12.2 وضع اليمين على الشمال، والاستفتاح بين التكبير والقراءة


أ. باب: ما جاء في وضع اليمين على الشّمال:
حديث وائل بن حُجر:‌
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: عن وائل بن حُجر: ((أنّه رأى النّبي صلى الله عليه و سلم رفع يَديْه حِين دَخَل في الصّلاةِ وكبّر، ثمّ الْتَحَف بثوْبه، ثمّ وَضَع اليُمنى على اليُسرى. فلمّا أراد أن يَرْكع، أخرج يَديْه ثمّ رفعهُما وكبَّر فَرَكع. فلمّا قال سَمِع الله لِمَن حَمِده رَفَع يَديْه، فلمّا سَجد سَجَدَ بَيْن كَفَّيْه)) . رواه أحمد ومسلم.
وفي رواية لأحمد وأبي داود: ((ثمّ وَضَع يَدَه اليُمنى على كَفِّه اليُسْرى والرّسغِ والسّاعد)) . الحديث أخرجه النّسائي وابن حبّان وابن خُزيمة.
وفي الباب عن هلبٍ عند أحمد والتّرمذي، وابن ماجه والدارقطني، وفي إسناده: قَبِيصَةُ بن هِلَب لَمْ يَرْو عنه غير سِماك، وثَّقه العجلي. وقال ابن المديني والنّسائي: "مجهول"، وحديث هلبٍ حَسّنه التِّرمذي.
وعن غُطيْف بن الحارث عند أحمد، وعن ابن عبّاسٍ عند الدّارقطني والبيهقي وابن حبّان والطّبَري، وقد تفرّد به حَرْمَلَة، وعن ابن عُمر عند العُقيْلي وضعّفه، وعن حُذيفة عند الدارقطني، وعن أبي الدّرداء عند الدارقطني مرفوعًا وابن أبي شَيْبة موقوفًا، وعن جابر عند أحمد والدارقطني وعن ابن الزُّبير عند أبي داود، وعن عائشة عند البيهقي وقال: صَحِيح، وعن شدّاد بن شُرَحْبيل عند البزّار وفيه: عبّاس بن يُونس، وعن يعلى بن مرة عند الطّبراني وفيه: عُمر بن عبد الله وهو ضَعِِيف، وعن عقبة بن أبي عائشة عند الهيثمي موقوفًا بإسنادٍ حَسَن، وعن معاذٍ عند الطّبراني وفيه: الخصيب

12.2 وضع اليمين على الشمال، والاستفتاح بين التكبير والقراءة


بن جَحْدر، وعن أبي هريرة عند الدارقطني والبيهقي، وعن الحسن مُرسلًا عند أبي داود، وعن طاوس مُرسلًا عنده أيضًا، وعن سَهَل بن سَعد وابن مَسْعود وعلي, وسيأتي في هذا الباب.‌
قوله: ((والرُّسغ)) -بِضَمّ الرّاء وَسُكون الْمُهملة وهي السِّين, بعدها مُعجمة وهي الغَيْن- هو: المِفْصل بَيْن السّاعد والكفّ.
قوله: ((والسّاعد)) بالجرّ: عَطْفٌ على الرُّسغ. والرُّسغ مجرور لعطفه على قوله: ((كفّه اليسرى)) . والمراد: أنّه وَضَع يَدَه اليُمنى على كفِّ يَدِه اليُسرى وَرِسْغها وساعدها.
ولفظ الطّبراني: ((وَضَع يَده اليمنى على ظَهْر اليسرى في الصّلاة، قريبًا من الرّسغ)) . قال أصحاب الشّافعي: "يَقْبض كفُّه الْيُمنى كُوعَ اليُسْرى وبَعْضَ رِسْغها وساعدها".‌
أمّا من حيث أحكام الحديث: فهو يدلّ على مَشْروعية وَضْع الكفّ على الكفّ؛ وإليه ذَهَب الجمهور.
قُلنا: إنّ حديث وائل بن حجر يدلّ على مَشْروعية وَضْع الكفّ على الكفّ، وإليه ذَهَب الجمهور.
وَرَوَى ابن المنذر عن ابن الزّبير والحسن البصري والنّخعي, أنّه يُرسِلهما ولا يَضَع اليُمنى على اليُسرى. وَنَقله النّووي عن اللّيث بن سَعد. ونقله المهدي في (البحر) عن القاسمية والنّاصرية والباقر. ونَقَله ابن القاسم عن مالك.
وخالفه ابن الحكم فَنَقل عن مالك الْوَضْع -يَعْني: وَضْع الْيُمنى على اليسرى- والرّواية الأولى عنه هي رواية جُمهور أصحابه، وهي المشهورة عندهم وهي: الإرسال -إرسال اليديْن وَعَدم وَضْع الْيُمنى على الْيُسرى. وَنَقل ابن سيِّد النّاس عن الأوزاعي: التّخْيَِير بين الوَضْع والإرسال.

