12.3 التعوذ بالقراءة في الصلاة، وما جاء في ((الله ...


أ. باب: التّعوذ بالقراءة في الصّلاة:
حديث أبي سعيد في التّعوذ:‌
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله في (المنتقى): قال الله تعالى: (( فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ )) [النحل:98].
ثمّ رَوَى عن أبي سعيد الخدري، عن النّبي صلى الله عليه و سلم: ((أنّه كان إذا قام إلى الصّلاة استفتح ثمّ يقول: أعوذ بالله السّميع العليم من الشّيطان الرّجيم، من هَمْزِه ونَفْخِه وَنَفْثِه)) . رواه أحمد والتّرمذي.
وقال ابن المنذر: جاء عن النّبي صلى الله عليه و سلم: ((أنّه كان يقول قبل القراءة: أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم)) .
وقال الأسود: رأيت عُمر حينَ يَفْتتح الصّلاة يقول: ((سبحانك اللّهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدّك، ولا إله غيرك. ثمّ يتعوّذ)) . رواه الدارقطني.
حديث أبي سعيد: ((أنّه صلى الله عليه و سلم كان إذا قام إلى الصّلاة استفتح ثمّ يقول: أعوذ بالله السّميع العليم من الشّيطان الرّجيم، من همْزه ونفْخه ونفْثه)) . أخرجه أيضًا مع أحمد والتّرمذي -كما ذَكَر الإمام مجد الدين ابن تيمية- أخرجه أيضًا أبو داود والنّسائي.

12.3 التعوذ بالقراءة في الصلاة، وما جاء في ((الله ...


ولفظ التّرمذي: ((كان صلى الله عليه و سلم إذا قام إلى الصّلاة كبّر، ثمّ يقول: سبحانك اللّهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدُّك، ولا إله غيرك. ثم يقول: الله أكبر الله أكبر. ثمّ يقول: أعوذ بالله...")) إلى آخِر ما ذكره المصنِّف.
ولفظ أبي داود كلفظ التّرمذي، إلّا أنّه قال: ثُمّ يقول: ((لا إله إلّا الله، ثلاثًا. ثمّ يقول: الله أكبر كبيرًا ثلاثًا، أعوذ بالله...)) إلى آخِره.
قال أبو داود: وهذا الحديث، يقولون هو عن عليّ بن عليّ، يعني: الرّفاعي عن الحسن. وقال التّرمذي: حديث أبي سعيد أشْهر حديث في هذا الباب، وقد أخذ قوم من أهل الْعِلْم بهذا الحديث. وأمّا أكثر أهل العلْم فقالوا: إنّما روي عن النّبي صلى الله عليه و سلم أنّه كان يقول: ((سبحانك اللّهم وبحمدك، وتبارك اسمك, وتعالى جَدُّك ولا إله غيرك)) . هكذا رُوي عن عُمر بن الخطّاب وعبد الله بن مسعود، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من التّابعين وغيرهم.
وقد تُكُلِّم في إسناد حديث أبي سعيد، كان يَحْيى بن سَعِيد يتكلّم في علي بن علي، وقال أحمد: "لا يصحّ هذا الحديث". انتهى كلام التّرمذي.
وعلي بن علي هو: ابن نِجاد بن رِفاعة الرّفاعي البصري، رَوَى عنه وكيعٌ ووثّقه أبو نعيم، وزيد بن الحباب، وشيبان بن فَرّوخ. وقال الفضل بن دُكَيْن وعفّان: كان علي بن علي الرّفاعي يُشبَّه بالنّبي صلى الله عليه و سلم.
وقال أحمد بن حنبل: هو صالح، وقال محمد بن عبد الله بن عمّار: زَعَموا أنّه كان يصلِّي كلّ يومٍ ستمائة رَكْعة، وكان يُشبَّه عيناه بِعَيْني النّبي صلى الله عليه و سلم وكان رجلًا عابدًا، ما أرى أنْ يكون له عِشْرون حديثًا، يعني: لا يَبْلغ ما يرويه عشرون حديثًا. قيل له: "أكانَ ثقة؟". قال: نعم.

12.3 التعوذ بالقراءة في الصلاة، وما جاء في ((الله ...


وقال ابن معين: ثِقة، وقال أبو حاتم: "ليس به بأس، لا يحتجُّ بحديثه"، وقال يعقوب بن إسحاق: قَدِم علينا شُعبة, فقال: "اذهبوا بنا إلى سيّدنا وابن سيّدنا علي بن علي الرّفاعي".‌
فخُلاصة القول: أنّ هذا الحديث حسنٌ على أقلّ تَقدير، للاختلاف في علي بن علي الرّفاعي، ما بين موثِّقٍ ومضعِّف. ويَكْفي أنّه وثّقه ابن معين وأحمد.
وقوله صلى الله عليه و سلم : ((أعوذ بالله السّميع العليم من الشّيطان الرّجيم، من هَمْزه ونَفْخه ونَفْثه)) . قد ذَكَر ابن ماجه تَفْسير هذه الثّلاثة, عن عمْرو بن مُرّة الجمَليّ الذي رَوَى هذا الحديث.
فقال: ((نَفْثه)) : الشّعر، و ((نَفْخه)) الكِبْر، وَ ((هَمْزه)) : المُوتَة، بسكون الواو بدون هَمْز، والمُراد بها هُنا: الجُنون.
وكذا فسّره بهذا أبو داود في "سُنَنه". وإنّما كان الشّعر من نَفْثة الشّيطان؛ لأنّه يدعو الشّعراء المدّاحين الهجّائين المعظِّمين المُحقّرين إلى ذلك. يعني: يدعوهم إلى المبالغة في كلِّ ذلك، وربّما يكونون غير صادقين في كلِّ ذلك.
وكما قال فيهم ربّنا سبحانهو تعالى: (( وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ { 224 } أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ)) [الشعراء: 224 - 225]، (( لَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)) [الشعراء: 227].
وقيل: المراد شَياطِين الإنْس، وهم الشّعراء الذين يَخْتلقون كلامًا لا حَقِيقة له.

12.3 التعوذ بالقراءة في الصلاة، وما جاء في ((الله ...


قوله: ((مِن نَفْثه)) : "النّفث" في اللّغة: قذف الرّيق وهو أقلّ من التَّفَل. و"النّفخ" في اللّغة أيضًا: نَفخ الرّيح في الشّيء، وإنّما فُسِّر بـ"الكِبْر" في قوله: ((ونَفْخه)) لأنّ المتكبِّر يتعاظم لا سيّما إذا مُدح. و"الهمْز" في اللّغة: العصر، وقيل: يقال: "همَزْت الشّيء في كفّي" أي: عَصرْتُه. و"هَمَز الإنسان": اغتابه، ومنه قوله تعالى: (( وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ )) [الهُمَزة:1].‌ هذا، والحديث يدلّ على مشْروعية الافْتِتاح بما ذُكر في الحديث.
وفيه: -في هذا الحديث- وفي سائر الأحاديث: ردٌّ لما ذَهَب إليه مالك من عَدَم استحباب الافتتاح بشيء، وفي تَقْيِيده بِبَعد التّكبير, كما في لَفْظ التّرمذي: ((كان إذا قام إلى الصّلاة كبّر ثمّ يقول...)) إلى آخِره: ردٌّ لما ذَهَب إليه مَن قال: إنّ الافتتاح قبل التّكبير.
وفي الحديث أيضًا: مَشْروعية التّعوذ من الشّيطان، من هَمْزه ونَفْخه ونَفْثه؛ وإلى ذلك ذَهَب أحمد، وأبو حنيفة، والثّوري، وابن راهويه، وغيرهم...
وقد ذَهَب الهادي والقاسم من أهل البيت إلى: أنّ محلّه قبل التّوجُّه. ومَذْهبهما: أنّ التوجُّه قبل التّكبيرة، كما تقدّم. وقد عَرْفت التّصريح بأنّه بعد التّكبير, كما تقدّم. وقد عرفت التّصريح بأنّه بعد التّكبير.
وهذا الحديث -وإن كان فيه المقال المتقدِّم- فقد وَرَد من طُرقٍ متعدّدةٍ يُقوِّي بعضها بعضًا، مع ما رجَّحنا من أنّه ما دام بعض الأئمّة قد وثّق علي بن علي الرّفاعي، فيُمكن أن يكون الحديث بهذا التّوثيق حسنًا على أقلّ تقدير.
على كلّ حال -كما ذَكَر الإمام الشّوكاني- وَرَد الحديث من طُرقٍ متعدِّدة يقوّي بعضها بعضًا: منها ما أخرجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن مسعود عن النّبي صلى الله عليه و سلم بلفظ: ((اللّهم إنِّي أعوذ بك من الشّيطان الرّجيم, وهمْزه ونفْخه ونفْثه)) . وأخرجه أيضًا البَيْهقي.
ومنها: ما أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه, من حديثِ جُبَيْر بن مُطْعِم: أنّه رَأى النّبي صلى الله عليه و سلم صلّى صّلاةً، فَقال: ((الله أكبر

12.3 التعوذ بالقراءة في الصلاة، وما جاء في ((الله ...


