، لأنه لم يذكر في الحديث، وقال الشافعي والكوفيون: يفسد بالافتراق قبل القبض، لأنه يصير من باب بيع الدين بالدين.
واختلفوا: هل يشترط في السلم تحديد مكان القبض؟ قال أحمد وإسحاق وأبو ثور: يصح السلم إذا لم يذكر مكان القبض، لأنه لم يشترط في الحديث، وزاد مالك: ويقبضه في مكان السلم، وقال الثوري وأبو حنيفة والشافعي: لا يجوز السلم فيما له حمل ومؤنة إلا أن يشترط في تسليمه مكانا معلوما.

15.4 كتاب السلم


واختلفوا: هل يجوز السلم إلى من ليس عنده أصل مما أسلم فيه؟ على معنى هل يصح السلم في قمح لمن لا يزرع ولا يتاجر في القمح، وفي العنب إلى من لم يملك شجرة عنب؟ الجمهور على جوازه، فالحديث لا يشترط ذلك، وقد روى البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يسلفون في الحنطة... فقيل له: إلى من كان أصله عنده؟ قال: ما كنا نسألهم عن ذلك.
وعن عبد الرحمن بن أبزى: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يسلفون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسألهم: ألهم حرث أم لا؟ فاستفيد الحكم من عدم الاستفصال، وتقرير النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك.
واختلفوا: هل يجوز السلم في الموزون كيلا؟ قال النووي: يجوز السلم في المكيل وزنا بلا خلاف، وفي جواز السلم في الموزون كيلا وجهان لأصحابنا، أصحهما جوازه، كعكسه. اهـ
ولعل من منع يرى أن وزن المكيل يعطي دقة أكثر، أما كيل الموزون فهو أقل دقة، والحق أن الجواز ليس على الإطلاق، بل الجواز حيث يكون الكيل ضابطا كالوزن، والمنع حيث يكون الكيل غير ضابط، فالبرتقال مثلا، كيله لا يضبطه، والمعدود كالبيض، يكفي فيه العد، إلا أن يتفاوت تفاوتا يقتضي اختلاف الثمن.

15.4 كتاب السلم


واختلفوا في السلم في الحيوان، ذكر البخاري معلقا عن الحسن البصري أنه كان لا يرى بأسا بالسلف في الحيوان إذا كان شيئا معلوما إلى أجل معلوم، وقال ابن حزم: لا يجوز السلم إلا في مكيل أو موزون، ولا يجوز في مزروع ولا معدود ولا شيء غير ما ذكر في النص.
عن ابن أبى نجيح بإسنادهم مثل حديث ابن عيينة يذكر فيه: ((إلى أجل معلوم)) .