3.2 باب صيد الحرم وشجره


باب صيد الحرم وشجره
عن ابن عباس قال: (قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يوم فتح مكة: ((إن هذا البلد حرام لا يعضد شوكه، ولا يختلى خلاه، ولا ينفر صيده، ولا تلتقط لقطته إلا لمعرف)) . فقال العباس: إلا الإذخر فإنه لابد لهم منه فإنه للقيون والبيوت. فقال: ((إلا الإذخر))).
وعن أبي هريرة (أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لما فتح مكة قال: ((لا ينفر صيدها، ولا يختلى شوكها، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد)). فقال العباس: الإذخر فإنا نجعله لقبورنا وبيوتنا. فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((إلا الإذخر))) . متفق عليهما.
وفي لفظ لهم: ((لا يعضد شجرها)) بدل قوله: ((لا يختلى شوكها)).
قوله: ((لا يعضد شوكها)) بضم أوله وسكون المهملة وفتح الضاد المعجمة، أي لا يقطع. وفي رواية للبخاري: ((ولا يعضد بها شجرة)). قال القرطبي: خص الفقهاء الشجر المنهى عنه بما ينبته اللّه تعالى من غير آدمي، فأما ما ينبت بمعالجة آدمي فاختلف فيه الجمهور على الجواز.
وقال الشافعي: في الجميع الجزاء، ورجحه ابن قدامة، واختلفوا في جزاء ما قطع من النوع الأول، فقال مالك: لا جزاء فيه بل يأثم، وقال عطاء: يستغفر. وقال أبو حنيفة: بقيمته هدى. وقال الشافعي: في العظيمة بقرة، وفيما دونها شاة. قال ابن العربي: اتفقوا على تحريم قطع شجر الحرم إلا أن الشافعي أجاز قطع السواك من فروع الشجرة، كذا نقله أبو ثور عنه، وأجاز أيضا أخذ الورق والثمر إذا كان لا يضرها ولا يهلكها، وبهذا قال عطاء ومجاهد وغيرهما، وأجازوا قطع الشوك لكونه يؤذي بطبعه فأشبه الفواسق، ومنعه الجمهور لنهيه صلى اللّه عليه وآله وسلم عن ذلك كما في حديثي الباب.

3.2 باب صيد الحرم وشجره


والقياس مصادم لهذا النص فهو فاسد الاعتبار، وهو أيضا قياس غير صحيح لقيام الفارق؛ فإن الفواسق المذكورة تقصد بالأذى بخلاف الشجر. قال ابن قدامة: ولا بأس بالانتفاع بما انكسر من الأغصان وانقطع من الشجر من غير صنيع الآدمي ولا بما يسقط من الورق، نص عليه أحمد، ولا نعلم فيه خلافا. انتهى.
قوله: ((ولا يختلى خلاه)). الخلا بالخاء المعجمة مقصور، وذكر ابن التين أنه وقع في رواية القابسي بالمد، وهو الرطب من النبات، واختلاؤه قطعه واحتشاشه، واستدل به على تحريم رعيه لكونه أشد من الاحتشاش، وبه قال مالك والكوفيون، واختاره الطبري، وتخصيص التحريم بالرطب إشارة إلى جواز رعي اليابس وجواز اختلائه، وهو أصح الوجهين للشافعية؛ لأن اليابس كالصيد الميت.
قال ابن قدامة: لكن في استثناء الإذخر إشارة إلى تحريم اليابس، ويدل عليه أن في بعض طرق حديث أبي هريرة: ((ولا يحتش حشيشها)) .
قال: وأجمعوا على إباحة أخذ ما استنبته الناس في الحرم من بقل وزرع ومشموم فلا بأس برعيه واختلائه. قوله: ((ولا ينفر صيده)). بضم أوله وتشديد الفاء المفتوحة قيل هو كناية عن الاصطياد، وقيل على ظاهره.
قال النووي: يحرم التنفير، وهو الإزعاج عن موضعه، فإن نفره عصى، تلف أو لا، وإن تلف في نفارة قبل سكونه ضمن وإلا فلا. قال قال العلماء: يستفاد من النهي عن التنفير تحريم الإتلاف بالأولى.
قوله: ((ولا تلتقط لقطته إلا لمعرف)). وكذلك قوله في الحديث الثاني: ((ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد)). يأتي الكلام على هذا في اللقطة إن شاء اللّه تعالى.