12.2 وضع اليمين على الشمال، والاستفتاح بين التكبير والقراءة


واحتجّ الجمهور على مشروعيّة الوضع بأحاديث الباب التي ذَكَرها المصنّف, وذَكَرْناها، وهي: عِشْرون عن ثَمانية عَشَر صحابيًّا وتابعِيَّيْن. وَحَكى الحافظ عن ابن عبد البر أنّه قال: "لم يأت عن النّبي صلى الله عليه و سلم خِلاف".‌
واحتجّ القائلون بالإرسال بحديث جابر بن سَمُرة المتقدِّم بلفظ: ((ما لي أراكم رافعي أيديكم)) . وقد عرّفناك أنّ حديث جابر واردٌ على سببٍ خاصّ، وهو أنّهم كانوا عندما يُسلِّمون يَرْفعون أيْدِيهم يمينًا وشمالًا, فقال لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم : ((ما لي أراكم رافعي أيديكم، كأنّها أذناب خَيْلٍ شُمس)) . فإنْ قُلتَ العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السّبب، قُلنا: إنْ صَدَقَ على الْوَضْع مُسمّى الرّفع فلا أقلّ من صلاحية أحاديث الباب لِتَخْصيص ذلك العموم -يعني: الذين احتجّوا بهذا الحديث فَهِمُوا: ((مالي أراكم رافعي أيديكم)) - بمعنى: عَدَم إرسالها وَعَدم وَضْع الْيُمنى على الْيُسرى.
فقال الشّوكاني: إنْ صَدَق هذا الحديث على وَضْع اليمنى على اليسرى مُسمّى الرّفع -رفع اليدين- فلا أقلّ من صلاحية أحاديث الباب لتخصيص ذلك العموم، فهذا حديث عامّ ويُخصِّصها تلك الأحاديث التي صحَّت وفيها وَضْع اليديْن -وَضْع الْيُمنى على اليسرى في الصّلاة- وإن لّم يَصْدق عليه مُسمّى الرّفع لم يَصحّ الاحتجاج على عدمِ مَشْروعيته بحديث جابر المذكور.
واحتجّوا أيضًا بأنّه مُنافٍ لِلْخُشوع، وهو مأمور به في الصّلاة، هذه المنافاة مَمْنوعة. قال الحافظ, قال العلماء: الحكمة في هذه الْهَيْئة -يعني: وَضْع اليمنى على اليسرى- أنّها صِفَة السّائل الذّليل، وهو أمنع لِلْعبث وأقرب إلى الخشوع.

12.2 وضع اليمين على الشمال، والاستفتاح بين التكبير والقراءة


ومن اللّطائف قَوْل بعضهم: "القلبُ مَوْضع النّية، والعادة أنّ من حرص على حِفْظ شيء جَعَلَ يَدَيْه عليه". انتهى.
ومعنى ذلك: أنّه لا يتحقّق ذلك إلا بوضع اليُمْنى على الْيُسرى قريبًا من القلب, وهو ما يَتَنافى مع الإرسال. انتهى. قال المهدي في (البحر): ولا معنى لقول أصحابنا يُنافي الْخُشوع والسُّكون. واحتجّوا أيضًا بأنّ النّبي صلى الله عليه و سلم علّم الْمُسيء صلاته الصّلاة، ولم يَذْكر وَضْع الْيَمِين على الشّمال، كذا حكاه ابن سيّد النّاس عنهم، وهو عَجِيب؛ فإنّ النِّزاع في اسْتحْباب الوضْع لا في وُجوبه، وتَرْك ذِكْره في حَدِيث المسيء إنّما يكون حُجّة على القائل بالوجوب، وقد عُلم أّنّ النّبي صلى الله عليه و سلم اقْتَصر على ذِكْر الفرائض في حديث المسيء. وأعجب من هذا الدّليل قَوْل المهدي في (البحر) مُجِيبًا عن أدلّة الجمهور, بلفظ: قُلْنا: أمّا فِعْلُه فَلَعلّه لِعُذْرٍ لاحتماله -يعني: فَعْلُه صلى الله عليه و سلم وَضْع الْيُمنى على الْيُسرى، لعلّه كان لِعُذرٍ، لِاحْتمال أنْ يكون هذا العذر موجودًا. قال: وأمّا الخبر فإنْ صحّ فقويٌّ ويُحتمل الاخْتصاص بالأنبياء، انتهى.
ولكنّه ليس هُناك دليل على الاختصاص هُنا برسول الله صلى الله عليه و سلم، وقد اخْتُلف في محلّ وضْع اليَديْن, وسيأتي الكلام عليه -إنْ شاء الله تعالى.

ب. باب: وضع اليمين على الشّمال، وذِكر الاستفتاح:
حديث علي:‌

12.2 وضع اليمين على الشمال، والاستفتاح بين التكبير والقراءة


قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: وعن علي > قال: "إنّ من السّنة في الصّلاة: وَضْع الأكفِّ على الأكفّ تَحْت السّرة". رواه أحمد وأبو داود.
وهذا الحديث ثابت في بَعْض نُسخ أبي داود، وهي نُسْخة ابن الأعرابي، ولم يوجد في غيرها من النّسخ التي نَقَلها الرّواة، وفي إسناده: عبد الرّحمن بن إسحاق، قال أبو داود: سَمِعْت أحمد بن حنبل يُضعِّفه، وقال البخاري: "فيه نَظَر"، والبخاري عندما يقول ذلك فهو تَضْعيف، ولكنّه يعَفُّ أن يَرْمي الرّاوي بالضّعف, فَيَلْجأ إلى هذه العبارات، وقال النّووي: "هو ضَعِيف بالاتّفاق".
وأخرج أبو داود أيضًا عن أبي جرير الضبّي عن أبيه قال: ((رأيت عليًّا يمْسك شِماله بِيَمينه على الرّسغ فَوْق السُّرة)) . وفي إسناده: أبو طالوت عبد السّلام بن أبي حازم، قال أبو داود: "يُكتَب حَدِيثه" يعني: هو ضَعِيف، ولكنْ صالحٌ للاعتبار.
وهذا الحديث يَخْتلف عن الحديث السّابق في أنّ الحديث الأوّل قال: ((تَحْت السُّرة)) ، وهذا قال: ((فَوْق السُّرة)) .
وأخرج أبو داود كذلك عن أبي هريرة بلفظ: ((أخْذُ الأكُفِّ على الأكفِّ تَحْت السُّرة)) ، وفي إسناده: عبد الرّحمن بن إسحاق المتقدِّم، يعني: فَرواه مرَّةً عن عليّ ومرّة عن أبي هريرة >.
وأخرج أبو داود كذلك عن طاوس أنّه قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يَضَع يَدَه اليمنى على يَدِه اليسرى, ثمّ يشدّ بهما على صَدْره وهو في الصّلاة)) . وهو مرسلٌ، لأنّ طاوس من التّابعين، وقد رَفَعه مُباشرة إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم .
وهذه الرّواية تَقْترب من رواية عليّ الثّانية: ((فَوْق السّرة)) ، وإنْ كان هُنا: ((علَى صَدْره)) ؛ فيُحتمل أنّها تكون أيضًا فَوْق السّرة وإن كانت أعلى.
وهذه الرّوايات المذكورة عن أبي داود كلُّها ليست إلّا في نُسخة ابن الأعرابي، كما تقدّم.‌