كبيرًا. الله أكبر كبيرًا. الله أكبر كبيرًا. الحمد لله كثيرًا. الحمد لله كثيرًا. الحمد لله كثيرًا. وسُبْحان الله بُكْرةً وأصِيلًا –ثلاثًأ. أعوذ بالله من الشّيطان، من نَفْخه ونَفْثه وهَمْزه)) . ومنها: ما أخرجه أحمد عن أبي أمامة بِنَحْو حَدِيث جُبير. ومنها: عن سَمُرة عند التّرمذي.
ومنها: عن عُمر موقوفًا عند الدّارقطني كما ذَكَره المصنِّف، وهو أيضًا عند التّرمذي.
هذا، مع ما يُؤيِّد ثُبوت هذه السُّنة من عموم القرآن، وهو قوله تعالى: { فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } [النحل:98]. وهو في بداية الصّلاة سيقرأ القرآن: "فاتحة الكتاب" وغيرها...
والحديث مصرِّحٌ: أنّ التّعوذ المذكور يكون بعد الافتتاح بالدُّعاء المذكور في الحديث.‌
فائدة: قال الحافظ ابن حجر في (التلخيص الحبير): كلام الرّافعي يقتضي أنّه لم يَرِد الجمع بين: ((وجّهت وَجْهي)) الذي وَرَد في حديث علي > وبين: ((سبحانك اللّهم)) الذي وَرَد في حديث الأسوَد عن ابن عمر، وليس كذلك؛ فقد جاء في حديث ابن عُمر رواه الطّبراني في (الكبير)، وفيه: عبد الله بن عامر الأسلمي وهو ضَعِيف، وفيه عن جابر أخرجه البيهقي بسند جيِّد, ولكنَّه من رواية ابن المنكدر عنه، وقد اختُلف عليه فيه، وفيه عن علي رواه إسحاق بن راهويه في "مسنده"، وأعلَّه أبو حاتم.
وعلى هذا، فلا مانع من أنْ يَجْمع بين دُعاء: ((وجّهت وَجْهي...)) إلى آخِرِه، وبين دعاء: ((سبحانك اللّهم وبحمدك...)) إلى آخِره.


12.3 التعوذ بالقراءة في الصلاة، وما جاء في ((الله ...


ب. باب: التّعوذ والبسْملة بالقراءة:
حديث الأسود: ‌
قال الأسود: رأيت عمر حينَ يفتتح الصّلاة يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدّك، ولا إله غيرك. ثمّ يتعوذ". رواه الدارقطني.
قوله: رأيت عمر حينَ يفَتْتح الصّلاة يقول: "سبحانك اللّهم وبحمدك": "سبحانك": التّسبيح تنزيه الله تعالى، وأصله: مَصْدر مِثْل: "غُفران".
وقوله: "وبحمدك": قال الخطابي: أخبرني ابن جلاد قال: سألت الزّجاج عن قوله: "سبحانك اللّهم وبحمدك"، فقال: معناه: سبحانك، وبحمدك سبّحتُك.
وقوله: "تبارك اسمك": "البركة": ثبوت الخير الإلهي في الشّيء، وفيه إشارة إلى اختصاص أسمائه تعالى بالبركات.
وقوله: "وتعالى جدُّك": "الجدّ": العظمة. و"تعالى": تفاعل من العلوّ، أيْ: عَلَتْ عظمتُك على عظمة كلّ أحدٍ غيرك. قال ابن الأثير: معنى "تعالى جدُّك": عَلا جلالُك وعظمتُك.‌ والحديث يدلّ على مشروعية الاستفتاح بهذه الكلمات.

12.3 التعوذ بالقراءة في الصلاة، وما جاء في ((الله ...


قال ابن تيمية رحمه الله بعد هذه الأحاديث: واختيار هؤلاء -يعني: الصّحابة الذين ذَكَرهم بهذا الاستفتاح- وَجَهْرُ عُمر به أحيانًا بمحضرٍ من الصّحابةِ ليتعلَّمه النّاس، مع أنّ السّنة إخفاؤه، يدلّ على أنّه الأفضل، وأنّه الذي كان النّبي صلى الله عليه و سلم يُداوم عليه غالبًا. وإنِ اسْتفْتح بما رَواه علي وأبو هريرة؛ فَحَسن لِصِحّة الرّواية، انتهى.
ولا يخفى أنّ ما صحّ عن النبي صلى الله عليه و سلم أوْلى بالإيثار والاختيار، وأصحّ ما رُوي في الاستفتاح: حديث أبي هريرة المتقدِّم، ثمّ حديث علي. وحديث أبي هريرة قرأناه قبل ذلك وفيه: أنّ النّبي صلى الله عليه و سلم كان يقول بين التّكبير والقراءة: ((اللّهم باعِدْ بَيْني وبيْن خَطاياي كما باعدت بَيْن المشرق والمغرب...)) إلى آخِر الحديث.
وأمّا حديث عائشة، فَفِيه مَقال، وهو يَتطابق مع حديث عمر هنا، ويقوِّي بعضهما بعضًا. وكذلك حديث أبي سعيد فيه مَقال، وكنّا قد انتهيْنا إلى أنّه حديثٌ حَسَن.
قال الإمام أحمد: أمّا أنا، فأذهب إلى ما رُوي عن عمر، هذا الذي رواه عنه الأسود. ولو أنّ رجلًا استفتح ببعض ما رُوي كان حَسنًا، أي: هو اختيار.
وقال بن خزيمة: لا أعلم في الافتتاح بـ: ((سبحانك اللهم)) خبرًا ثابتًا. وأحسن أسانيده: حديث أبي سعيد. ثمّ قال: لا نَعلم أحدًا ولا سَمِعْنا به استعمل هذا الحديث على وَجْهه.

12.3 التعوذ بالقراءة في الصلاة، وما جاء في ((الله ...


وجدير بالذّكر: أنّ حديث أبي سعيد كان فيه اختصار من الإمام مجد الدّين ابن تيمية, لأنّنا قرأنا في باب: التّعوذ بالقراءة: أنّه كان إذا قام إلى الصّلاة استفتح, ثمّ يقول: ((أعوذ بالله السّميع العليم من الشّيطان الرّجيم, من همْزه ونفْخه ونفْثه)) .
وفي باب قبل ذلك، ذَكَر المصنِّف: أنّ حديث أبي سعيد مثْل حديث عائشة، قالت: كان النّبي صلى الله عليه و سلم إذا استفتح الصّلاة قال: ((سبحانك اللّهم وبحمدك، وتبارك اسمك, وتعالى جدُّك، ولا إله غيرك)) ؛ فمعنى ذلك أنّه كان يقول هذا قبل التّعوذ. واختصره ابن تيمية مجد الدّين رحمه الله في الموضع الثّاني.‌ ونبّه الإمام الشّوكاني إلى فائدتيْن عقب الكلام على هذا الحديث:
أمّا الفائدة الأولى: وهو: أنّه يمكن الجمع بين: ((سبحانك اللّهم وبحمدك، وتبارك اسمك...)) إلى آخِره، وبين: ((وجّهت وَجْهي للذي فَطَر السّماوات والأرض حنيفًا...)) إلى آخِره.
أمّا الفائدة الأخرى: فالأحاديث الواردة في التّعوذ ليس فيها إلّا أنّه فَعَل ذلك صلى الله عليه و سلم في الرّكعة الأولى. وقد ذَهَب الحسن وعطاء وإبراهيم إلى استحبابه في كلّ رَكْعة، واستدلّوا بعموم قوله تعالى: { فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ }.
ولا شكّ أن الآية تدلّ على مشْروعيّة الاستعاذة قبل قراءة القرآن، وهي أعمّ من أنْ يكون القارئ خارج الصّلاة أو داخلها.

12.3 التعوذ بالقراءة في الصلاة، وما جاء في ((الله ...


وأحاديث النّهي عن الكلام في الصّلاة تدلّ على المنع منه حال الصّلاة, من غير فَرْق بين الاستعاذة وغيرها، ممّا لم يَرِِد به دليل يخصُّه، ولا وَقَع الإذن بجنسه؛ فالأحْوَط: الاقتصار على ما وَرَدت به السُّنة وهو: الاستعاذة قبل قراءة الرّكعة الأولى فقط. وسيأتي ما يدلّ على ذلك في باب: افتتاح الثّانية بالقراءة.

