2.1 باب ما جاء في الحجامة وغسل الرأس للمحرم، وباب ما جاء في ...
2.1 باب ما جاء في الحجامة وغسل الرأس للمحرم، وباب ما جاء في نكاح المحرم وحكم وطئه
باب ما جاء في الحجامة وغسل الرأس للمحرم
عن عبد اللّه بن بحينة قال: (احتجم النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وهو محرم بلحى جمل من طريق مكة في وسط رأسه). متفق عليه.
وعن ابن عباس (أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم احتجم وهو محرم). متفق عليه. وللبخاري (احتجم في رأسه وهو محرم من وجع كان به بماء يقال له: لحى الجمل).
وعن عبد اللّه بن حنين (إن ابن عباس والمسور بن مخرمة اختلفا بالأبواء، فقال ابن عباس: يغسل المحرم رأسه، وقال المسور: لا يغسل المحرم رأسه. قال: فأرسلني ابن عباس إلى أبي أيوب الأنصاري فوجدته يغتسل بين القرنين وهو يستر بثوب فسلمت عليه فقال: من هذا؟ فقلت: أنا عبد اللّه بن حنين أرسلني إليك ابن عباس يسألك: كيف كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يغتسل وهو محرم؟ قال: فوضع أبو أيوب يده على الثوب فطأطأه حتى بدا لي رأسه ثم قال لإنسان يصب عليه الماء: اصبب، فصب على رأسه ثم حرك رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر فقال: هكذا رأيته صلى اللّه عليه وآله وسلم يفعل). رواه الجماعة إلا الترمذي.
قوله: (وهو محرم) زاد في رواية للبخاري بعد قوله محرم لفظ (صائم). قوله: (بلحى جمل) بفتح اللام، وحكى كسرها وسكون المهملة وفتح الجيم والميم، موضع بطريق مكة، كما وقع مبينا في الرواية الثانية، وذكر البكري في معجمه أنه الموضع الذي يقال له: بئر جمل، وقال غيره: هو عقبة الجحفة على سبعة أميال من السقيا، ووهم من ظن أن المراد به لحى الجمل الحيوان المعروف، وأنه كان آلة الحجم، وجزم الحازمي وغيره بأن ذلك كان في حجة الوداع.
2.1 باب ما جاء في الحجامة وغسل الرأس للمحرم، وباب ما جاء في ...
2.1 باب ما جاء في الحجامة وغسل الرأس للمحرم، وباب ما جاء في نكاح المحرم وحكم وطئه
قوله: (في وسط) بفتح المهملة أي: متوسطه وهو ما فوق اليافوخ فيما بين أعلى القرنين. قال الليث: كانت هذه الحجامة في فاس الرأس. قال النووي: إذا أراد المحرم الحجامة لغير حاجة فإن تضمنت قطع شعر فهي حرام، وإن لم تتضمنه جازت عند الجمهور، وكرهها مالك، وعن الحسن فيها الفدية وإن لم يقطع شعرا، فإن كان لضرورة جاز قطع الشعر وتجب الفدية، وخص أهل الظاهر الفدية بشعر الرأس.
وقال الداودي: إذا أمكن مسك المحاجم بغير حلق لم يجز الحلق، واستدل بهذا الحديث على جواز الفصد وربط الجرح والدمل وقطع العرق وقلع الضرس وغير ذلك من وجوه التداوي إذا لم يكن في ذلك ارتكاب ما نهى المحرم عنه من تناول الطيب وقطع الشعر ولا فدية عليه في شيء من ذلك.
قوله: (بالأبواء) أي وهما نازلان بها، وفي رواية العرج بفتح أوله وإسكان ثانيه: قرية جامعة قريبة من الأبواء.
قوله: (بين القرنين) أي قرني البئر.
قوله: (أرسلني إليك ابن عباس) إلخ.