12.2 وضع اليمين على الشمال، والاستفتاح بين التكبير والقراءة


وأمّا أحكام هذا الحديث:
فقد استدلّ به من قال: إنّ الوضع -وَضْع اليمنى على اليسرى- يكون تَحْت السُّرّة؛ وهو قول أبي حنيفة، وسُفيان الثّوري، وإسحاق بن راهويه، وأبي إسحاق المروزي من أصحاب الشّافعي. وذهبت إليه الشّافعية، قال النّووي: وبه قال الجمهور، إلى أنّ الوَضْع يكون تَحْت صدره فوق سُرّته، وعن أحمد روايتان كالمَذْهبيْن -يعني: رواية تَحْت السّرّة، ورواية فَوْق سُرّته وَتَحْت صَدْره- ورواية ثالثة أنّه يُخيَّر بَيْنهما، لا تَرْجيح، وبمذهب التّخيير قال الأوزاعي وابن المنذر. قال ابن المنذر في بعض تصانيفه: لم يثبت عن النّبي صلى الله عليه و سلم في ذلك شيء؛ فهو مُخيّر، وعن مالك روايتان: إحداهما: يَضَعُهما تَحْت صدْره، والثّانية: يُرسلهما ولا يضعُ إحداهما على الأخْرى.
وقد قُلنا: إنّ المشهور الذي رواه أكثر أصحاب مالك عنه هو: الإرسال، ولم يَنقُل عنه وَضْع اليمنى على اليسرى إلّا بعض أصحابه.‌
أمّا من حَيْث احتجاج هؤلاء: فقد احتجّت الشّافعية لِما ذَهَبت إليه من أنّ الوضع يكون تَحْت صَدْره فَوْق سُرّته, بما أخرجه ابن خُزيمة في "صحيحه" وصحّحه, من حديث وائل بن حجر قال: ((صلّيْت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم فَوَضع يده اليمنى على اليسرى على صَدْره)) . قال الإمام الشّوكاني: وهذا الحديث لا يدلّ على ما ذَهبوا إليه.
فقد احتجّت الشّافعية لِما ذَهَبت إليه من وَضْع اليمنى على اليسرى تَحْت صدره فوق سُرّته في القيام في الصّلاة, برواية وائل بن حجر التي صَحّحها ابن خُزيمة ورواها في "صحيحه" قال وائل: ((صلّيْت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم فَوَضَع يده اليمنى على اليسرى على صَدْره)) .

12.2 وضع اليمين على الشمال، والاستفتاح بين التكبير والقراءة


قال الإمام الشّوكاني: وهذا الحديث لا يدلّ على ما ذَهَبوا إليه؛ لأنّهم قالوا: إنّ الوضْع يكون تَحْت الصّدر, كما تقدّم، والحديث مُصرِّحٌ بأنّ الوضع على الصّدر.
وكذلك احتجّوا بحديث طاوس المتقدِّم: ((كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يَضَع يده اليمنى على يده اليسرى, ثمّ يشدّ بهما على صَدْره وهو في الصّلاة)) . وهذا الحديث مُرْسل، وهو يدلّ على ما دلّ عليه حديث وائل من أنّ وضع الْيَديْن إحداهما على الأُخْرى, إنّما هو على الصّدر، لا تَحْت الصّدر وفوق السّّرة كما يقول الشّافعية.
ولا شَيْء في الباب أصحّ من حديث وائل المذكور، وهو المناسب لما أسْلَفْنا من تفسيرِ عليٍّ وابن عبّاس لقوله تعالى: (( صَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)) [الكوثر:2]، بأنّ "النّحْرَ": وَضْعُ اليمين على الشّمال في محلِّ النّحر والصّدر، ولا يَخْفى ما في هذا التّفسير من غرابة، وأغرب منه أنْ يُرجِّح الإمام الشّوكاني هذه الْهَيْئة بهذا الحديث بهذا التّفسير. والله تعالى أعلم.

جـ. باب: ذِكْر الاسْتِفْتاح بين التّكبير والقراءة:
حديث أبي هريرة:

