4.2 باب تفضيل مكة على سائر البلاد


باب تفضيل مكة على سائر البلاد
(عن عبد الله بن عدي بن الحمراء أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول وهو واقف بالحزورة في سوق مكة: ((والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت)) . رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه).
(وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكة: ((ما أطيبك من بلد إلي ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك)) . رواه الترمذي وصححه). قوله : (بالحزورة) بالحزورة بفتح الحاء المهملة والزاي وفتح الواو المشددة بعدها راء ثم هاء هي الرابية الصغيرة. وفي القاموس: الحزورة كقَسْوَرَة: الناقة المُقَتَّلَةُ المذللة والرابية الصغيرة. انتهى. قوله: (إنك لخير أرض اللّه). فيه دليل على أن مكة خير أرض اللّه على الإطلاق وأحبها إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، وبذلك استدل من قال: إنها أفضل من المدينة. قال القاضي عياض: إن موضع قبره صلى اللّه عليه وآله وسلم أفضل بقاع الأرض، وإن مكة والمدينة أفضل بقاع الأرض.
واختلفوا في أفضلها ما عدا موضع قبره صلى اللّه عليه وآله وسلم، فقال أهل مكة والكوفة والشافعي وابن وهب وابن حبيب المالكيان: إن مكة أفضل، وإليه مال الجمهور، وذهب عمر وبعض الصحابة ومالك وأكثر المدنيين إلى أن المدينة أفضل، واستدل الأولون بحديث عبد اللّه بن عدي المذكور في الباب. وقد أخرجه ابن خزيمة وابن حبان وغيرهم. قال ابن عبد البر: هذا نص في محل الخلاف فلا ينبغي العدول عنه، وقد ادعى القاضي عياض الاتفاق على استثناء البقعة التي قبر فيها صلى اللّه عليه وآله وسلم، وعلى أنها أفضل البقاع؛ قيل: لأنه قد روي أن المرء يدفن في البقعة التي أخذ منها ترابه عندما يخلق، كما روى ذلك ابن عبد البر في تمهيده من طريق عطاء الخراساني موقوفا.

4.2 باب تفضيل مكة على سائر البلاد


ويجاب عن هذا بأن أفضلية البقعة التي خلق منها صلى اللّه عليه وآله وسلم إنما كان بطريق الاستنباط ونصبه في مقابلة النص الصريح الصحيح غير لائق على أنه معارض بما رواه الزبير بن بكار أن جبريل أخذ التراب الذي منه خلق صلى اللّه عليه وآله وسلم من تراب الكعبة، فالبقعة التي خلق منها من بقاع مكة، وهذا لا يقصر عن الصلاحية لمعارضة ذلك الموقوف لا سيما وفي إسناده عطاء الخراساني. نعم إن صح الاتفاق الذي حكاه عياض كان هو الحجة عند من يرى أن الإجماع حجة.
وقد استدل القائلون بأفضلية المدينة بأدلة منها حديث: ((ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة)) . كما في البخاري وغيره، مع قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها)) . وهذا أيضا مع كونه لا ينتهض لمعارضة ذلك الحديث المصرح بالأفضلية هو أخص من الدعوة لأن غاية ما فيه أن ذلك الموضع بخصوصه من المدينة فاضل وأنه غير محل النزاع.
وقد أجاب ابن حزم عن هذا الحديث بأن قوله: ((أنها من الحنة)) . مجاز إذ لو كان حقيقة لكانت كما وصف اللّه الجنة (( إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى)) [طه: 118] وإنما المراد أن الصلاة فيها تؤدي إلى الجنة كما يقال في يوم الطيب هذا من أيام الجنة، وكما قال صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((الجنة تحت ظلال السيوف)) . قال: ثم لو ثبت أنه على الحقيقة لما كان الفضل إلا لتلك البقعة خاصة. فإن قيل: إن ما قرب منها أفضل مما بعد لزمهم أن يقولوا: إن الجحفة أفضل من مكة، ولا قائل به.
ومن جملة أدلة القائلين بأفضلية مكة على المدينة حديث ابن الزبير عند أحمد وعبد بن حميد وابن زنجويه وابن خزيمة والطحاوي والطبراني والبيهقي وابن حبان وصححه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ...

4.2 باب تفضيل مكة على سائر البلاد


((صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي بمائة صلاة)) . وقد روي من طريق خمسة عشر من الصحابة. ووجه الاستدلال بهذا الحديث أن أفضلية المسجد لأفضلية المحل الذي هو فيه. ومن جملة ما استدلوا به حديث: ((اللّهم إنهم أخرجوني من أحب البلاد إليّ فأسكني في أحب البلاد إليك)) . أخرجه الحاكم في المستدرك.
ويجاب بأن النزاع في الأفضل لا فيما هو أحب، والمحبة لا تستلزم الأفضلية والاستنباط لا يقاوم النص.
واعلم أن الاشتغال ببيان الفاضل من هذين الموضعين الشريفين كالاشتغال ببيان الأفضل من القرآن والنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، والكل من فضول الكلام التي لا تتعلق به فائدة غير الجدال والخصام، وقد أفضى النزاع في ذلك وأشباهه إلى فتن وتلفيق حجج واهية، كاستدلال المهلب على أفضلية المدينة بأنها هي التي أدخلت مكة وغيرها من القرى في الإسلام فصار الجميع في صحائف أهلها، وبأنها تنفي الخبث كما ثبت في الحديث الصحيح. وأجيب عن الأول بأن أهل المدينة الذين فتحوا مكة معظمهم من أهل مكة، فالفضل ثابت للفريقين، ولا يلزم من ذلك تفضيل إحدى البقعتين.
وعن الثاني بأن ذلك إنما هو في خاص من الناس ومن الزمان بدليل قوله تعالى: ((وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ)) [التوبة: 101]. والمنافق خبيث بلا شك، وقد خرج من المدينة بعد النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم معاذ وأبو عبيدة وابن مسعود وطائفة ثم علي وطلحة والزبير وعمار وآخرون وهم من أطيب الخلق، فدل على أن المراد بالحديث تخصيص ناس دون ناس ووقت دون وقت على أنه إنما يدل ذلك على أنها فضيلة لا أنها فاضلة.