3.2 باب صيد الحرم وشجره


قوله: ((إلا الإذخر)). بكسر الهمزة وسكون الذال المعجمة وكسر الخاء المعجمة أيضا. قال في الفتح: نبت معروف عند أهل مكة، طيب الريح، له أصل مندفن وقضبان دقاق ينبت في السهل والحزن، وأهل مكة يسقفون به البيوت بين الخشب ويسدوا به الخلل بين اللبنات في القبور.
ويجوز في قوله: ((إلا الإذخر)). الرفع على البدل مما قبله، والنصب على الاستثناء. واستدل به على جواز الاجتهاد منه صلى اللّه عليه وآله وسلم، وعلى جواز الفصل بين المستثنى والمستثنى منه، والكلام في ذلك معروف في الأصول.
واستدل به أيضا على جواز النسخ قبل الفعل وهو ليس بواضح كما قال الحافظ. قوله: (فإنه للقيون). جمع قين وهو الحداد.
قوله: (لقبورنا وبيوتنا) قد سلف بيان الانتفاع به في القبور والبيوت.
وعن عطاء (أن غلاما من قريش قتل حمامة من حمام مكة فأمر ابن عباس أن يفدى عنه بشاة). رواه الشافعي.
الأثر أخرجه أيضا ابن أبي شيبة والبيهقي من طرق. وفي الباب عن جماعة من الصحابة منهم علي عند الشافعي، وابن عمر عند ابن أبي شيبة، وعن عمر وعثمان عند الشافعي وابن أبي شيبة، فهؤلاء قضى كل واحد منهم بشاة في الحمامة.
وقد روى مثل ذلك عن جماعة من التابعين كعاصم بن عمر، رواه عنه الشافعي والبيهقي، وسعيد بن المسيب رواه عنه البيهقي، وعن نافع بن عبد الحارث رواه عنه الشافعي، وروى عن مالك أنه قال: في حمام الحرم الجزاء، وفي حمام الحل القيمة.
وعن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه -في قصة صيده الحمار الوحشي، وهو غير محرم- قال: (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه وكانوا محرمين: ((هل منكم أحد أمره أو أشار إليه بشيء؟)) قالوا: لا. قال: ((فكلوا ما بقي من لحمه)). متفق عليه.

3.2 باب صيد الحرم وشجره


وعن الصعب بن جثامة الليثي رضي الله عنه أنه (أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا وهو بالأبواء، أو بودان فرده عليه وقال: ((إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم)). متفق عليه.

الشرح
وعن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه في قصة صيده الحمار الوحشي وهو غير محرم وكان ذلك عام الحديبية قال: (فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه وكانوا محرمين: ((هل منكم أحد أمره أو أشار إليه بشيء؟)). فقالوا: لا. قال: ((فكلوا ما بقي من لحمه)). متفق عليه.
قد استشكل عدم إحرام أبي قتادة وقد جاوز الميقات، وأجيب عنه بأجوبة؛ منها: أنه كان قد بعثه صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه لكشف عدو لهم بالساحل. ومنها: أنه لم يخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم بل بعثه أهل المدينة. ومنها: أنها لم تكن المواقيت قد وقتت في ذلك الوقت. والحديث دليل على جواز أكل المحرم لصيد البر، والمراد به إن صاده غير محرم، ولم يكن منه إعانة على قتله بشيء، وهو رأي الجماهير، والحديث نص فيه. وقيل: لا يحل أكله وإن لم يكن منه إعانة عليه.
ويروى هذا عن علي رضي الله عنه وابن عباس وابن عمر، وهو مذهب الهادوية عملا بظاهر قوله تعالى: (( وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا)) [المائدة: 96]. بناء على أنه أريد بالصيد المصيد، وأجيب عنه بأن المراد في الآية الاصطياد، ولفظ الصيد وإن كان مترددا بين المعنيين لكن بين حديث أبي قتادة المراد، ...