12.2 وضع اليمين على الشمال، والاستفتاح بين التكبير والقراءة


قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: عن أبي هريرة قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا كبَّر في الصّلاة سَكَتَ هُنيهةً قبل القراءة، فَقُلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمّي! أَرَأيْت سُكوتك بين التّكبير والقراءة ما تقول؟ قال: أقول: اللّهم باعد بَيْني وبين خَطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللّهم نقِّني من خطاياي كما يُنقَّى الثّوب الأبيض من الدَّنس، اللّهم اغسلني من خطاياي بالثّلج والماء والبرَد)) . رواه الجماعة إلّا التّرمذي، يعني: رواه البخاري ومسلم وأحمد وأصحاب "السنن" إلا التّرمذي: أبو داود والنّسائي وابن ماجه.
وقوله: ((هُنيْهة)) في روايةٍ ((هنيَّة)) ، قال النّووي: وأصله "هَنْوَة"، فلمّا صُغّرت صارت "هُنَيْوة"، فاجتمعت ياء وواو وسُبقت إحداهما بالسّكون، فقلبت الواو ياءً ثمّ أدْغِمت؛ وهذه قاعدة في عِلْم الصّرف، وقد تُقلب هاءً كما في رواية الكتاب: ((هُنَيْهة)) . قال النّووي أيضًا: "والهمزُ خَطأ"، وقال القرطبي: "إنّ أكثر الرّواة قالوه بالهمزة: ((هُنيْئة)) .
وقوله: ((بأبي أنت وأمّي!)) هو مُتعلِّقٌ بمحذوف إمّا هذا المحذوف اسمٌ أو فعلٌ، والتّقدير: أنتَ مُفدّى بأبي وأمّي، أو: أَفْديك بأبي وأمِّي.
وقوله: ((أرَأيْت سُكوتك...)) إلى آخِره، الظّاهر أنّه بِفَتْح التّاء بمعنى: أَخْبرْني، يعني: أخبرْني عن سُكوتك بين التّكبير والقراءة، ما تَقُول؟
وقوله: ((ما تقول؟)) فيه إشعار بأنّه قد فَهِم أنّ النّبي صلى الله عليه و سلم كان يقول قولًا في هذا السّكوت الذي بيْن التّكبير وبين القراءة.
قال ابن دقيق العيد: "ولعلّه استدلّ على أصْل القول بحركة الفم، كما استدلّ غيره على القراءة باضْطراب اللّحية، وذلك في الصّلاة غير الجَهْرية كالظّهر والعصر".

12.2 وضع اليمين على الشمال، والاستفتاح بين التكبير والقراءة


وقوله: ((باعدْ بَيْني وبين خطاياي)) ، قال الحافظ: "المرادُ بالمباعدة: مَحْو ما حَصَل منها -يعني: الخطايا، يعني: ليس المراد: التّباعد، وإنّما المراد: المَحْو، والعصمة منها.
وفي هذا اللّفظ مجازان:
‌الأوّل: استعمال المباعدة التي هي في الأصل للأجسام في مباعدة المعاني، لأنّ الخطايا معان فاستعملها كَما تُستعمل المباعدةُ في الأجسام بأنْ تكون المسافة مادّية لأشياء مادّية، فهو استعمال مَجازي.
والثّاني: استعمال مُباعدة في الإزالة بالكلِّية، مع أنّ أصْلها لا يَقْتضي الزّوال؛ إنّما الأصل هو أن تكون هناك مسافةٌ كثيرة بين المؤمن وبين خطاياه، لكنّه هنا يريد إزالتها.
ومَوْضع التّشبيه: أنّ التقاء المشرق والمغرب مُستحيل، وكأنّه أراد ألّا يَقَع منهما اقتراب بالكلِّية، وكرّر لفظ ((بيْن)) في قوله: ((باعِدْ بيْني وبيْن خَطايايَ)) لأنّ العطف على الضّميرِ المجرور يعادُ فيه الخافِض.
وقوله صلى الله عليه و سلم : ((اللّهم نقِّني)) بتشْديد القاف -وهو مجازٌ كذلكَ- عن زوال الذّنوب ومَحْوها بالكليّة، لأنّ الخطايا أيضًا ليست مادّة حتّى يَظْهر وَسخُها، وإنّما هي معنى؛ فاستعملها بمعنى المّادة والأجسام.
قال الحافظ ابن حجر: "ولمّا كان الدَّنس -أي الوسخ- في الثّوب الأبيض أظهر من غيره من الألوان، وَقَع التّشْبيه به، و ((الدَّنس)) : الْوَسَخ الذي يُدنِّس الثّوب، فالاستعمال هُنا مَجازي.

12.2 وضع اليمين على الشمال، والاستفتاح بين التكبير والقراءة


وقوله: ((اللّهم اغْسِلْني من خطاياي بالثّلج والماء والبرَد)) : جمََع بين الثّلاثة: الثّلج والماء والبرَد، تأكيدًا ومبالغةً كما قال الخطّابي، لأنّ الثّلج والبرد نوعان من الماء.
قال ابن دقيق العيد: "عبّر بذلك عن غاية المَحْو، فإنّ الثّوب الذي يَتَكرّر عليه ثلاثة أشياء مُنقِّية يكون في غاية النّقاء".
قال: ويُحْتمل أنْ يكون المراد أنّ كلّ واحدٍ من هذه الأشياء مَجاز عن صِفَةٍ يَقَع بها الْمَحْو؛ لأنّه استعمل الخطايا بمعنى الأشياء المادّية التي تُزال بالثّلج والماء والبَرَد كما تُزال هذه الأشياء.‌
أمّا مِنْ حَيْث حُكم الحديث: فهو يدلّ على مشروعية الدُّعاء بين التّكبير والقراءة. وخالف في ذلك مالك في المشهور عنه، والأحاديث، ومنها هذا الحديث، تَرُدُّ عليه.
وفي الحديث أيضًا من الأحكام: جواز الدُّعاء في الصّلاة بما ليس من القرآن؛ فهذا الدُّعاء في هذا الحديث ليس في القرآن الكريم، خِلافًا للحنفيَّة والهادويّة، الذين قالوا بِعَدَم جَواز الدُّعاء في الصّلاة إلّا بدعاء القرآن الكريم.
وفي الحديث أيضًا: أنّ دُعاء الاستفتاح يكونُ بعد تكبيرة الإحرام، وخالف في ذل: الهادي، والقاسم، وأبو العبّاس، وأبو طالب من أهل البيت، وسيأتي بيان ما هو الحقّ في ذلك، ولكنّ ظاهر هذا الحديث يدلّ على أنّه يكونُ بعدَ تَكْبيرة الإحرام.