جـ. باب: ما جاء في: { بسم الله الرحمن الرحيم}:
1. حديث أنس:‌
وهذا الباب -كما قال الإمام الشّوكاني- كَثُرت فيه الأسئلة، وكثرت فيه الخلافات، وكثرت فيه الاعتراضات، مع أنّ الأمر لا يتعدّى أنّه مَسْنونٌ أو غير مسنون، يعني: ذِكْر { { بسم الله الرحمن الرحيم }، يعني: الجهر بـ{ بسم الله الرحمن الرحيم } أو عَدَم الْجَهر بها. ولكن لِكَثْرة الخلافات, ولكثرة الكلام، ولكثرة السّؤال، يطول الكلام في هذه المسألة, حتّى يُمكن أنْ نَصِل إلى وجهٍ من الصّواب فيها وفي الاختلاف فيها.
ساق الإمام ابن تيمية في هذا الباب: حديث أنس بن مالك قال: ((صلّيْتُ مع النّبي صلى الله عليه و سلم وأبي بكر وعُمر وعثمان, فَلَم أسمع أحدًا منهم يقرأ: { بسم الله الرحمن الرحيم })) . رواه أحمد ومسلم.

12.3 التعوذ بالقراءة في الصلاة، وما جاء في ((الله ...


وفي لفظ: ((صلّيت خَلْف النّبي صلى الله عليه و سلم وخلْف أبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا لا يَجْهرون بـ{ بسم الله الرحمن الرحيم })) . رواه أحمد والنّسائي بإسناد على شَرْط الصّحيح.
ولأحمد ومسلم: ((صلّيت خَلْف النّبي صلى الله عليه و سلم وأبي بكر وعمر وعثمان، وكانوا يستفتحون بـ{ بسم الله الرحمن الرحيم }، لا يَذْكرون { بسم الله الرحمن الرحيم } في أوّل قراءة ولا في آخِرها)) .
ولِعبد الله بن أحمد في "مسند" أبيه الإمام أحمد، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس قال: ((صلّيت خَلْف رسول الله صلى الله عليه و سلم وخَلْف أبي بكرٍ وعمر وعثمان، فلم يكونوا يستفتحون القراءة بـ{ بسم الله الرحمن الرحيم })) ، قال شُعبة: فقلت لقتادة: أنت سَمعْته من أنس؟ قال: نعم، نحن سألناه عنه.
وللنّسائي عن منصور بن زادان، عن أنس قال: ((صلّى بنا رسول الله صلى الله عليه و سلم فلم يُسمِعنا قراءة: { بسم الله الرحمن الرحيم }. وصلىّ بنا أبو بكر وعمر فلم نَسْمعها منهما)) .
قال الإمام الشوكاني: الحديث قد استوفى المصنّفُ رحمه الله أكثر ألفاظه، ورواية: ((فكانوا لا يجْهرون)) أخرجها ابن حبّان والدارقطني والطحاوي والطبراني.

12.3 التعوذ بالقراءة في الصلاة، وما جاء في ((الله ...


وفي لفظٍ لابن خزيمة: ((كانوا يُسرُّون)) ، وقوله: ((كانوا يستفتحون بـ:{الحمدلله رب العالمين})) هذا متّفقٌ عليه. وإنّما انْفَرد مسلمٌ بزيادة: ((ولا يَذْكرون { بسم الله الرحمن الرحيم })) ، يعني: كانوا يَسْتفتحون بـ { الحمدلله رب العالمين } لا يَذْكرون: { بسم الله الرحمن الرحيم } .
وقد أُعِلّ هذا اللّفظ بالاضطراب، لأنّ جماعة من أصحاب شُعبة روَوْه عنه بهذا، وجماعة روَوْه عنه بلفظ: ((فلم أسمع أحدًا منهم قرأ: { بسم الله الرحمن الرحيم })) .
وأجاب الحافظ ابن حََجَر عن ذلك بأنّه قد رواه جماعةٌ من أصحاب قتادة عنه باللّفْظيْن. وأخرجه البخاري في جُزء القراءة خَلْف الإمام، والنّسائي وابن ماجه عن أيوب، والتّرمذي من طريق أبي عوانة، والبخاري في "جُزء القراءة"، وأبو داود من طريق هشام الدستوائي، والبخاري في "جزء القراءة"، وابن حبّان من طريق حماد بن سلمة، والبخاري في هذا "الجزء"، والسّراج من طريق همّام, كُلّهم عن قتادة باللّفظ الأوّل، يعني: ((كانوا يستفتحون بـ:{الحمدلله رب العالمين})) وأخرجه مسلمٌ من طريق الأوزاعي، عن قتادة بلفظ: ((لم يكونوا يَذكُرون { بسم الله الرحمن الرحيم })) ، ورواه أبو يعلى والسّراج وعبد الله بن أحمد عن أبي داود الطيالسي, عن شعبة بلفظ: ((فلم يكونوا يَفتتحون القراءة...)) إلى آخِر ما ذَكَره المصنِّف.
وفي الباب عن عائشة عند مسلم، وعن أبي هريرة عند ابن ماجه، وفي إسناده: بَشَر بن رافع وقد ضعّفه غير واحد. وله حديث آخَر عند أبي داود والنّسائي وابن ماجه، وله حديث ثالث سيأتي ذِكْره. وعن عبد الله بن مُغفّل وسيأتي أيضًا.‌

12.3 التعوذ بالقراءة في الصلاة، وما جاء في ((الله ...


أمّا من حيث أحكام الحديث:
فقد استدلّ بالحديث من قال: إنّه لا يُجهر بـ{ بسم الله الرحمن الرحيم }، وهم على ما حكاه ابن سيّد النّاس في "شَرْح الترمذي": علماء الكوفة ومَن شايَعهم. قال: ومِمّن رأى الإسرار بها: عُمر وعلي وعمّار، وقد اختُلف عن بعضهم فَرُوي عنه: الجهر بها.
وممّن لم يُختلف عنه أنّه كان يسرُّ بها: عبد الله بن مسعود؛ وبه قال أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسيْن، والحسن، وابن سِيرِين. ورُوي ذلك عن ابن عبّاسٍ وابن الزّبير. ورُوي عنهما -يعني: عن ابن عبّاس وابن الزّبير- أيضًا: الجهر بها. ورُوي عن عليٍّ: أنّه كان لا يجهر بها، وعن سفيان. وإليه ذَهب الحَكم، وحمّاد، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وأبو عُبيد، وحُكي عن النّخعي، ورُوي عن عُمر.
قال أبو عمر بن عبد البر: رُوي من وجوهٍ ليست بالقائمة: "يُخفي الإمام أربعًا: التّعوّذ، و { بسم الله الرحمن الرحيم } ، و"آمين"، و"ربّنا لك الحمد".
ورَوى علقمة والأسود عن عبد الله بن مسعود أنّه قال: "ثلاثٌ يُخفيهنّ الإمام: الاستعاذة، و { بسم الله الرحمن الرحيم } , و"آمين".
ورُوي نَحْو ذلك عن إبراهيم والثّوري، وعن الأسود قال: "صلّيتُ خَلْف عمر سبعين صلاة، فلم يجهر فيها بـ { بسم الله الرحمن الرحيم} .
ورَوى ابن أبي شيبة عن إبراهيم أنّه قال: "الجهر بـ { بسم الله الرحمن الرحيم} بدعة"، ورَوى الترمذي والحازمي الإسرار عن أكثر أهل العلْم.

12.3 التعوذ بالقراءة في الصلاة، وما جاء في ((الله ...


وأمّا الجهر بها عند الجهرِ بالقراءة، فَرُوي عن جماعةٍ من السّلف، قال ابن سيِّد النّاس: رُوي ذلك عن عمر، وابن عمر، وابن الزبير، وابن عباس, وعلي بن أبي طالب، وعمّار بن ياسر. وعن عمر فيها ثلاث روايات: أنّه لا يقرؤها، أو أنّه يقرؤها سرًّا، أو أنّه يَجْهر بها.
وكذلك اختُلف عن أبي هريرة في جهره بها وإسراره. ورَوَى الشّافعي بإسناده عن أنس بن مالك قال: ((صلّى معاوية بالنّاس بالمدينة صلاةً جَهَر فيها بالقراءة، فلم يقرأ: { بسم الله الرحمن الرحيم}، ولم يُكبِّر في الخفض والرّفع. فلمّا فَرَغ، ناداه المهاجرون والأنصار: يا معاوية! نَقصْت الصّلاة! أين { بسم الله الرحمن الرحيم}؟ وأين التّكبير إذا خَفَضْت ورَفعْت؟ فكان إذا صلّى بهم بعد ذلك قرأ: { بسم الله الرحمن الرحيم}, وكبّر)) .
وسنتعرّض لهذا عندما نقرأ كلام الإمام الشافعي في هذا الباب، وهو أنّه يَرَى الجهر بالبسملة.
وأخرجه الحاكم في (المستدرك) -أي: حديث معاوية- وقال: صحيحٌ على شرط مسلم. وذكره الخطيب عن أبي بكر الصّديق، وعثمان، وأبيّ بن كعب، وأبي قتادة، وأبي سعيد، وأنس، وعبد الله بن أبي أوفى، وشدّاد بن أوس، وعبد الله بن جعفر، والحسيْن بن عليٍّ، ومُعاوية.
قال الخطيب: وأمّا التّابعون ومَن بَعدهم ممّن قال بالجهر بها, فهُم أكثر من أن يُذكروا وأوسع من أن يُحصروا، منهم: سعيد بن المسيّب، وطاوس، وعطاء، ومجاهد، وأبو وائل، وسعيد بن جبير, وابن سيرين، وعكرمة، وعلي بن الحسين, وابنه محمّد بن عليّ، وسالم بن عبد الله بن

12.3 التعوذ بالقراءة في الصلاة، وما جاء في ((الله ...