قال ابن عبد البر: الظاهر أن ابن عباس كان عنده في ذلك نص من النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أخذه عن أبي أيوب أو عن غيره، ولهذا قال عبد اللّه بن حنين لأبي أيوب: يسألك كيف كان يغسل رأسه، ولم يقل: هل كان يغسل رأسه أولا على حسب ما وقع فيه اختلاف المسور وابن عباس.
قوله: (فطأطأه) أي أزاله عن رأسه. وفي رواية للبخاري (جمع ثيابه إلى صدره حتى نظرت إليه).
قوله: (لإنسان) قال الحافظ: لم أقف على اسمه.
قوله: (فقال: هكذا رأيته صلى اللّه عليه وآله وسلم يفعل). زاد في رواية للبخاري: فرجعت إليهما فأخبرتهما فقال المسور لابن عباس: لا أماريك أبدا، أي: لا أجادلك. والحديث يدل على جواز الاغتسال للمحرم وتغطية الرأس باليد حاله.
2.1 باب ما جاء في الحجامة وغسل الرأس للمحرم، وباب ما جاء في ...
2.1 باب ما جاء في الحجامة وغسل الرأس للمحرم، وباب ما جاء في نكاح المحرم وحكم وطئه
قال ابن المنذر: أجمعوا على أن للمحرم أن يغتسل من الجنابة، واختلفوا فيما عدا ذلك، وروى مالك في الموطأ عن نافع أن ابن عمر كان لا يغسل رأسه وهو محرم إلا من الاحتلام، وروى عن مالك أنه كره للمحرم أن يغطي رأسه في الماء. وللحديث فوائد ليس هذا موضع ذكرها.
باب ما جاء نكاح المحرم وحكم وطئه
عن عثمان بن عفان (أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: ((لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب)) ). رواه الجماعة إلا البخاري، وليس للترمذي فيه (ولا يخطب).
وعن ابن عمر (أنه سئل عن امرأة أراد أن يتزوجها رجل وهو خارج مكة فأراد أن يعتمر أو يحج فقال: لا تتزوجها وأنت محرم؛ نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم عنه). رواه أحمد.
وعن أبي غطفان عن أبيه عن عمر (أنه فرق بينهما، يعني رجلا تزوج وهو محرم).
رواه مالك في الموطأ والدارقطني.
وعن ابن عباس (أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم تزوج ميمونة وهو محرم). رواه الجماعة.
وللبخاري (تزوج النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ميمونة وهو محرم وبني بها وهو حلال وماتت بسرف).
وعن يزيد بن الأصم عن ميمونة (أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم تزوج بها حلالا وبنى بها حلالا وماتت بسرف فدفناها في الظلة التي بنى بها فيها). رواه أحمد والترمذي.
2.1 باب ما جاء في الحجامة وغسل الرأس للمحرم، وباب ما جاء في ...
2.1 باب ما جاء في الحجامة وغسل الرأس للمحرم، وباب ما جاء في نكاح المحرم وحكم وطئه
ورواه مسلم وابن ماجه، ولفظهما (تزوجها وهو حلال. قال: وكانت خالتي وخالة ابن عباس). وأبو داود، ولفظه قالت: (تزوجني ونحن حلالان بسرف).
وعن أبي رافع (أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم تزوج ميمونة حلالا وبنى بها حلالا وكنت الرسول بينهما). رواه أحمد والترمذي ورواية صاحب القصة والسفير فيها أولى لأنه أخبر وأعرف بها.
وروى أبو داود أن سعيد بن المسيب قال: وَهِمَ ابن عباس في قوله: تزوج ميمومة وهو محرم).
حديث ابن عمر في إسناده أيوب بن عتبة وهو ضعيف وقد وثق، وحديث أبي رافع قال الترمذي: حديث حسن ولا نعلم أحدا أسنده غير حماد بن زيد عن مطر الوراق عن ربيعة. قال: وروى مالك بن أنس عن ربيعة عن سليمان بن يسار (أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم تزوج ميمونة وهو حلال). رواه مالك مرسلا.