12.2 وضع اليمين على الشمال، والاستفتاح بين التكبير والقراءة


حديث علي في دُعاء الاستفتاح:
وهو حديثٌ يَشْملُ الدُّعاء في مَواضع الصّلاة ومَراحل الصّلاة المُخْتلفة؛ ولذلك فَرّقه بعض المصنِّفين وأصحاب "السُّنن" على مواضع الصّلاة المُخْتلفة، ولكنّ الإمام ابن تيمية رحمه الله أتى به كاملًا هُنا، وما أحسن ما فَعَل!.
قال الإمام مجد الدّين ابن تيمية: عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ > قال: ((كان النّبي صلى الله عليه و سلم إذا قام إلى الصّلاة قال: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ وَإِذَا رَكَعَ قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُخِّي وَعَظْمِي وَعَصَبِي وَإِذَا رَفَعَ قَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ وَإِذَا سَجَدَ قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ثُمَّ يَكُونُ مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا أَسْرَفْتُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ)) . رواه أحمد ومسلم والتّرمذي وصحّحه.

12.2 وضع اليمين على الشمال، والاستفتاح بين التكبير والقراءة


وكما تَرَى: الحديث يَشْتمل على الدّعاء بعد تكبيرة الإحرام، وفي الرّكوع، وفي القيام من الرّكوع, وفي السّجود، وبين التّشهد والتّسليم في آَخِر الصّلاة.
الحديث -أخرجه أيضًا مع أحمد ومسلم والتّرمذي- أخرجه أيضًا: أبو داود والنّسائي مطوَّلًا، وابن ماجه مُختصرًا، وقد وَقع في بعض نُسخ هذا الكتاب -يعني كتاب المُنْتقى- مكان قوله: رواه أحمد ومسلم إلى آخِره، رواه الجماعة إلّا البخاري، وهو الصّواب، وأخرجه أيضًا ابن حبّان وزاد: ((إذا قام إلى الصّلاة المكتوبة)) .
روايتنا هُنا: ((إذا قام إلى الصّلاة)) مطلقًا، من غير تَقْيِيد بالمكتوبة، فزاد ابن حبّان في روايته: ((إذا قام إلى الصّلاة المكتوبة)) . وكذلك رواه الشّافعي، وقَيّده أيضًا بالمكتوبة، وكذلك غيرهما...
وأما مسلم فقيّده بصلاة اللّيل، وزاد لفظ: ((من جوف اللّيل)) .
وقوله: ((كان إذا قام إلى الصّلاة)) . زاد أبو داود: ((كَبّر ثمّ قال)) . والرّواية التي مَعَنا: ((إذا قام إلى الصّلاة قال)) ، وهذا تصريحٌ بأنّ هذا التّوجّه بعد التّكبيرة، لا كما ذَهَب إليه مَنْ ذَكَرْنا في شَرْح الحديث السّابق من أنّه قَبْل التّكبيرة، مُحْتجِّين على ذلك بقوله تعالى: (( وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا)) بعد قوله عز و جل: (( و وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ ۖ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا )) [الإسراء:111]، قال بعدها: (( و وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا )) ، فالدّعاء كان أوّلًا، ثمّ التّكبير عُطِف عليه؛ وهو عندهم: التّوجّه الصّغير -يعني: التّوجه إلى الصّلاة بهذا الدُّعاء.

12.2 وضع اليمين على الشمال، والاستفتاح بين التكبير والقراءة


وقوله: ((وجّهت وجْهي)) : التّوجه الكبير؛ وهذا إنما يتمّ بعد تَسْليم أنّ المراد بقوله: { وَكَبِّرْهُ } تَكبِيرةَ الإحرام، وبعد تَسْليم أنّ الواو تقتضي التّرتيب، وبعد تسليم أنّ قوله تعالى: (( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا)) الإسراء:111] إلى آخِره من التّوجهات الواردة.
وهذه الأمور جميعًا مَمْنوعة، ودون تَصْحيحها مَفاوز وعقاب، والأحسن: الاحتجاج لهم -لمن يقولون بأنّ ذلك دُعاء قبل التّكبير- بإطلاق بعض الأحاديث الواردة، كَحِديث جابر بلفظ: ((كان إذا اسْتَفْتح الصّلاة)) . وحديث الباب بلفظ: ((كان إذا قام إلى الصّلاة)) ، ولم ينصَّ على أنّ ذلك كان بعد التّكبير، وسيأتي.
وقد وَرَد التّقييد في غير حديث -يعني: أنّ ذلك الدُّعاء إنّما هو مقيّد بَعْد التّكبير- وحَمْل المطلق على المقيّد واجبٌ على ما هو الحقّ في الأصول.
ومن غرائب قول هؤلاء الذين قالوا: إنّ التّوجه والدّعاء قبل التّكبير: من غرائب قولهم: إنّه لا يُشرع التّوجه بغير ما وَرَد في هذا الحديث من الألفاظ القرآنية, إلّا قوله تعالى: (( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا )) [الإسراء:111] وقد وَرَدت الأحاديث الصّحيحة بِتَوْجيهاتٍ مُتعدّدة.
وقوله: صلى الله عليه و سلم في هذا الدّعاء: ((وجّهت وجْهِيَ)) ، قِيل معناه: "قَصَدْتُ بعبادتي"، وقيل: "أقبلتُ بِوجْهي".
وجَمْع "السّماوات" وإفراد "الأرض" مع كَوْنها سَبْعًا كذلك، لِشَرفها -يعني: في قوله: ((وجّهت وجْهِِِي للّذي فَطَر السّماوات والأرض)) .
وقال القاضي أبو الطيّب: لأنّا لا نَنْتفع من الأرَضِين إلّا بالطّبقة الأولى، بخلاف السّماء فإنّ الشّمس والقمر والكواكب مُوّزعة عليها.