عمر، ومحمّد بن المنكدر، وأبو بَكر بن محمّد بن عمْرو بن حزم، ومحمّد بن كَعب، ونافع مولى ابن عمر، وأبو الشّعثاء، وعمر بن عبد العزيز، ومَكْحول، وحبيب بن أبي ثابت، والزّهري، وأبو قلابة، وعلي بن عبد الله بن عبّاس، وابنه، والأزرق بن قيس، وعبد الله بن معقل بن مقرِّن. وممّن بعد التّابعين: عبيد الله العمَري، والحسن بن زيد، وزيد بن علي بن حسين، ومحمّد بن عمر بن علي، وابن أبي ذئب، واللّيث بن سعد، وإسحاق بن راهويه.
وزاد البيهقي في التّابعين: عبد الله بن صفوان، ومحمّد بن الحنفية، وسليمان التّيْمي، ومِن تابعيهم: المُعْتَبِر بن سليمان.
وزاد أبو عمر بن عبد البر عن إصبغ بن الفرج قال: "كان ابن وهبٍ يقول بالجهر، ثمّ رجع إلى الإسرار". وحكاه غيره عن ابن المبارك وأبي ثور.
وذكر البيهقي في (الخلافيّات): أنّه اجتمع آل رسول الله صلى الله عليه و سلم على الجهر بـ {بسم الله الرحمن الرحيم} ؛ حكاه عن أبي جعفر الهاشمي، ومثله في "الجامع الكافي" وغيره من كتُب العِترة. وقد ذَهَب جماعة من أهل البيت إلى الجهر بها في الصّلاة السّرية والجهرية.
وذكر الخطيب عن عكرمة: أنّه كان لا يُصلّي خَلْف من لا يجهر بالبسملة.
وعن أبي جعفر الهاشمي مثله، وإليه ذَهب الشافعي وأصحابه.

12.3 التعوذ بالقراءة في الصلاة، وما جاء في ((الله ...


ونقِل عن مالكٍ: قراءتها في النّوافل في (فاتحة الكتاب) وسائر سُوَر القرآن.
وقال طاوس: "تُذكر في (فاتحة الكتاب)، ولا تُذكر في السّورة بعدها".
وحُكي عن جماعة: أنّها لا تُذكر سرًّا ولا جهرًا. وأهل هذه المقالة منهم القائلون أنّها ليست من القرآن الكريم. وحَكَى القاضي أبو الطّيب الطّبري عن ابن أبي لَيْلى الحكم: أنّ الجهر والإسرار بها سَواء. فهذه المذاهب في الجهر بها وإثبات قراءتها، ونَفْيها.‌ هذا، وقد اخْتَلفوا هل هي آية من (الفاتحة) فقط؟ أو من كلِّ سورة؟ أو ليست بآية؟ فَذَهب ابن عبّاس وابن عمر وابن الزّبير, وطاوس وعطاء ومكحول وابن المبارك وطائفةٌ إلى: أنّها آية من (الفاتحة)، ومن كلِّ سورة غير (بَراءة).
وحُكي عن أحمد وإسحاق وأبي عُبيد, وجماعة من أهل الكوفة ومكّة, وأكثر العراقيِّين، وحَكاه الخطّابي عن أبي هريرة وسعيد بن جُبير.
ورواه البيهقي في (الخلافيّات) بإسناده عن علي بن أبي طالب، والزّهري وسفيان الثّوري، وحَكاه البيهقي أيضًا في (السّنن الكبرى) عن ابن عباس ومحمّد بن كعب: أنّها آية من الفاتحةِ فقط.
وحُكي عن الأوزاعي ومالك وأبي حنيفة وداود بن علي الظّاهري، وهو رواية عن أحمد: أنّها ليست آية في الفاتحة ولا في أوائل السّوَر.

12.3 التعوذ بالقراءة في الصلاة، وما جاء في ((الله ...


وقال أبو بكر الرّازي وغيره من الحنفية: هي آية بيْن كلّ سورتيْن غير "الأنفال" وبراءة، يعني غير ما بيْن "الأنفال" و"براءة". وليست من السّوَر. يعني: هي آية، ولكنّها آية مُستقِلّة، بل هي قرآن مُستقلّ كسورة قصيرة، وحَكَى هذا عن داود وأصحابه وهو رواية عن أحمد.
واعلم: أنّ الأمّة أجمعت على أنّه لا يُكفَّر مَن أثبتها، ولا مَن نفاها، لاختلاف العلماء فيها، بِخِلاف ما لو نَفَى حرفًا مجمعًا عليه، أو أثبتَ ما لم يقُل به أحد، فإنّه يَكْفر بالإجماع. ولا خِلاف أنّها آية في أثناء سُورة "النّمل". ولا خِلاف في إثباتها خطّ
ًا في أوائل السّوَر في المُصحف، إلّا في أوّل سورة "التّوبة" أو سورة "بَراءة".‌
وأمّا التّلاوة، فلا خِلاف بين القُرّاء السّبعة في أوّل فاتحة الكتاب، وفي أوّل كلِّ سورة إذا ابْتدأ بها القارئ، ما خَلا سورة "التّوبة".
وأمّا في أوائل السّوَر مع الوصل بسورة قَبْلها، فأثبتها ابن كثير، وقالون، وعاصم، والكسائي، من القرّاء في أوّل كلِّ سورة إلّا في أوّل سورة "التّوبة"، وحَذَفها منهم البقيَّة وهم أبو عمْرو وحَمْزة وورش وابن عامر.
وقد احتجّ القائلون بالإسرار بها بحديث الباب وحديث ابن مُغفّل الآتي الذي يُفيد في أنّ الجهر بها بدعة، وغيرهما ممّا ذَكرْنا.
واحتجّ القائلون بالجهر بها في الصّلاة الجهرية بأحاديث، منها: حديث أنس وحديث أمّ سَلَمة الآتيان، وسيأتي الكلام عليهما.
أمّا حديث أنس، فهو كَما ذَكَره الإمام مجد الدّين ابن تيمية, عن قتادة قال: ((سُئل أنسٌ كيف كانت قراءة النّبي صلى الله عليه و سلم فقال: كانت مدًّا. ثمّ قرأ: {بسم الله الرحمن الرحيم}، يمدّ بـ{ بسم الله}، ويمدّ بـ{ الرحمن} ويمدّ بـ{ الرحيم})) . رواه البخاري.

12.3 التعوذ بالقراءة في الصلاة، وما جاء في ((الله ...


وأمّا حديث أمِّ سلمة، فهو أنّها سُئلت عن قراءة رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالت: ((كان يُقطِّع قراءته آيةً آيةً: { الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٢﴾ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ ﴿٣﴾ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴿٤﴾ } [الفاتحة : 1-4] )) . رواه أحمد وأبو داود.
ومنها -يعني: من حُجج القائلين بالجهر بهأ. حديث ابن عباسٍ عند الترمذي والدارقطني بلفظ ((كان النّبي صلى الله عليه و سلم يَفْتتح الصّلاة بـ{ بسم الله الرحمن الرحيم })) . قال التّرمذي: "هذا حديث ليس إسناده بذاك، وفي إسناده إسماعيل بن حمّاد".
قال البزار: "إسماعيل لم يَكُن بالقويّ"، وقال العقيلي: "غير محفوظ، وقد وثَّق إسماعيلَ يحْيى بن مَعِين". وقال أبو حاتم: "يُكتَب حديثه".
وفي إسناده: أبو خالد الوالبي، اسمه: هُرمز، قال الحافظ: "وقيل هِرَم"، قال الحافظ: "مجهول". وقال أبو زرعة: "لا أعرف من هو". وقال أبو حاتم: "صالح الحديث". وقد ضعّف أبو داود هذا الحديث. روى ذلك عنه الحافظ ابن حجر في "التّلخيص الحبير".
وللحديث طريق أخرى عن ابن عباس، رواها الحاكم بلفظ: ((كان يَجْهر في الصّلاة بـ { بسم الله الرحمن الرحيم } )) . وصحّح الحاكم هذا الطّريق، وخطّأه الحافظ في ذلك، لأنّ في إسنادها عبد الله بن عمْرو بن حسّان، وقد نَسَبه ابن المديني إلى الوضع للحديث. وقد رواه إسحاق بن راهويه في "مسنده" عن يحيى بن آدم، عن شَريك، ولم يَذْكر ابن عباس في إسناده، بل أرسله؛ وهو الصّواب من هذا الوجه؛ قاله الحافظ ابن حجر.

