13.2 قراءة السورة بعد (الفاتحة)، جامع القراءة في الصلوات، ...


أ. "باب: قراءة السورة بعد (الفاتحة)":
حديث أبي قتادة:
باب: قراءة السورة بعد (الفاتحة) في الأوليَيْن، وهل تُسنّ قراءتها في الأخريَيْن أم لا؟
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: عن أبي قتادة: ((أنّ النّبي صلى الله عليه و سلم كان يقرأ في الظهر في الأوليَيْن بأمّ الكتاب وسورتَيْن، وفي الركعتَيْن الأخريَيْن بفاتحة الكتاب، ويُسمِعُنا الآية أحيانًا، ويُطوّل في الركعة الأولى ما لا يُطيل في الثانية، وهكذا في العصر، وهكذا في الصبح)) . متفق عليه، ورواه أبو داود, وزاد قال: ((فظننّا أنه يريد بذلك أن يدرِك الناسُ الركعة الأولى)) . يعني: يُطوّل في الركعتَيْن الأوليَيْن، ويطوّل في الأولى ما لا يطيل في الثانية، ليدرِك النّاس الركعة الأولى.‌
قوله: ((الأوليَيْن)) ، بِتحْتانِيّتَيْن: تثنية الأولى، وكذلك: ((الأُخْريَيْن)) .
وقوله: ((وسورتَيْن)) أي: في كلّ ركعة سورة، ويدلّ على ذلك: ما ثَبَت من حديث أبي قتادة في روايةٍ للبخاري بلفظ: ((كان النّبي صلى الله عليه و سلم يقرأ في الركعتَيْن من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة سورَة)) . ‌
وفيه: دليل على إثبات القراءة في الصّلاة السرِّية.

13.2 قراءة السورة بعد (الفاتحة)، جامع القراءة في الصلوات، ...


وقوله: ((ويُسمِعنا الآية أحيانًا)) ، فيه دلالة على: جَواز الجهر في السِّريّة، وهو يردّ على من جَعَل الإسرار شرطًا لصحّة الصلاة السّرية، وعلى من أوجبَ في الجهر سُجود السّهو، يعني: إذا جهر في السرية يوجِب سجود السّهو؛ لأنّ فيه: أنّ رسول الله صلى الله عليه و سلم جهرَ في بعض الآيات.
قلنا: إنّ الحديثَ يردّ على من جَعَل الإسرار شرطًا لصحّة الصلاة السرية، وعلى من أوجب في الجهرِ سجود السّهو؛ لأنّ فيه قوله: ((ويُسْمِعنا الآية أحيانًا)) . وهذا كانَ في الظهر, وهي صلاةٌ سريّة كما نعرِف.
وقوله: ((أحيانًا)) ، يدلّ على أنّه تكرّر منه ذلك صلى الله عليه و سلم.
وقوله: ((ويُطوّل في الركعة الأولى)) ، استدِلّ به على استحباب تطويل الأولى على الثانية, سواء كان التطويل بالقراءة، أي: بقدر القراءة, أو بترتيلها مع استواء المقروء في الأوليَيْن، يعني: التّمهل في التّرتيل بحيث يكون المقروء, يستغرِق وقتًا طويلًا في الأولى أكثر من الثانية، مع استواء المقروء في الأوليَيْن.
وقد قيل: إنّ المستحب: التسوية بين الأوليَيْن؛ فاستدلوا بحديث سعدٍ عند البخاري ومسلم وغيرهما.
وقوله: ((وهكذا في الصبح )) ، فيه دليلٌ على عدم اختصاص القراءة بالفاتحة وسورة في الأوليَيْن، وبالفاتحة فقط في الأخريَيْن، والتطويل في الأولى بصلاة الظهر، بل ذلك هو السُّنّة في جميع الصلوات، يعني: أنّه كان يَفْعل في الصبح كما كانَ يفعلُ في الظهر.

13.2 قراءة السورة بعد (الفاتحة)، جامع القراءة في الصلوات، ...