12.2 وضع اليمين على الشمال، والاستفتاح بين التكبير والقراءة


وقِيل: لأنّ الأرَضين السّبع لها سَكَنٌ، أخرج البيهقي عن أبي الضُّحى عن ابن عبّاس أنّه قال في قوله تعالى: ((وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ )) [الطلاق:12] قال: ((سَبْع أرَضِين، في كلِّ أرضٍّ نَبِيٌّ كنبّيكم، وآدم كآدمكم، ونُوحٌ كنوحكم، وإبراهيم كإبراهيمكم، وعيسى كعيساكم)) . قال: وإسناده صَحِيح عن ابن عبّاس، غير أنّي لا أعْلَم لأبي الضُّحى متابعًا.
وقوله: ((حنيفًا)) : الْحَنِيف: المائل إلى الدّين الحق وهو الإسلام، قاله أكثر العلماء.
تُطلق كلمة "حَنِيف" على المائل والمستقيم، وهو عند الْعََرَب باسمٍ لِمَن كان على ملّة إبراهيم، وانتصابه على الحال، وإنّما سُمِّيت ملّة إبراهيم "الحنيفيّة"؛ لأنّه مال بها عمّا هو منتشرٌ في زمانه من عبادة غير الله تعالى، ومن التّوجه إلى غير الله تعالى، فمال عن ذلك إلى الدّين الحقّ وإلى عبادة الله عز و جل.
وقوله صلى الله عليه و سلم : ((ونُسُكي)) بعد قوله: ((إنّ صلاتي)) : "النّسك": العبادة لله، وهو من ذِكْر العامّ بعد الخاصّ وهو الصّلاة، لأنّ العبادة والنّسك بمعناها تشملُ الصّلاة وغيرها.
وقوله: ((ومحياي ومماتي)) أي: حياتي ومَوْتي، والجمهور على فَتْح الياء الآخِرَة في: ((محيايَ)) ، وقُرئ بإسكانها: ((ومحيايْ ومماتي)) .
وقوله صلى الله عليه و سلم : ((وأنا من المسلمين)) ، في رواية لمسلم: ((وأنا أوّل المسلمين)) ، قال الشّافعي رحمه الله: لأنّه صلى الله عليه و سلم كان أوّل مُسلمي هذه الأمّة، وفي رواية أُخْرى لِمُسْلم كما هُنا.

12.2 وضع اليمين على الشمال، والاستفتاح بين التكبير والقراءة


قال في "الانتصار" إنّ غير النّبي صلى الله عليه و سلم إنّما يقول: ((وأنا من المسلمين)) ، وهو وهْمٌ منشؤه توهّم أنّ معنى: ((وأنا أوّل المسلمين)) أنِّي أوّل شَخْص اتّصف بذلك، بعد أنْ كان النّاس بمَعْزلٍ عنه، وليس كذلك؛ بل معناه: المُسارعة في الامتثال لما أُمِر به، ونظيره: (( قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ )) [الزُّخرُف:81] أيْ: أسرعُهم إلى عبادة الله عز و جل بذلك.
وقال موسى: (( وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ )) [الأعراف:143]. وظاهر الإطلاق أنّه لا فَرْق في قوله: ((وأنا من المسلمين)) وقوله: ((وما أنا من المشركين)) بين الرّجل والمرأة، وهو صحيحٌ على إرادة الشّخص -أي: شَخْص المرأة فتقول: وأنا، أي: شخصي من المسلمين, ولم تقُل: وأنا من المسلمات.
وفي "المستدرك" للحاكم، من رواية عِمْران بن حُصين: أنّ النّبي صلى الله عليه و سلم قال لفاطمة: ((قومي فاشهدي أضْحِيتك، وقولي: إنّ صلاتي ونُسكي وَمَحْياي ومماتي لله ربّ العالمين، لا شريك له، وبذلك أُمِرت وأنا من المسلمين)) ؛ فدلّ على ما ذكرناه من أنّ المراد هو الشّخص، ولذلك جاءت هذه العبارة من غير فرقٍ بين أنْ يقولها الرّجل وأنْ تقولها المرأة.
وقوله: ((ظلمتُ نفسي)) : اعتراف بما يوجِب نَقْص حظّ النّفس من مُلابسة المعاصي تأدُّبًا، وأراد بـ"النّفس" هُنا: الذّات المُشتملة على الرُّوح.
قوله صلى الله عليه و سلم : ((واهْدني لأحْسَن الأخلاق)) ، أيْ: لِأكْملها وأفضلها.
وقوله: ((واصْرف عني سَيّئها)) أي: سَيِّء الأخلاق أيْ: قَبِيحها.

12.2 وضع اليمين على الشمال، والاستفتاح بين التكبير والقراءة


وقوله صلى الله عليه و سلم : ((لَبّيْك)) ، هو من: "ألَبّ" بالمكان إذا أقام به، وثَنّى هذا المصْدر مُضافًا إلى الكاف. وأصل ((لَبّيْك)) : "لَبّيْني"، فَحَذَف النّون لِلْإضافة.
وقال النّووي: "قال العلماء ومعناه: أنا مُقيم على طاعتك إقامةً بعد إقامة، وهذا هو السرّ في التّثنية".
وقوله صلى الله عليه و سلم : ((لَبّيْك وَسَعْديك)) : قال الأزهري وغيره: معناه: مساعدةً لأمْرِك بعد مُساعدة، ومُتابعة لدِينك بعد مُتابعة؛ فهي مُثنّاة أيضًا.
وقوله: ((والخير كلّه في يديْك)) ، زاد الشّافعي عن مسلم بن خالد، عن موسى بن عقبة: ((والمهديّ من هَديْت)) ، قال الخطّابي وغيره: "فيه الإرشاد إلى الأدَب في الثّناء على الله ومَدْحه، بأنْ يُضاف إليه مَحاسن الأمور دون مساويها على جِهَة الأدب".
وقوله: ((والشّر ليس إليك)) ، قال الخَلِيل بن أحمد، والنّضر بن شميل، وإسحاق بن راهويه، ويَحْيى بن مَعِين, وأبو بكر بن خُزيمة، والأزهري، وغيرهم, معناه: "الشرّ لا يُتَقرّب به إليك"، رَوَى ذلك النّووي عنهم، وهذا القول الأوّل في تَفْسير هذه العبارة.
والقول الثّاني حَكاه الشّيخ أبو حامد، عن المُزَني: أنّ معناه: لا يُضاف إليكَ على انفراده -يعني: لا يُقال: "يا خالق القِرَدة والخنازير"، و"يا ربّ الشّر"، وَنَحْو هذأ، وإنْ كان الله عز و جل هو خالق كلّ شيء، وهو رَبّ كلّ شيء، وَحِينَئِذٍ يَدِْخل الشرّ في العموم.
والمعنى الثّالث معناه: والشّرّ لا يَصْعد إليك، إنّما يَصْعد الْكَلِم الطيّب والعمل الصّالح, كما قال تعالى في كتابه الكريم(( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ۚ )) [فاطر:10].