12.3 التعوذ بالقراءة في الصلاة، وما جاء في ((الله ...


وقال أبو عمر بن عبد البر: "الصّحيح في هذا الحديث: أنّه رُوي عن ابن عباس من فِعْله، لا مرفوعًا إلى النّبي صلى الله عليه و سلم "، أي: موقوفًا عليه.
ومنها: ما أخرجه الدارقطني عن ابن عبّاس: أنّ النّبي صلى الله عليه و سلم ((لم يَزَل يَجْهر في السُّورتيْن, بـ { بسم الله الرحمن الرحيم })) ، وفي إسناده: عُمر بن حَفْصٍ المكّي، وهو ضَعِيف.
وأخرجه أيضًا عنه من طريقٍ أخْرى، وفيها أحمد بن رُشيد بن خُثيم، عن عمِّه سعيد بن خُثيم، وهما ضَعِيفان.
ومنها: -يعني من أحاديث التي تُثبت الجهر: ما أخرجه النّسائي من حديث أبي هريرة بلفظ, قال نُعيم المُجْمر: صلّيت وراء أبي هريرة فَقَرأ: { بسم الله الرحمن الرحيم } , ثمّ قرأ بـ"أم القرآن". وفيه: "ويقول إذا سلّم: والذي نفسي بيده؛ إنِّي لأَشْبَهُكم صلاةً برسول الله صلى الله عليه و سلم". وقد صحّح هذا الحديث: ابن خزيمة، وابن حبّان، والحاكم، وقال: على شَرْط البخاري ومسلم.
وقال البيهقي: "صَحِيح الإسناد وله شواهد"، وقال أبو بكر الخطيب فيه: "ثابت صَحِيح، لا يتوجّه عليه تَعْليق".
ومن حُجج القائلين بالجهر: عن أبي هريرة أيضًا عند الدارقطني، عن النّبي صلى الله عليه و سلم ((أنّه كان إذا قرأ وهو يَؤمّ النّاس افتتح بـ { بسم الله الرحمن الرحيم } )) . قال الدارقطني: "رجال إسناده كلِّهم ثِقات". انتهى.

12.3 التعوذ بالقراءة في الصلاة، وما جاء في ((الله ...


وفي إسناده: عبد الله بن عبد الله الأصبحيّ، رُوي عن ابن معينٍ توثيقه وتضعيفه. وقال ابن المديني: "كان عند أصحابنا ضعيفًا، وقد تَكلّم فيه غير واحد".
ومن حُجج القائلين كذلك بالجهر بالبسملة: عن أبي هريرة أيضًا, عند الدارقطني, قال: قالَ رسول الله صلى الله عليه و سلم: ((إذا قرأتُم "الحمد لله" فاقرءوا: { بسم الله الرحمن الرحيم } . إنّها "أمّ القرآن" و"أمّ الكتاب" و"السّبع المثاني" و بسم الله الرحمن الرحيم إِحْدى آيِها)) . قال اليعمري: "وجَمِيع رُواته ثِقات، إلّا أنّ نوحَ بن أبي بلالٍ الرّاوي له عن سعيد بن أبي سعيدٍ المقبري, عن أبي هريرة، تَردّد فيه، فَرَفعه تارةً، وَوَقفه أخرى".
قال الحافظ ابن حجر: "هذا الإسناد رجاله ثقات، وصحّح غير واحدٍ من الأئمّة وقْفه على رفْعه".
وأعلّه ابن القطان بتردّد نوحٍ المذكور -وهو: ابن أبي بلال- وتكلّم فيه ابن الجوزي من أجْل عبد الحميد بن جعفر أحد رواته، فإنّ فيه مقالًا، ولكنّ متابعة نوحٍ له ممّا تقوِّيه.
ومن أدلّة القائلين بالجهر أيضًا: عن عليّ بن أبي طالبٍ وعمّار بن ياسر: ((أنّ النّبيصلى الله عليه و سلم كان يَجْهر في المكتوبات بـ{ بسم الله الرحمن الرحيم } )) . أخرجه الدارقطني، وفي إسناده: جابر الجعفي وإبراهيم بن الحَكم بن ظَهِير، وغيرهما ممّن لا يُعوّل عليه.

12.3 التعوذ بالقراءة في الصلاة، وما جاء في ((الله ...


ومن حُجج القائلين بالجهر أيضًا: عن عليّ كذلك بلفظ: ((أنّ النّبي صلى الله عليه و سلم كان يقرأ: { بسم الله الرحمن الرحيم } في صلاته)) . أخرجه الدارقطني، وقال: "هذا إسنادٌ علويّ لا بأس به" -يعني: عالٍ- يعني: قليل الرّواة. وله طريقٌ أخرى عنده بلفظ: ((أنّه سُئل عن (السّبع المثاني)؛ فقال: { الحمد لله رب العالمين}. قيل: إنّما هي ستّ. فقال: { بسم الله الرحمن الرحيم } )) . وإسناده كلّهم ثقات.
يعني: هي ستّ ولكنّها تُكمل سبْعًا بـ { بسم الله الرحمن الرحيم} .
وقال الحافظ في الحديث الأوّل الذي قال: إنّه لا بأس بإسناده، الذي هو حديث عليّ بلفظ: ((أنّ النّبي صلى الله عليه و سلم كان يقرأ { بسم الله الرحمن الرحيم } في صلاته)) ، قال: إنّه بين ضعيفٍ ومجهول، يعني: تعارض قوله، وفي قوله إنّه -أي: الإسناد. بين ضعيف ومجهولٍ من الرّواة فيه.
ومن هذه الحُجج: "أنّ النّبي صلى الله عليه و سلم كان إذا قام إلى الصّلاة فأراد أنْ يقرأ قال: { بسم الله الرحمن الرحيم } . رواه ابن عبد البر، قال: "ولا يثبتُ فيه إلّا أنّه حديثٌ موقوف".
ومن هذه الحُجج: عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: "كيف تقرأ إذا قُمت في الصّلاة؟ قُلت -أي: جابر- اقرأ: { الحمد لله رب العالمين } . قال صلى الله عليه و سلم قُل: { بسم الله الرحمن الرحيم } . رواه الشّيخ أبو الحسن، وفي إسناده: الجهم بن عثمان، قال أبو حاتم: "مجهول".

12.3 التعوذ بالقراءة في الصلاة، وما جاء في ((الله ...


ومنها -يعني: من حُجج القائلين بالجهر بالبسملة: عن سمرة قال: ((كان للنّبي صلى الله عليه و سلم سَكْتتان: سَكْتة إذا قرأ: { بسم الله الرحمن الرحيم } ، وسكتة إذا فَرَغ من القراءة)) . فأنكر ذلك عمران بن الحصين، فكتبوا إلى أبيّ بن كَعب، فكتب: أنْ صَدق سمرة. أخرجه الدارقطني، وإسناده جيِّد.
غير أنّ الحديث أخرجه الترمذي وأبو داود وغيرهما بلفظ: ((سَكْتة حِين يَفْتتح، وسكتة إذا فَرغ من السّورة)) . وهذا هو الأبْين والأوضح، إذ إنّه من المستبعد أنْ يكون صلى الله عليه و سلم يقرأ: { بسم الله الرحمن الرحيم } ثمّ يسكت سكتة, ثمّ يستأنف أو يبدأ القراءة.
ومن الحُجج أيضًا عن أنس، قال: ((كان النّبي صلى الله عليه و سلم يَجْهر بالقراءة, بـ{ بسم الله الرحمن الرحيم } )) . أخرجه الدّارقطني، وله طَريق أخْرى عن أنس عند الدارقطني والحاكم بمعناه.
ومن الحُجج أيضًا: عن أنس أيضًا بلفظ: ((سَمِعت رسول الله صلى الله عليه و سلم: يجهر بـ: { بسم الله الرحمن الرحيم} )) . أخرجه الحاكم، قال: "ورواته كلّهم ثقات".
ومنها: عن عائشة: "أنّ رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يجهر بـ{ بسم الله الرحمن الرحيم } "، ذَكَره ابن سيِّد النّاس في "شَرْح التّرمذي"، وفي إسناده: الحكم بن عبد الله بن سَعد, وقد تكلَّم فيه غير واحد.

12.3 التعوذ بالقراءة في الصلاة، وما جاء في ((الله ...