وقول سعيد بن المسيب: أخرجه أبو داود، وسكت عنه هو والمنذري، وفي إسناده رجل مجهول.
قوله: (لا ينكح المحرم ولا ينكح). الأول بفتح الياء وكسر الكاف، أي: لا يتزوج لنفسه، والثاني بضم الياء وكسر الكاف، أي: لا يزوج امرأة بولاية ولا وكالة في مدة الإحرام. قال العسكري: ومن فتح الكاف من الثاني فقد صحف.
قوله: (ولا يخطب) أي لا يخطب المرأة، وهو طلب زواجها، وقيل: لا يكون خطيبا في النكاح بين يدي العقد، والظاهر الأول.
قوله: (تزوج ميمونة وهو محرم) أجيب عن هذا بأنه مخالف لرواية أكثر الصحابة، ولم يروه كذلك إلا ابن عباس كما قال عياض، ولكنه متعقب بأنه قد صح من رواية عائشة وأبي هريرة نحوه كما صرح بذلك في الفتح.
2.1 باب ما جاء في الحجامة وغسل الرأس للمحرم، وباب ما جاء في ...
2.1 باب ما جاء في الحجامة وغسل الرأس للمحرم، وباب ما جاء في نكاح المحرم وحكم وطئه
وأجيب ثانيا بأنه تزوجها في أرض الحرم وهو حلال، فأطلق ابن عباس على من في الحرم أنه محرم وهو بعيد.
وأجيب ثالثا بالمعارضة برواية ميمونة نفسها وهي صاحبة القصة، وكذلك برواية أبي رافع وهو السفير، وهما أخبر بذلك، كما أخبر المصنف وغيره، لكنه يعارض هذا المرجع أن ابن عباس روايته مثبتة وهي أولى من النافية، ويجاب بأن رواية ميمونة وأبي رافع أيضا مثبتة لوقوع عقد النكاح والنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم حلال.
وأجيب رابعا أن غاية حديث ابن عباس أنه حكاية فعل، وهي لا تعارض صريح القول، أعني النهي عن أن ينكح المحرم أو ينكح، ولكن هذا إنما يصار إليه عند تعذر الجمع، وهو ممكن ها هنا على فرض أن رواية ابن عباس أرجح من رواية غيره، وذلك بأن يجعل فعله صلى اللّه عليه وآله وسلم مخصصا له من عموم ذلك القول، كما تقرر في الأصول في جواز تخصيص العام المتأخر بالخاص المتقدم كما هو المذهب الحق، أو جعل العام المتأخر ناسخا كما ذهب إليه البعض.
إذا تقرر هذا فالحق أن يحرم أن يتزوج المحرم أو يزوج غيره كما ذهب إليه الجمهور، وقال عطاء وعكرمة: يجوز للمحرم أن يتزوج كما يجوز له أن يشتري جارية للوطء. وتعقب بأنه قياس في مقابلة النص وهو فاسد الاعتبار. وظاهر النهي عدم الفرق بين من يزوج غيره بالولاية الخاصة أو العامة كالسلطان والقاضي.
وقال بعض الشافعية والإمام يحيى أنه يجوز أن نزوج المحرم بالولاية العامة وهو تخصيص لعموم النص بلا مخصص.
قوله: (بسرف) بفتح المهملة وكسر الراء موضع معروف.
قوله: (في الظلة) بضم الظاء وتشديد اللام كل ما أظل من الشمس.
قوله: (التي بنى فيها) أي التي زفت إليه فيها.
قوله: وهم ابن عباس، هذا هو أحد الأجوبة التي أجاب بها الجمهور عن حديث ابن عباس.
2.1 باب ما جاء في الحجامة وغسل الرأس للمحرم، وباب ما جاء في ...