12.2 وضع اليمين على الشمال، والاستفتاح بين التكبير والقراءة


والرّابع معناه: والشرّ ليس شرًّا بالنّسبة إليك؛ فإنّك خَلَقْته بِحِكْمة بالغة. وإنّما هو شرٌ بالنّسبة إلى المخلوقِين، وهذا -في رَأيِي- هو أحسن التّفسيرات. -والله تعالى أعلم.
قُلنا: إنّ أحسن التّفسيرات لقوله صلى الله عليه و سلم : ((والشرّ ليس إليك)) معناه: والشرّ ليس شَرًّا بالنّسبة إليك؛ فإنّك خَلَقْته بحكمة بالغة، وإنّما هو شرٌ بالنّسبة إلى المخلوقين. أمّا بالنّسبة إليك سُبْحانك، إنّما هو خَيْر، لأنّ مآله يكون دائمًا إلى الخير، بالحكمة والخِبْرة واللّطْف.
والتّفسير الخامس، حكاه الخطّابي، أنّه كقولك: "فُلان إلى بَنِي فُلان"، إذا كان عِداده فيهم.
حَكَى هذه الأقوال النّووي في (شَرْح مسلم).
وقال: إنّه ممّا يَجِب تأويله لأنّ مَذْهب أهل الحقّ: أنّ كلّ المحدثات فِعْلُ الله تعالى وَخلْقُه، سَواء خيْرها وشَرُّها. وفي المقام كلام طَوِيلٌ ليس هذا مَوْضعه.
وقوله صلى الله عليه و سلم : ((أنا بِكَ وإليك)) . أي: الْتِجائي وانْتِمائي وَتوْفِيقي بِك، وأنا بِقيُّومِيتِك أحْيا وأعيش. قاله النّووي -أي: قال أي: التجائي وانتمائي وتوفيقي بك.
وقوله: ((تبارَكْت)) : قال ابن الأنباري: "تبارك العبادُ بِتَوْحيدك"، أي: ثَبَتَ خَيْرهم بِتَوْحيدك. وقِيل: "ثَبَت الخير عِنْدك". وقال النّووي: "استحقَقتَ الثّناء".

12.2 وضع اليمين على الشمال، والاستفتاح بين التكبير والقراءة


وقوله: ((خَشَع لك سَمْعي وبَصَري, ومُخِّي وعَظْمي وعَصَبي)) . أي: خَضَع وأقبل عليك كلّ ذلك منَّي، من قولهم: "خَشَعت الأرض" إذا سَكَنت واطمأنّت.
وقوله: ((مُخِّي)) . قال ابن رسلان: "المراد به هُنا الدِّماغ، وأصْلُه: الوَدَك الذي في العظم. وخالصُ كلِّ شيء: مخُّه؛ وعلى هذا فيُمْكن أنْ يفسَّر ذلك بأنّ كلّ ما في خالص نَفْسي إنّما هو خاشعٌ وخاضعٌ ومُقبلٌ عليك".
وقوله: ((وَعَصَبِي)) : "العصب" الآن معروف، وهو الذي يُوصِّل الإحساس إلى الأعضاء كَيْ تعمل بما يُريده الْمَرْء، وهي معروفة واضحة في الطّبّ البشري الآن، فلا حاجة إلى أنْ نفسِّرها بما فسّروه به في الماضي وهو قولهم: طَنَب المفاصل أي رابط المفاصل، وغير ذلك؛ فهو أعمّ من ذلك. وَتنْتشِر الأعصاب في الجسم كلَّه.
زاد الشّافعي في "مُسنده" من رواية أبي هريرة: ((وشَعْري وبَشَري)) . والجمهور على تَضْعيف هذه الزّيادة، وزاد النّسائي من رواية جابر: ((وَدمِي وَلَحْمِي)) . وزاد ابن حبّان في "صحيحه": ((وما استقلّت به قَدَمي لله ربّ العالمين)) .
وقوله: ((مِلْء السّماوات)) : هو وما بَعْده بِكَسْر الميم, ونَصْب الهمزة ورَفْعها: ((مِلءَ)) و ((مِلءُ)) ، والنّصب أشهر. قاله النّووي، ورجّحه ابن خالويه، وأطْنب في الاستدلال، وجوّز الرّفعَ على أنّه مَرْجُوح.
وحُكي عن الزّجّاج: "أنّه يتعيّن الرّفع ولا يجوز غيره، وبالغ في إنكار النّصب"، قال الشّوكاني: "والذي تَقْتضيه القواعد النّحوية هو ما قاله ابن خالويْه".