ومِن الحُجج أيضًا: عن بريدة بن الحصيب بِنَحْو حديث عائشة، وفيه: جابر الجعفي، وليس بشيء. وله طريق أخرى فيها: سَلمة بن صالح، وهو ذاهب الحديث.
ومن حُجج القائلين كذلك بالجهر بالبسملة: عن الحَكم بن عمر وغيره، من طُرقٍ لا يعوّل عليها. ومِن حُجج القائلين بالجهر بالبسملة كذلك: عن عمر قال: ((صلّيت خَلْف رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبي بكر وعمر، فكانوا يجهرون, بـ: { بسم الله الرحمن الرحيم } )) . أخرجه الدارقطني.
قال الحافظ: وفيه: أبو طاهر أحمد بن عيسى بن عبد الله بن محمّد بن عُمر بن علي العلوي, وقد كذّبه أبو حاتم وغيره، ومن دونه أيضًا ضَعِيف ومجهول. ورواه الخطيب عن ابن عُمر من وجهٍ آخَر, وفيه: مسلم بن حيّان وهو مجهول. قال: والصّواب أنّ ذلك عن ابن عمر غير مرفوع.
وقبل أنْ نُبيِّن تَعقيب الإمام الشّوكاني على هذه الحجج وهذه الأحاديث والآثار, يَحْسن بنا أنْ نقرأ كلام الإمام الشّافعي في (الأمّ) وحُجَجه؛ فهو من القائلين بالجهر وأفاض في ذلك.
وممّا قاله: أنّه أثبت أوّلًا أنّ { بسم الله الرحمن الرحيم } آية مِن آيات فاتحة الكتاب، وبالتّالي إذا كان يُجهَر بفاتحة الكتاب في الصّلاة الجهرية، فيُجهر بآية منها وهي البسملة، إلى غير ذلك من الحُجج... ‌

12.3 التعوذ بالقراءة في الصلاة، وما جاء في ((الله ...


قال الإمام الشّافعي رحمه الله: أخبرنا سُفيان عن أيّوب بن أبي تميمة, عن قتادة، عن أنس قال: ((كان النّبي صلى الله عليه و سلم وأبو بكر وعمر يَسْتفتحون القراءة, بـ{الحمد لله رب العالمين } )) . قال الشافعي -رحمة الله عليه-: "يعني يبدءون بقراءة "أمّ القرآن" قبل ما يُقرأ بعدها"، والله تعالى أعلم.
يعني: لا يعني أنّهم يَتْركون: { بسم الله الرحمن الرحيم } وهو بذلك يُريد أنْ يُزيل التعارضَ بين رواية أنس هذه وأمثالها، وبين ما وَرَد بالجهر.
قال الشّافعي رحمه الله: فواجبٌ على من صَلّى مُنفردًا أو إمامًا: أنْ يقرأ بـ"أمِّ القرآن" في كلِّ رَكْعة، لا يُجْزيه غيرها. وأُحبُّ أنْ يقرأ مَعَها شيئًا: آية أو أكثر. وسأذكر المأموم.
قال: وإنْ تَرَك من "أمِّ القرآن" حرفًا واحدًا ناسيًا أو ساهيًا, لم يُعتدَّ بتلك الرّكعة؛ لأنّه مَنْ تَرك منها حرفًا لا يُقال له قَرَأ "أمّ القرآن" على الكمال.
قال: { بسم الله الرحمن الرحيم } الآية السّابعة، فإنْ تَرَكها أو بعضها لم تُجزه الرّكعة التي تَرَكها فيها.
قال الشافعي: وَبَلغني أنّ ابن عباسٍ > كان يقول: ((إنّ رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يفتتح القراءة, بـ{ بسم الله الرحمن الرحيم } )) . قال: أخبرنا عبد المجيد بن عبد العزيز عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني أبي عن سعيد بن جبير: { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ } [الحِجر:87]، قال: "هي (أمّ القرآن)". قال أبي: وقرأها علَيَّ سعيد بن جبير حتّى خَتَمها, ثمّ قال: {بسم الله الرحمن الرحيم} الآية السّابعة".

12.3 التعوذ بالقراءة في الصلاة، وما جاء في ((الله ...


قال سعيد: "فَقَرأها عليَّ ابن عباسٍ كما قرأتُها عليك, ثمّ قال: { بسم الله الرحمن الرحيم} الآية السّابعة". قال ابن عبّاسٍ: "فذَخَرها لكم، فما أخرجها لأحدٍ قبلكم"، أيْ: "أمّ القرآن": "السّبع المثاني".
قال الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمّد, قال: حدّثني صالح مَوْلى التّوأمة: أنّ أبا هريرة كان يَفْتتح الصَّلاة بـ: بسم الله الرحمن الرحيم . وفي الإسناد هُنا: إبراهيم بن محمّد, وضعّفه كثير من الأئمّة لكنْ كان يَثِق فيه الإمام الشّافعي, كَما هو معروفٌ ومشهور عنه.
ثمّ قال الإمام الشّافعي: أخبرنا عبد المجيد بن عبد العزيز، عن ابن جُريج, قال أخبرني عبد الله بن عثمان بن خُثيم، أنّ أبا بكر بن حفْص بن عمر أخبره, أنّ أنس بن مالكٍ أخبره, قال: "صلّى معاوية بالمدينة صلاة فَجَهر فيها بالقراءة، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم لـ"أمّ القرآن"، ولم يقرأ بها للسّورة التي بعْدها حتّى قَضَى تلك القراءة.
ولم يُكبِّر حين يَهْوي حتّى قَضَى تلك الصّلاة. فلمّا سلَّم، ناداه مَن سَمِع ذلك من المهاجرين من كلِّ مكان: يا معاوية! أسرقتَ الصّلاةَ أم نَسِيت! فلّما صلّى بعد ذلك قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم للسّورة التي بعد "أمّ القرآن"، وكبّر حِين يَهْوي ساجدًا".
ثمّ قال الإمام الشّافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمّد, قال: حدّثني عبد الله بن عثمان بن خُثيم, عن إسماعيل بن عُبيد بن رِفاعة, عن أبيه: أنّ معاوية قدَِم المدينة فصلّى بهم، فََلَم يقرأ بـ بسم الله الرحمن الرحيم ولم يكبِّر إذا خَفَض وإذا رَفَع. فناداه المهاجرون حِين سلّم والأنصار, أنْ يا معاوية سَرَقْت صلاتك! بسم الله الرحمن الرحيم ؟ وأين التّكبير إذا خَفَضْت وإذا رَفَعْت؟ فصلّى بهم صلاةً أخْرى، فقال ذلك فيها الذي عابوا عليه.

12.3 التعوذ بالقراءة في الصلاة، وما جاء في ((الله ...


ثمّ قال الشافعي: أخبرني يحْيى بن سُليم، عن عبد الله بن عثمان بن خُثيم, عن إسماعيل بن عُبيد بن رفاعة، عن أبيه, عن معاوية والمهاجرين والأنصار مثله، أو مثل معناه، لا يخالفه. وأحسب -قال الإمام الشافعي: وأحسب هذا الإسناد أخفض من الإسناد الأوّل، أيْ: في دَرَجته.
قال الشافعي رحمه الله: وفي الأولى: أنّه قرأ -يعني: في الرّواية الأولى عن معاوية- أنّه قرأ: { بسم الله الرحمن الرحيم} في "أمّ القرآن"، ولم يقرأها في السّورة التي بعْدها؛ فذلك زيادة حَفظها ابن جُريج.
وقوله: فصلّى بهم صلاةً أخرى يُحتمل أنْ يكون أعاد، ويُحتمل أنْ تكون الصّلاة التي تَلِيها.
ثمّ قال: أخبرنا مسلم بن خالد الزّنجي, وعبد المجيد، عن ابن جُريج، عن نافع، عن ابن عمر: أنّه كان لا يدعُ بسم الله الرحمن الرحيم لـ"أمّ القرآن" وللسّورة التي بعدها. قال الشافعي رحمه الله: "هذا أحبُّ إليّ؛ لأنّه حِيئنذ مُبتدئ قراء ة القرآن".
ثمّ قال: وإنْ أغْفل أنْ يقرأ: {بسم الله الرحمن الرحيم } ، وقرأ من: {الحمد لله رب العالمين } حتّى يَخْتم السّورة, كان عليه أنْ يعود فَيقْرأ: {بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين } حتّى يأتي على السّورة.

12.3 التعوذ بالقراءة في الصلاة، وما جاء في ((الله ...