3.2 باب صيد الحرم وشجره


وزاده بيانا حديث جابر بن عبد الله عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم)). أخرجه أصحاب السنن وابن خزيمة وابن حبان والحاكم إلا أن في بعض رواته مقالا بينه المصنف في التلخيص.
وعلى تقدير أن المراد في الآية الحيوان الذي يصاد فقد ثبت تحريم الاصطياد من آيات أخر ومن أحاديث، ووقع البيان بحديث جابر فإنه نص في المراد، والحديث فيه زيادة، وهي قوله صلى الله عليه وسلم: ((هل معكم من لحمه شيء؟)). وفي رواية: ((هل معكم منه شيء؟)). قالوا: معنا رجله، فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكلها. إلا أنه لم يخرج الشيخان هذه الزيادة، واستدل المانع لأكل المحرم الصيد مطلقا بقوله: وعن الصعب بن جثامة الليثي رضي الله عنه أنه (أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا وهو بالأبواء، أو بودان فرده عليه وقال: ((إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم)). متفق عليه.
(وعن الصعب) بفتح الصاد المهملة وسكون العين المهملة فموحدة. (ابن جثامة) بفتح الجيم وتشديد المثلثة الليثي أنه (أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا). وفي رواية: (حمار وحش يقطر دما). وفي أخرى: (لحم حمار وحش). وفي أخرى: (عجز حمار وحش). وفي رواية: (عضدا من لحم صيد). كلها في مسلم.
(وهو بالأبواء) بالموحدة ممدودة. (أو بودان) بفتح الواو وتشديد الدال المهملة، وكان ذلك في حجة الوداع. (فرده عليه وقال: ((إنا لم نرده))). بفتح الدال رواه المحدثون، وأنكره المحققون من أهل العربية، وقالوا: صوابه ضمها؛ لأنه القاعدة في تحريك الساكن إذا كان بعده ضمير المذكر الغائب على الأصح.

3.2 باب صيد الحرم وشجره


وقال النووي في ((شرح مسلم)): في رده ونحوه للمذكر ثلاثة أوجه؛ أوضحها: الضم، والثاني: الكسر وهو ضعيف، والثالث: الفتح وهو أضعف منه، بخلاف ما إذا اتصل به ضمير المؤنث، نحو: ردها، فإنه بالفتح.
((عليك إلا أنا حرم)). بضم الحاء والراء أي محرمون. (متفق عليه). دل على أنه لا يحل لحم الصيد للمحرم مطلقا؛ لأنه علل صلى الله عليه وسلم رده لكونه محرما ولم يستفصل هل صاده لأجله أو لا، فدل على التحريم مطلقا. وأجاب من جوزه بأنه محمول على أنه صيد لأجله صلى الله عليه وسلم، فيكون جمعا بينه وبين حديث أبي قتادة، والجمع بين الأحاديث إذا أمكن أولى من اطراح بعضها، وقد دل لهذا أن في حديث أبي قتادة الماضي عند أحمد وابن ماجه بإسناد جيد: (إنما صدته له، وأنه أمر أصحابه يأكلون ولم يأكل منه حين أخبرته أني اصطدته له).
قال أبو بكر النيسابوري: قوله: (اصطدته لك وأنه لم يأكل منه). لا أعلم أحدا قاله في هذا الحديث غير معمر. (قلت): معمر ثقة لا يضر تفرده، ويشهد للزيادة حديث جابر الذي قدمناه، وفي الحديث دليل على أنه ينبغي قبول الهدية وإبانة المانع من قبولها إذا ردها. واعلم أن ألفاظ الروايات اختلفت؛ فقال الشافعي: إن كان الصعب أهدى النبي صلى الله عليه وسلم الحمار حيًّا فليس للمحرم ذبح حمار وحشي، وإن كان أهدى لحم حمار فيحتمل أنه صلى الله عليه وسلم قد فهم أنه صاده لأجله.
وأما رواية (أنه صلى الله عليه وسلم أكل منه) التي أخرجها البيهقي فقد ضعفها ابن القيم، ثم إنه استقوى من الروايات رواية لحم حمار؛ قال: لأنها لا تنافي رواية من روى حمارا؛ لأنه قد يسمى الجزء باسم الكل وهو شائع في اللغة، ولأن أكثر الروايات اتفقت أنه بعض من أبعاض الحمار، وإنما وقع الاختلاف في ذلك البعض، ولا تناقض بينها؛ فإنه يحتمل أن يكون المهدى من الشق الذي فيه العجز الذي فيه رجله.