وقوله: ((فظننَّا أنه يريد بذلك أن يدرك الناسُ الركعة الأولى)) ، فيه: أنّ الحكمة في التطويل المذكور هي: انتظار الدّاخل، وكذا روى هذه الزيادة ابن خزيمة وابن حبّان.
والحديث يدلّ على مشروعية القراءة بفاتحة الكتاب في كلّ ركعة، وعلى قراءة سورة مع (الفاتحة) في كل واحدةٍ من الأوليَيْن, وعلى جَواز الجهر ببعض الآياتِ في السّرية.
قال الشافعي رحمه الله: وأحِبّ أن يقرأ المصلّي بعد (أمّ القرآن) سورة من القرآن، فإذا قَرَأ بعض سورة أجزأه، فإن اقتصر على (أمّ القرآن) ولم يقرأ بعدها شيئًا، لم يَبِن لي أن يُعيد الركعة، ولا أحبّ ذلك له، يعني: يريد أنها ليست فرضًا: القراءة بعد (أم الكتاب)، يعني: ليس عليه إعادة في القراءة, وذلك أنّه لو ترك قراءة ما بعد (أم القرآن) أجزأته الصّلاة، وإذا قرأ بـ: (أمّ القرآن) وآية معها أيّ آية، كانت -إن شاء الله تعالى, -أي: أجزأته.

ب. "باب: جامع القراءة في الصلوات":
حديث جابر بن سمرة:‌

13.2 قراءة السورة بعد (الفاتحة)، جامع القراءة في الصلوات، ...


قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: عن جابر بن سمرة, أنّ النّبي صلى الله عليه و سلم: ((كان يقرأ في الفجر بـ: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} [ق: 1] ونحوها، وكان صلاته بعدُ إلى تخفيف)) ، وفي رواية: ((كان يقرأ في الظهر, بـ: { وَاللَّيْلِ إِذا يغشى } [الليل:1] ، وفي العصر نحو ذلك، وفي الصبح أطول من ذلك)) . رواهما أحمد ومسلم.
وفي رواية: ((كان إذا دَحَضَت الشمس، صلّى الظهر، وقرأ بنحو من: { ﮖ ﮗ ﮘ }، والعصرَ كذلك، والصلوات كلّها كذلك إلّا الصبح، فإنّه كانَ يُطيلها)) . رواه أبو داود.
قوله: كان يقرأ بـ: { ق } في الفجر، قد تقرّر في الأصول: أنّ "كان" تُفيد الاستمرار وعموم الأزمان، فينبغي أن يُحمل قوله: ((كان يقرأ في الفجر بـ: { ق }...)) على الغالب من حاله صلى الله عليه و سلم، أو تحمل على أنّها لمجرّد وقوع الفعل؛ لأنّها -أي: "كانَ"- قد تستعمل لذلك، كما قال ابن دقيق العيد؛ لأنّه قد ثبت أنّه: ((قرأ صلى الله عليه و سلم في الفجر: { ذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ } [التكوير: 1])) عند الترمذي والنسائي، من حديث عمْرو بن حُريث.
وثَبَت عن النبي صلى الله عليه و سلم : ((أنّه قرأ بـ: (الطّور)) ، يعني: في صلاة الفجر, ذكَره البخاري تعليقًا من حديث أمّ سلمة. وهكذا قرأ رسول الله صلى الله عليه و سلم في صلاة الصبح غير (ق)، فيُحملُ ما في الحديث هنا على الغالب، وفي غير الغالب يقرأ بمثل هذه السوّر التي ذُكرت، أو يُحمل على أنّ ذلك لِمُجرّد وقوع الفعل، أي: وجِد منه صلى الله عليه و سلم، أنّه قرأ في الفجر بـ: (ق).

13.2 قراءة السورة بعد (الفاتحة)، جامع القراءة في الصلوات، ...