نبّه الشّافعي إلى: أنّ الذي يقرأ: { الحمد لله رب العالمين }: "أمّ الكتاب" دون { بسم الله الرحمن الرحيم }، كان عليه أن يعود فيقرأ: { بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين } حتّى يأتي على السّورة.
قال الشّافعي: "ولا يُجزيه أن يقرأ: { بسم الله الرحمن الرحيم } بعد قراءة { الحمد لله رب العالمين } ، ولا بين ظهرانيِّها حتّى يعود فيقرأ: { بسم الله الرحمن الرحيم } ثمّ يَبتدئ "أمّ القرآن"؛ فيكون قد وَضع كلّ حرفٍ منها في موضعه"، -وهو يريد بالحرف هنا: الآية.
وكذلك لو أغْفَل فقرأ: { بسم الله الرحمن الرحيم } , ثمّ قال: { مالك يوم الدين} حتّى يأتي على آخِر السّورة, وعاد فقال: { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } حتّى يأتي على آخِر السّورة.
وكذلك لو أغفل { الْحَمْدُ } فقط؛ فقال: {لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } ، عاد فقرأ: { الْحَمْدُ } وما بعدها، لا يُجزيه غيره، حتّى يأتي بها كما أنْزلت. ولو أجَزْت له أنْ يقدِّم منها شيئًا عن مَوْضعه أو يؤخِّره ناسيًا, أجَزْت له إذا نَسِي أنْ يقرأ آخِرَ آية منها, ثمّ التي تَلِيها قبلها، ثمّ التي تَليها حتّى يَجْعل {بسم الله الرحمن الرحيم} آخِرها؛ ولكنْ لا يُجزي عنه حتّى يأتي بها بكمالها كما أُنزِلَتْ.
وهكذا نَرَى الشّافعي وهو يقول بالجهر، إنّما اعتمد في حُجَجِه على أنّها -أي: البسملة- آية من آيات "فاتحة الكتاب"، وبالتّالي إذا كانت آية وكان يقرأ بها في الصّلاة الجهرية, أنْ يجهر بها كما يَجْهرَ بـ"فاتحة الكتاب".
هذا مِن ناحية، أمّا من ناحية أخرى، إذا كان لا يجهر بها, فإنّه لا بدّ من قراءتها مع "فاتحة الكتاب"، لأنّه كما أبان: { بسم الله الرحمن الرحيم } آيةٌ من "أمّ القرآن".

12.3 التعوذ بالقراءة في الصلاة، وما جاء في ((الله ...


ونعود إلى الإمام الشّوكاني ليعقِّب على حُجج القائلين بالجهر بالبسملة, ومنها بطبيعة الحال حُجج الإمام الشّافعي -رحمهم الله تعالى.
قال الإمام الشوكاني: فهذه الأحاديث فيها القويّ وفيها الضّعيف، كما عَرَفت، وقد عارضتْها الأحاديث الدّالة على تَرْك البسملة التي قدّمناها، وقد حُملت روايات حديث أنس السّابقة على تَرْك الجهر، لا تَرْك البسملة مُطلقًا، كما فسّر ذلك الإمام الشّافعي في كلامه الذي قرأناه.
قال الإمام الشّوكاني: لِما في تلك الرّواية التي قدّمناها في حديثه بلفظ: ((فكانوا لا يجهرون, بـ{ بسم الله الرحمن الرحيم } )) . وكذلك حُملت روايةُ حديثِ عبد الله بن مغفّل الآتية وغيرهما حملًا لِما أطلقتْه أحاديث نَفْي قراءة البسملة، على تلك الرّواية المقيّدة بَنَفْي الجهر فقط.
ثمّ أراد الإمام الشّوكاني أنْ يُرجِّح الجهر فقال: وإذا كان مُحصَّل أحاديث نَفْي البسملة هو: نفْي الجهر بها، فَمَتى وُجِدت رواية فيها إثبات الجهر قدِّمت على نفْيه. قال الحافظ ابن حجر: "لا بمجرّد تقديم رواية المثبت على النافي، لأنّ أنسًا يَبْعدُ جدًّا أنْ يصحب النّبي صلى الله عليه و سلم مُدّة عَشْر سِنِين, ويَصْحب أبا بكرٍ وعثمان خمسًا وعشرين سَنَة فلا يسمع منهم الجهر بها في صلاةٍ واحدة، بل لكون أنس اعترف بأنّه لا يحفظ هذا الحُكم، كأنّه لِبعد عَهْده به، لم يَذْكر منه الجزم بالافتتاح بـ { الْحَمْدُ لِلَّهِ } جهرًا، فلم يستحضر الجهر بالبسملة؛ فتعيَّن الأخذ بحديث من أثبت الجهر". انتهى كلام الحافظ ابن حجر.

12.3 التعوذ بالقراءة في الصلاة، وما جاء في ((الله ...


قال الإمام الشوكاني: ويؤيِّد ما قاله الحافظ من عَدَم استحضار أنسٍ لذلك: ما أخرجه الدارقطني عن أبي سلمةَ قال: سألت أنسَ بن مالكٍ: أكان رسول اللهصلى الله عليه و سلم يستفتح, بـ :{ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } , أو بـ{ بسم الله الرحمن الرحيم} ؟ فقال: إنّك سألتني عن شيء ما أحفظه، وما سألني عنه أحدٌ قبلك. فقلت: أكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يُصلّي في النّعليْن؟ قال: نعم.
قال الدارقطني: "هذا إسناد صَحيح. وعُروض النّسيان في مثل هذا غير مُسْتنكر". فقد حَكَى الحازمي عن نَفْسه أنّه حَضَر جامعًا, وَحَضره جماعةٌ من أهل التّميِيز المواظبة في ذلك الجامع، فسألهم عن حال إمامهم في الجهر والإخفات، قال: وكان صيِّتًا يملأ صَوْته الجامع. فاختلفوا في ذلك، فقال بعضهم: يجهر، وقال بعضهم: يُخْفت.‌
بعد أنْ رجّح الإمام الشّوكاني القول بالجهر، عَقّب على الروايات الكثيرة التي وَرَدت كأدلّة للقائلين بالجهر بالبسملة، وقد عَقّب عليها تعقيبًا خفيفًا قبل ذلك فقال: منها القوي ومنها الضّعيف.
ولكنّه عقّب عليها هنا بأنّ كثيرًا منها لا يدلّ على المطلوب؛ فكلّ ما يدلّ عليه هذا الكثير هو: ذِكْر البسملة, ولكنّ ذلك لا يَمْنع أنْ تكون إخفاء لا جهرًا, حتّى في روايات الإمام الشّافعي رحمه الله.

12.3 التعوذ بالقراءة في الصلاة، وما جاء في ((الله ...


قال الإمام الشوكاني: ولكنّه لا يَخْفى عليكَ: أنّ هذه الأحاديث التي استدلّ بها القائلون بالجهر مِنها ما لا يدلّ على المطلوب، وهو ما كان فيه ذِكْر أنّها آيةٌ من "الفاتحة" أو ذِكْر القراءة لها، أو ذِكْر الأمر بقراءتها من دُون تقييدٍ بالجهر بها في الصّلاة؛ لأنّه لا مُلازمة بين ذلك وبين المطلوب من الاستدلال، وهو الجهر بها في الصّلاة.
وكذا ما كان مقيّدًا بالجهر بها دون ذِكْر الصّلاة -يعني: في القراءة- في الصّلاة أو خارج الصّلاة؛ لأنّه لا نِزاعَ في الجهر بها خارج الصّلاة. فإنْ قُلت: أمّا ذُكَر أنّها آية، أو ذُكر الأمر بقراءتها بدون تقييدٍ بالجهر، فَعَدمُ الاستلزام مُسلّمز وأما ذِكر قراءته صلى الله عليه و سلم في الصّلاة لها، فالظّاهر أنّه يستلزم الجهر، لأنّ الطّريق إلى نَقْله إنّما هي السّماع، وما يُسمَعُ جهرٌ وهو المطلوب. قلت: يُمكن أنّ تكون الطّريق إلى ذلك: إخباره صلى الله عليه و سلم أنّه قرأ بها في الصّلاة، فلا ملازمة -يعني: قد يكون أخفاها ولم يَسمعوا, ولكنّه صلى الله عليه و سلم أخبر أنّه قرأ بها في الصّلاة, فلا مُلازمة. والذي يدلّ على المطلوب منها هو: ما صُرِّح فيه بالجهر بها في الصّلاة، وهي أحاديث لا ينْتهضُ الاحتجاج بها كما عَرَفْت.
ولهذا قال الدارقطني: إنّه لم يصحّ في الجهر بها حديث. ولو سلّمنا أنّ ذِكْر القراءة في الصّلاة يَسْتلزم الجهر بها، لم يَثْبت بذلك مطلوب القائلين بالجهر، لأنّ أنهض الأحاديث الواردة بذلكَ: حديثُ أبي هريرة المتقدِّم الذي فيه أنّه قرأ: {بسم الله الرحمن الرحيم} .

12.3 التعوذ بالقراءة في الصلاة، وما جاء في ((الله ...


