2.2 باب تحريم قتل الصيد وضمانه بنظيره


باب تحريم قتل الصيد وضمانه بنظيره
قال اللّه تعالى: (( فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ)) [المائدة: 95] الآية.
وعن جابر قال: (جعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في الضبع يصيبه المحرم كبشا وجعله من الصيد). رواه أبو داود وابن ماجه.
الحديث أخرجه أيضا بقية أهل السنن وابن حبان وأحمد والحاكم في المستدرك. قال الترمذي: سألت عنه البخاري فصصحه، وكذا صححه عبد الحق، وقد أعل بالوقف، وقال البيهقي: هو حديث جيد تقوم به الحجة، ورواه عن جابر عن عمر وقال: لا أراه إلا رفعه، رواه الشافعي موقوفا، وصحح وقفه من هذا الوجه الدارقطني، ورواه من وجه آخر هو والحاكم مرفوعا.
وفي الباب عن ابن عباس عن الدارقطني والبيهقي. قال البيهقي: روى موقوفا عن ابن عباس، والآية الكريمة أصل أصيل في وجوب الجزاء على من قتل صيدا وهو محرم، ويكون الجزاء مماثلا للمقتول، ويرجع في ذلك إلى حكم عدلين كما ذهب إليه مالك، وهو ظاهر الآية، وقيل: إنه لا يرجع إلى حكم العدلين إلا فيما لا مثل له، وأما فيما له فيرجع فيه إلى ما حكم به السلف، وما لم يحكم فيه السلف رجع إلى ما حكم به عدلان. واختلف في أي شيء تعتبر المماثلة، فقيل في الشكل أو الفعل، وقيل في القيمة. والحديث يدل على أن الضبع صيد وأن فيه كبشا.
وعن محمد بن سيرين (أن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: إني أجريت أنا وصاحب لي فرسين نستبق إلى ثغرة ثنية فأصبنا ظبيا ونحن محرمان فماذا ترى؟ فقال عمر لرجل بجنبه: تعال حتى نحكم أنا وأنت...

2.2 باب تحريم قتل الصيد وضمانه بنظيره


فقال: فحكما عليه بعنز، فولي الرجل وهو يقول: هذا أمير المؤمنين لا يستطيع أن يحكم في ظبي حتى دعا رجلا فحكم معه، فسمع عمر قول الرجل فدعاه فسأله: هل تقرأ سورة المائدة؟ فقال: لا. فقال: هل تعرف هذا الرجل الذي حكم معي؟ ...
فقال: لو أخبرتني أنك سورة المائدة لأوجعتك ضربا، ثم قال: إن اللّه عز وجل يقول في كتابه: (( يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ)) [المائدة: 95] وهذا عبد الرحمن بن عوف). رواه مالك في الموطأ.
وعن جابر ( أن عمر قضي في الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب بعناق، وفي اليربوع بجفرة). رواه مالك في الموطأ.
وعن الأجلح بن عبد اللّه عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: ((في الضبع إذا أصابه المحرم كبش، وفي الظبي شاة، وفي الأرنب عناق، وفي اليربوع جفرة. قال: والجفرة التي قد أرتعت) . رواه الدارقطني.
قال ابن معين: الأجلح ثقة. وقال ابن عدي: صدوق. وقال أبو حاتم: لا يحتج بحديثه. الأثر الأول رواه مالك في الموطأ عن عبد الملك بن قريب عن محمد بن سيرين، وعبد الملك بن قريب هو الأصمعي وهو ثقة. والأثر الثاني لم يذكر مالك في الموطأ قوله: عن جابر، بل رواه عن أبي الزبير: إن عمر بن الخطاب قضى في الضبع... إلخ، وأخرجه أيضا الشافعي بسند صحيح عن عمر.
وأخرج البيهقي عن ابن عباس أنه قضى في الأرنب بعناق. وروى عنه الشافعي من طريق الضحاك أنه قضى بالأرنب بشاة. وأخرج البيهقي عن ابن مسعود أنه قضى في اليربوع بجفرة. ورواه الشافعي عنه من طريق مجاهد، وروى أبو يعلى عن عمر وقال: لا أراه إلا رفعه أنه حكم في الضبع بشاة، وفي الأرنب بعناق، وفي اليربوع جفرة، وفي الظبي كبش. وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر أنه قضى في الأرنب ببقرة.

2.2 باب تحريم قتل الصيد وضمانه بنظيره


وروى إبراهيم الحربي في الغريب عن ابن عباس أنه قضى في اليربوع بحمل، والحمل ولد الضأن الذكر.
وحديث جابر أخرجه أيضا البيهقي وأبو يعلى وقالا عن جابر رفعه، وأما الدارقطني فرواه من طريق إبراهيم الصائغ عن عطاء عن جابر يرفعه. وكذلك الحاكم.
ورواه الشافعي عن مالك عن أبي الزبير موقوفا على جابر، وصحح وقفه الدارقطني من هذا الوجه كما سلف في أول الباب.
قوله: (فحكما عليه بعنز) . قد وافقهما على ذلك علي وعثمان وابن عباس وابن عمر وجفرة وزيد بن ثابت وابن الزبير، وكذلك وافقوا عمر في إيجاب عناق في الأرنب، وجفرة في اليربوع، كما حكى ذلك المهدي في البحر عنهم. وهو موافق لما في حديث جابر المرفوع المذكور في الباب ((إلا في الظبي)) فإنه أوجب فيه شاة، ولكنها قد تطلق الشاة على المعز. قال في القاموس: الشاة الواحدة من الغنم للذكر والأنثى، أو يكون من الضأن والمعز والظباء والبقر والنعام وحمر الوحش. انتهى.
قوله: (جفرة) الجفرة بفتح الجيم: هي الأنثى من ولد الضأن التي بلغت أربعة أشهر وفصلت عن أمها، والعنز بفتح المهملة وسكون النون بعدها زاي الأنثى من المعز، الجمع أعنز وعنوز وعناز.
وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب)) . رواه مسلم.

2.2 باب تحريم قتل الصيد وضمانه بنظيره


الشرح
(وعن عثمان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا ينكح))) بفتح حرف المضارعة أي: لا ينكح هو لنفسه. (المحرم ولا ينكح) بضم حرف المضارعة، لا يعقد لغيره. (ولا يخطب) له ولا لغيره. (رواه مسلم).
الحديث دليل على تحريم العقد على المحرم لنفسه ولغيره وتحريم الخطبة كذلك. والقول إنه صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة بنت الحارث وهو محرم لرواية ابن عباس لذلك، مردود بأن رواية أبي رافع (أنه تزوجها صلى الله عليه وسلم وهو حلال) أرجح؛ لأنه كان السفير بينهما، أي: بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين ميمونة، ولأنها رواية أكثر الصحابة. قال القاضي عياض: لم يرو أنه تزوجها محرما إلا ابن عباس وحده حتى قال سعيد بن المسيب: ذهل ابن عباس وإن كانت خالته ما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بعدما حل. ذكره البخاري.
ثم ظاهر النهي في الثلاثة التحريم إلا أنه قيل: إن النهي في الخطبة للتنزيه وإنه إجماع، فإن صح الإجماع فذاك ولا أظن صحته وإلا فالظاهر هو التحريم.
ثم رأيت بعد هذا نقلا عن ابن عقيل الحنبلي أنها تحرم الخطبة أيضا. قال ابن تيمية: لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الجميع نهيًا واحدًا ولم يفصل، وموجب النهي التحريم، وليس ما يعارض ذلك من أثر أو نظر.