وقوله: (( كان يقرأ في الظهر بـ: { واليل اذا يغشى } وفي العصر نحو ذلك)) ، ينبغي أنْ يُحمل هذا على ما تقدّم، يعني: من الغالب، أو أنّ هذا كان لمجرّد وُقوع الفعل منه صلى الله عليه و سلم؛ لأنّه قد ثَبَت أنّه صلى الله عليه و سلم: ((كان يقرأ في الظهر والعصر بسورة { والسماء ذات البروج } [البروج: 1]، { والسماء والطارق } [الطارق: 1] وشِبْههِما)) . أخرجه أبو داود والترمذي, وصحّحه من حديث جابر بن سَمُرة.
و ((أنّه قرأ من سورة (لقمان), و(الذاريات) في صلاة الظهر)) . أخرجه النسائي عن البراء، و ((أنّه قرأ في الأولى من الظهر بـ: { سبح اسم ربك الاعلى } [الأعلى: 1] وفي الثانية: { هل اتاك حديث الغاشية } [الغاشية: 1] )) . أخرجه النسائي أيضًا عن أنس.
وقوله: ((وفي الصبح أطول من ذلك)) ، قال العلماء: "لأنها تُفعل في وقت الغفلة بالنوم في آخِر الليل, فيكون في التطويل انتظار للمتأخِّر، قال النووي حاكيًا عن العلماء: "إنّ السّنة: أن تقرأ في الصبح والظهر بطوال المفصّل، والمفصّل يبدأ من سورة (ق) أو من سورة (الحجرات)، ويكون الصبح أطول وفي العشاء والعصر بأوساط المفصّل، وفي المغرب بقِصاره"، يعني: أنّ المُفصّل قسِّم ثلاثة أقسام: السّوَر الطوال وأولها سورة (الحجرات) أو (ق), ثم السوَر المتوسطة، ثم القصار التي هي في آخر جزء من القرآن الكريم. قال: قالوا: والحكمة في إطالة الصبح والظهر, أنّهما في وقت غفلة بالنوم آخِر الليل وفي القائلة، فَطُوِّلتا لِيدركهما المتأخِّر بغفلة ونحوها, وأنّ العصر ليست كذلك، بل تفعل في وقت تعب أهل الأعمال، فخُفِّفت عن ذلك، والمغرب ضيّقة الوقت، فاحتيجت إلى زيادة تخفيفها لذلك، ولحاجة الناس إلى عشاء صائمهم وضيفهم، والعِشاء في وقت غَلَبة النوم والنعاس، ولكن وقتها أوسع، فأشبهت العصر. انتهى".

13.2 قراءة السورة بعد (الفاتحة)، جامع القراءة في الصلوات، ...


جـ."باب: الذّكر في الركوع والسجود":
حديث حذيفة:
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: عن حُذيفة, قال صَلّيت عند النبي صلى الله عليه و سلم: ((فكان يقول في ركوعه: "سبحان ربِّي العظيم", وفي سجوده: "سبحان ربِّيَ الأعلى"، وما مرّت به آية رحمة إلّا وقف عندها يسأل, ولا آية عذاب إلّا تعوّذ منها)) ، رواه الخمسة، وصحّحه الترمذي. الحديث أخرجه أيضًا مسلم.
وقوله: ((وما مرّت به آية رحمة إلّا وقف عندها يسأل)) ، أي: يسأل الرحمة.
وقوله: ((ولا آية عذاب إلّا تعوّذ منها)) ، أي: من العذاب وشرِّ العقاب.
قال ابن رسلان: ولا بآية تسبيح إلا سبح وكبّر, ولا بآية دعاء واستغفار إلا دعا واستغفر, وإن مرّ بمرجُوٍّ سأل, يفعل ذلك بلسانه أو بقلبه.
والحديث يدلّ على مشروعية هذا التسبيح في الركوع والسجود: ((سبحان ربي الأعلى)) في السجود, و ((سبحان ربي العظيم)) في الركوع، وقد ذَهَب الشافعي, ومالك, وأبو حنيفة, وجمهور العلماء من أئمّة العترة وغيرهم إلى: أنه -أي: التسبيح- سُنّة، وليس بواجب.
واحتجّ الجمهور بحديث المسيء صلاته, فإنّ النّبي صلى الله عليه و سلم , عَلّمه واجبات الصلاة, ولم يعلِّمه هذه الأذكار، مع أنه علّمه تكبيرة

13.2 قراءة السورة بعد (الفاتحة)، جامع القراءة في الصلوات، ...


الإحرام والقراءة، فلو كانت هذه الأذكار واجبة, لعَلّمه إيّاها؛ لأنّ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز؛ فيكون تَرْكه لِتَعْليمه دالًا على أن الأوامر الواردة بما زاد على ما علّمه في هذا الحديث -حديث المسيء صلاته- للاستحباب لا للوجوب.
والحديث يدلّ على أن التسبيح في الركوع والسجود يكون بهذا اللفظ: ((سبحان ربّي الأعلى)) ، و ((سبحان ربي العظيم)) ؛ فيكون مُفسِّرًا لقوله صلى الله عليه و سلم في حديث عقبة: ((اجعلوها في ركوعكم, اجعلوها في سجودكم)) ، وإلى ذلك ذهب الجمهور من أهل البيت, وبه قال جميع من عداهم.