وصلّى صلاةً وقال: "أنا أشبَهُكم في صلاتي هذه, بصلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم "، أو كما قال.
وقد تُعُقِّب باحتمال أنْ يكون أبو هريرة أشبهَهم صلاة برسول الله صلى الله عليه و سلم في مُعظم الصّلاة لا في جميعِ أجزائها، على أنّه قد رواه جماعةٌ عن نُعيمٍ المجمِر, عن أبي هريرة، بدون ذِكر البسملة، كما قال الحافظ في (الفتح).
وقد جَمع القرطبي بما حاصله -يعني: جمَع بين الروايات القائلة بالجهر وعدم الجهر- قال: ((إنّ المشركين كانوا يحضرون المسجد، فإذا قرأ رسول الله صلى الله عليه و سلم قالوا: إنه يذكر رحمان اليمامة، يعنون: مُسَيْلمة. فأُمر أن يُخافِت, بـ { بسم الله الرحمن الرحيم} ، ونزلت: { _(( بسم الله الرحمن الرحيم} [الإسراء:110] )) .
قال الحكيم التّرمذي: فبَقِي ذلك إلى يومنا هذا على ذِكرِ الرّسم، وإن زالت العلّة -يعني: فَبقِيَ ذلك في الإخْفات, بـ{ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ} إلى يومنا هذا على العادة والأمر الذي ساروا عليه، وإنْ زالت العلّة وهي: سَماع المشركين. وقد رَوَى هذا الحديث الطّبراني في (الكبير) و(الأوسط).
وعن سعيد بن جبير قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يجهرُ, بـ{ بسم الله الرحمن الرحيم } ، وكان المشركون يهزءون بِمُكاءٍ وتَصْدية، ويقولون: محمدٌ يَذْكر إلَه اليمامة. وكان مُسيلمة الكذّاب يسمّى: "رحمان". فأنزل الله عز و جل: { وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا } فتُسمع المشركين فَيهْزؤوا بك، { ووَلَا تُخَافِتْ بِهَا } عن أصحابك فلا تُسمعهم)) . رواه ابن جُبير عن ابن عباس، ذَكَره النّيسابوري في (التّيسير).

12.3 التعوذ بالقراءة في الصلاة، وما جاء في ((الله ...


قال الإمام الشّوكاني في الجمع بين الجهر والإخفات: وأنّ ذلك كان بعْد أن كان يَسْمع المشركون قِراءة النّبي صلى الله عليه و سلم في الصّلاة، وقالوا: إنّه يَذْكر مُسيلمة الكذّاب؛ لأنه كان يُسمّى: "رحمان"، فأمَرهم أن يخفتوا بها. وبَقِي الأمر على ذلك، فكان قبل ذلكَ جهرٌ ثمّ إخفات, وبقي الأمر على ذلك.
قال الإمام الشّوكاني: وهذا جمعٌ حَسنٌ، إن صحّ أنّ هذا كان السّبب في ترْك الجهر. وقد قال الإمام الهيثمي في (مجمع الزّوائد): "إنّ رجالَه مُوثّقون -أي: حديثَ الطّبراني في (الكبير) و(الأوسط) عن ابن جُبيرٍ في هذا.
وقد ذَكَر ابن القيّم في (الهدْي النّبوي): أنّ النّبي صلى الله عليه و سلم كان يَجْهر, بـ{ بسم الله الرحمن الرحيم} تارةً، ويُخفيها أكثر ممّا جَهَر بها. ولا رَيْب أنّه لم يَكُن يجهر بها دائمًا في كلِّ يومٍ وليلة خمس مراتٍ أبدًا حضرًا وسفرًا, ويَخْفى ذلك على خلفائه الرّاشدين وعلى جمهور أصحابه وأهل بلده في الأعصار الفاضلة؛ هذا من أمْحل المحال حتّى يُحتاجَ إلى التّشبثِ فيه بألفاظٍ مُجملة، وأحاديث واهية. فصحيح تلك الأحاديث غير صريحٍ -أي: بالجهر- وصريحها -أي: صريح هذه الأحاديث في الجهر- غير صَحِيح.
قال: "فصحيح تلك الأحاديث غير صريحٍ، وصريحها غير صحيح"، انتهى.

12.3 التعوذ بالقراءة في الصلاة، وما جاء في ((الله ...


قال الإمام الشوكاني: وحُجج بقية الأقوال التي فيها التّفصيل في الجهر والإسرار, والتي فيها جواز الأمْريْن مأخوذة من هذه الأدلّة؛ فلا نطوِّل بذكْرها.
وأمّا أدلّة المُثْبِتِين لقرآنيّة البسملة والنّافين لقرآنيّتها, فيأتي ذِكْر طرفٍ منها في الباب الذي بعد هذا.
وهذه المسألة -يعني: مسألة: الجهر وعدم الجهر- طويلة الذّيل، وقد أفردها جماعةٌ من أكابر العلماء بتصانِيف مُستقلّة، ومن آخِر ما وَقَع: رسالةٌ جَمعْتها -وهذا كلام الإمام الشوكاني- في أيّام الطّلب، مُشتملة على نَظمٍ ونَثْر، وأجبت بها على سُؤال وَرََََد، وأجاب عنه جماعةٌ من عُلماء العصر؛ فَلْنقْتصر في هذا الشّرح على هذا المقدار، وإنْ كان بالنّسبة إلى ما في المسألة من التّطويل نزرًا يسيرًا، ولكنّه لا يَقْصر على إفادة المُنْصف ما هو الصّواب في المسألة.
وأكثر ما في المقام: الاختلاف في مُستحبٍّ أو مَسْنون، فليس شيء من الجهر وتَرْكه يَقْدح في الصّلاة ببطلانٍ بالإجماع، فلا يَهُولنّك تعظيم جماعة من العلماء لشأن هذه المسألة والخلاف فيها. ولقد بالغَ بعضهم حتّى عدّها من مسائل الاعتقاد.
رَحِم الله الإمام الشّوكاني، فَقَد أصاب في هذه المقالة، كما أصاب في الكلام على هذه المسألة.


12.3 التعوذ بالقراءة في الصلاة، وما جاء في ((الله ...


2. حديث عبد الله بن مُغفّل.‌
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: وعن ابن عبد الله بن مُغفّل قال: "سَمِعني أبي وأنا أقول: { بسم الله الرحمن الرحيم } ، فقال: يا بُنيّ، إيّاك والحَدَث، قال: ولَمْ أرَ مِن أصحاب رسول الله ،صلى الله عليه و سلم رجلًا كانَ أبغضَ إليه حَدثًا في الإسلام منه، فإنِّي صلَّيتُ مع رسول الله صلى الله عليه و سلم، ومع أبي بكر ومع عمر ومع عثمان، فَلَم أسمع أحدًا منهم يقولها، فلا تَقُلْها، إذا أنت قَرَأت فَقُل: { الحمد لله رب العالمين } )) . رواه الخمسة إلّا أبا داود. والحديث، رواه الترمذي وحسَّنه.
وهو أيضًا من أفراد ابن عبد الله بن مغفّل، وعليه مداره، وذُكر أنّ اسمه: يزيد، وهو مجهولٌ لا يُعرف، وما رَوَى عنه إلّا أبو نَعامة.
وقال ابن خُزيمة: "هذا الحديث غير صَحيح". وقال الخطيب وغيره: "ضعيف".
قال الإمام الشّوكاني: وسَبب تضْعيف هذا الحديث: ما ذَكرْناه من جهالة ابن عبد الله بن مغفّل, والمجهول لا تقوم به حُجّة؛ لأنّه يُحتمل أنْ يكون ضعيفًا.
قال أبو الفتح اليعمري: والحديث عندي ليسَ معلّلًا بغير الجهالة في ابن عبد الله بن مغفّل، وهي جهالةٌ حاليّة لا عَيْنيّة، للعِلْم بوجوده؛ فقد كان لعبد الله بن المغفّل سبْعة أولادٍ، سُميّ هذا منهم: يزيد، وما رُوي بأكثر من أنّه لم يَرْوِ عنه إلا أبو نعامة، فحكمه حُكم المستور، أي: جهالة حاله، لا جهالة عيْنه.

12.3 التعوذ بالقراءة في الصلاة، وما جاء في ((الله ...


وأمّا قول من قال: غير صَحِيح: فكلّ حَسَن كذلك؛ لأنّ الحَسَن لا يكون صحيحًا، أي: لا يرتفع إلى رُتبة الصحيح؛ وعلى ذلك، فقد حسّنه أيضًا أبو الفتح اليعمري.

أمّا من حيث حُكم الحديث:
فقد استَدلّ به القائلون بترْك قراءة البسملة في الصلاة، والقائلون بترك الجهر بها؛ لأنّه قال له -يعني: عبد الله بن مغفّل قال لابنه: "إذا أنت قرأت فقُلْ: (( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ )) ". فمعنى ذلك: أنّه محتملٌ أن يقول له: "لا تَقُل: (( بسم الله الرحمن الرحيم )) ، أو لا تجهر بها مع (( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ )) ".
قال المصنِّف ابن تيمية رحمه الله: ومعنى قوله: "لا تَقُلْها"، يعني: لا تقل: (( بسم الله الرحمن الرحيم )) ، وقوله: "لا يقرءونها" أي: رسول الله صلى الله عليه و سلم، وأبو بكر وعمر وعثمان، أو لا يذكرونها ولا يسْتفتِحون بها، أي: جهرًا -يعني: لم أسمعها منهم -وإنّما كانوا يبتدئون, بـ (( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ )) ، بدليل قوله في رواية: "ولا يَجْهرون بها"؛ وذلك يدلّ على قراءتهم لها سِرًّا. انتهى.‌