12.2 وضع اليمين على الشمال، والاستفتاح بين التكبير والقراءة


قال النّووي في معنى هذا: قال العلماء معناه: حَمْدًا لَوْ كان أجسامًا لملأ السّماوات والأرض وما بينهما لِعِظمه، وهكذا قال القاضي عياض، وصرّح أنّه من قَبِيل الاستعارة، لأنّ الذي يمْلأ ما بين السّماوات والأرض إنّما هو الجرم والأجسام, وليس مثل هذه المعاني من الحمد.
وقوله: ((ومِلْء ما شِئْت من شَيْء بَعد)) ، وذلك كالكرسيّ والعرش وغيرهما, ممّا لم يَعْلمه إلّا الله. والمراد: الاعتناء في تَكْثير الحمد لله عز و جل.
وقوله: ((وصَوّره)) في قوله: ((سَجَد وَجْهي للّذي خَلَقه وصوّره)) ، زاد مسلم وأبو داود: ((فأحسن صُوَره)) ، وهو الموافق لقوله تعالى: { ﮡ ﮢ} [التغابن: 3].
وقوله: ((وشَقّ سَمْعه وَبَصره)) ، رواية أبي داود: ((فَشَقّ سَمْعه وبصره)) : قال القاضي عِيَاض: قال الإمام: يَحْتجّ به من يقول الأذنان من الوجه، وقد مرّ الكلام على ذلك.
قوله صلى الله عليه و سلم : ((فتبارك الله أحْسَن الخالقِين)) أي: المصوِّرين والمقدِّرين والمُبْدِعين. و"الخلقُ" في اللّغة: الفعل الذي يُوجِده فاعله مقَدِّرًا له، لا عن سَهْوٍ وَغَفْلة، ولا عن صُدفة. والعبدُ قدْ يوجَد منه ذلك. قال الكعبي: لكن لا يُطلق الخالِق على العبد، إلّا مقيّدًا، كالرّب، يعني: لا تُطلق كَلِمة الخالق على العبد مُطلقةً كما تُطلقُ على الله عز و جل.

12.2 وضع اليمين على الشمال، والاستفتاح بين التكبير والقراءة


والحقّ: أنّ الخلقَ لا يُنسبُ إلّا إلى الله عز و جل لأنّ الذي يَفْعله المخلوقون ليس هو خلْقًا، وإنّما هو شيءٌ يوجِدونه على مِثال، وهم يَسْتعِيُنون بما يمدُّهم الله عز و جل من مكوِّنات هذا الخَلْق. فالخالق في الحقيقة هو الله عز و جل وما يُنْسب إلى غيره -وإنْ كان مقيّدًأ. فهو على المجاز وعلى التّجاوز.
وقوله: ((ما قدّمتُ وما أخّرتُ)) ، المراد بقوله: ((ما أخّرت)) إنّما هو بالنّسبة إلى ما وَقَع من ذنوبه المتأخِّرة, لأنّ الاستغفار قبل الذّنب مُحال؛ فقوله: ((ما قدّمت)) معروفٌ أنّه سبقَ أنْ فَعَله. وأمّا ((ما أخّرت)) فهو ما سيكون، وهذا مُحالٌ أن يَستغفر قبل الذّنب منه؛ لأنّه لا يَدْري سيفعله أو لا يفعله؛ كذا قال أبو الوليد النّيْسابوري.
قال الأسْنوي: ولقائلٍ أنْ يقول: المُحال إنّما هو: طلبُ مَغْفرته قبل وُقوعه، وأمّا الطّلب قبل الوقوع أنْ يغفر إذا وَقَع فلا استحالة فيه، وهذا صَحِيح، كما أنّ قوله: ((ما أخّرت)) أي: ما وَقَع من ذُنوبه المتأخِّرة؛ فقد يُراد هذا وقد يُراد ذاك -والله تعالى أعلم.
وقوله صلى الله عليه و سلم : ((وما أسْررْتُ وما أعلنتُ)) أي: من جميع الذُّنوب؛ لأنّها إمّا تكون في السرّ، وإمّا تكون في الْعَلَن.
وقوله: ((وما أسرفت)) المراد: الكبائر, لأنّ "الإسراف" هو: الإفراط في الشّيء وهو: مجاوزة الحدّ فيه.
وقوله: ((وما أنت أعلم به منِّي)) أي: من ذُنوبي وإسرافي في أموري، وغير ذلك ممّا قد أكونُ قد نَسِيته، أو اقترفته دون أن أدري أنّ ذلك ذنبًا ومعصية.

12.2 وضع اليمين على الشمال، والاستفتاح بين التكبير والقراءة


وقوله صلى الله عليه و سلم : ((أنت المقدِّم وأنت المؤخِّر)) قال البيهقي: قدّم الله عز و جل من شاء بالتّوفيق إلى مقامات السّابقين، وأخّر من شاء عن مراتبهم. وقيل: قدّم من أحبّ من أوليائه على غيرهم من عَبِيده، وأخّر من أبعدَ عن غيره؛ فلا مُقدِّم لما أخَّر، ولا مؤخِّر لما قَدّم.
وقد يكون المعنى: أنّك أنت القادرُ على ما أطْلب منكَ، فلا يستطيع أحدٌ أنْ يُقدِّم أو يُؤخِّر إلّا أنت سبحانك.
وقوله صلى الله عليه و سلم : ((لا إله إلّا أنت)) أي: ليس لنا معبود نَتَذلّل له ونتضرّع إليه في غُفران ذُنوبنا إلّا أنت.‌ هذا، والحديث يدلّ على مشروعية الاستفتاح بما في هذا الحديث.
قال النّووي: إلّا أنْ يكون إمامًا لِقَوْم لا يَروْن التّطويل؛ وفي هذا القول نَظَر، لأنّ الحديث ليس فيه تطويلٌ في الاستفتاح. وفيه: استحباب الذِّكر في الرّكوع، والسّجود، والاعتدال، والدّعاء قبل السّلام.
وفيه: الدّعاء في الصّلاة بغير القرآن كما قُلنا، والرّد على المانِعِين من ذلك وهم الحنفيّة والهادويّة. والله تعالى أعلم.