2.1 باب ما جاء في الحجامة وغسل الرأس للمحرم، وباب ما جاء في نكاح المحرم وحكم وطئه
وعن عمر وعلي وأبي هريرة (أنهم سئلوا عن رجل أصاب أهله وهو محرم بالحج فقالوا: ينفذان لوجههما حتى يقضيان حجهما ثم عليهما حج قابل والهدي. قال علي: فإذا أهلا بالحج من عام قابل تفرقا حتى يقضيا حجهما).
وعن ابن عباس أنه (سئل عن رجل وقع بأهله وهو بمنى قبل أن يفيض فأمره أن ينحر بدنه).
والجميع لمالك في الموطأ إرسال، ورواه سعيد بن منصور عن مجاهد عن عمر وهو منقطع.
وأخرجه ابن أبي شيبة أيضا عنه. وعن علي وهو منقطع أيضا بين الحكم وبينه. وأثر ابن عباس رواه البيهقي من طريق أبي بشر عن رجل من بني عبد الدار عنه، وفيه أن أبا بشر قال: لقيت سعيد بن جبير فذكرت ذلك له فقال: هكذا كان ابن عباس يقول. وفي الباب عن ابن عمر عند أحمد أنه سئل عن رجل وامرأة حاجين وقع عليهما قبل الإفاضة فقال: ليحجا قابلا. وعن ابن عمرو بن العاص عن الدارقطني والحاكم والبيهقي نحو قول ابن عمر.
وقد روى نحو هذه الآثار مرفوعا عند أبي داود في المراسيل من طريق يزيد بن نعيم أن رجلا من جذام جامع امرأته وهما محرمان فسألا النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال: ((اقضيا نسكا واهديا هديا)) . قال الحافظ: رجاله ثقات مع إرساله.
ورواه ابن وهب في موطئه من طريق سعيد بن المسيب مرسلا. وأثر علىٍّ المذكور في الباب في التفريق أخرج نحوه البيهقي عن ابن عباس موقوفا.
وروى ابن وهب في موطئه عن سعيد بن المسيب مرفوعا مرسلا نحوه، وفيه ابن لهيعة، وهو عند أبي داود في المراسيل بسند معضل.
قوله: (حتى يقضيا حجهما). استدل به من قال: إنه يجب المضي في فاسد الحج، وهم الأكثر. وقال داود: لا يجب كالصلاة.
2.1 باب ما جاء في الحجامة وغسل الرأس للمحرم، وباب ما جاء في ...
2.1 باب ما جاء في الحجامة وغسل الرأس للمحرم، وباب ما جاء في نكاح المحرم وحكم وطئه
قوله: (ثم عليهما حج قابل). استدل به من قال: إنه يجب قضاء الحج الذي فسد، وهم الجمهور.
قوله: (والهدي) تمسك به من قال: إن كفارة الوطء شاة؛ لأنها أقل ما يصدق عليه الهدي، وهو مروي عن أبي حنيفة والناصر، ويدل على ما قالاه قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((واهديا هديا)) . كما في مرسل أبي داود المذكور.
وذهب الجمهور إلى أنها تجب بدنة على الزوج وبدنة على الزوجة، ويجب بدنة الزوجة على الزوج إذا كانت مكرهة لا مطاعة. وقال أبو حنيفة ومحمد: على الزوج مطلقا. وقال الشافعي في أحد قوليه: عليهما دليل على مشروعية التفرق، وقد حكى ذلك في البحر عن علي وابن عباس وعثمان والعترة وأكثر الفقهاء، واختلفوا هل واجب أم لا؟ فذهب أكثر العترة وعطاء ومالك والشافعي في أحد قوليه إلى الوجوب.
وذهب الإمام يحيى والشافعي في أحد قوليه إلى الندب. وقال أبو حنيفة: لا يجب ولا يندب.
واعلم أنه ليس في الباب من المرفوع ما تقوم به الحجة، والموقوف ليس بحجة، فمن لم يقبل المرسل ولا رأى حجية أقوال الصحابة فهو في سعة عن التزام هذه الأحكام، وله في ذلك سلف صالح كداود الظاهري.