12.1 افتراض افتتاح الصلاة بالتكبير، ورفع اليدين وصفته ومواضعه


أ. باب: افتراض افتتاحها بالتّكبير:

1 - حديث علي:
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: عن علي بن أبي طالب > عن النّبي صلى الله عليه و سلم قال: ((مِفْتاح الصّلاة الطّهور، وَتحْريمها التّكبير، وَتَحْليلها التّسليم)) . رواه الخمسة. -أي: أصحاب "السّنن" الأربع، وأحمد إلّا النّسائي، وقال التّرمذي: "هذا أصحّ شَيْء في هذا الباب وأحسن".
والحديث أخرجه أيضًا: الشّافعي، والبزار, والحاكم وصحّحه, وابن السّكن في "صحيحه"، من حديث عبد الله بن محمّد بن عَقِيل, عن ابن الحنفيّة، عن أبيه علي بن أبي طالب >.
قال البزّار: "لا نَعْلمه عن عليّ إلّا من هذا الوجه". وقال أبو نَُعيْم: "تَفرّد به ابن عقيل". وقال العقيلي: "في إسناده لِين من أجْل تَضْعيف عبد الله بن محمّد بن عقيل". وقال- أي: العُقيْلي: "وهو أصحّ من حديث جابرٍ الآتي". وعَكَس ذلك ابن العربي فقال: "حديث جابرٍ أصحّ شيء في هذا الباب".
قال الشّوكاني: والعقيلي أقْعَد مِنْه, أيْ: من ابن العربي بِمَعْرفة الفنّ. يعني: رجّح كلام العقيلي بأنّ في إسناده لِين، ولكنّه أصحّ من حديث جابر.

12.1 افتراض افتتاح الصلاة بالتكبير، ورفع اليدين وصفته ومواضعه


وقال ابن حبّان: "هذا حَديث لا يصحّ، لأنّ له طريقيْن: إحداهما عن علي وفيه: ابن عقيل، وهو ضَعِيف، وهو هذا الذي مَعَنا. والثّانية عن أبي نَضْرة عن أبي سعيد، تفرّد به أبو سفيان عنه". وفي الباب عن جابر، عند أحمد، والبزار، والتّرمذي، والطّبراني، وهو الذي أشار إليه الشّوكاني وابن العربي، وفي إسناده: أبو يَحْيى القتّات وهو ضَعِيف. وقال ابن عديٍّ: "أحاديثه عِنْدي حِسَان." -يعني: مُختلفٌ فيه.
وعن أبي سَعِيد وفي الباب أيضًا -يعني: عن أبي سعيد. عند التّرمذي وابن ماجه, وفي إسناده: أبو سفيان طَرِيف بن شِهاب، وهو ضعيف. ورواه الحاكم عن سعيد بن مَسْروق الثّوري، عن أبي سَعِيد، وهو مَعْلُول.
وقال الحافظ: وفي الباب أيضًا: عن عبد الله بن زيد عند الطّبراني، وفي إسناده الواقدي.
وبهذا يُشير الحافظ إلى أنّ الواقدي مشهور عنه أنّه متروك. وعن ابن عبّاسٍ عند الطّبراني أيضًا، وفي إسناده نافع بن هُرمز، وهو متروك. وعن أنسٍ عند ابن عديّ، وفي إسناده أيضًا نافع بن هُرمز، وعن عبد الله بن مسعود عند أبي نُعيْم، قال الحافظ: "وإسناده صَحِيح، وهو مَوْقوف".
وعن عائشة عند مسلم وغيره، بلفظ: ((كان صلى الله عليه و سلم يَفْتتح الصّلاة بالتّكبير, والقراءة بالحمد لله رب العالمين)) الحديث. وآخِرُه: ((وكان يَخْتِم الصّلاة بالتّسليم)) .
وروى الحديث الدارقطني من حديث أبي إسحاق, والبيهقي من حديث شُعبة، وهذه الطّرق يقوِّي بعضُها بعضًا، فيصلُح الحديث للْاحْتجاج به حتّى على رَأي مَنْ يُسيء الظنّ في عبد الله بن عَقِيل.‌

12.1 افتراض افتتاح الصلاة بالتكبير، ورفع اليدين وصفته ومواضعه


وقوله: ((مِفْتاح الصّلاة)) مِفْتاح -بِكَسْر الميم- والمراد: أنّه أوّل شيء يُفْتتح به من أعمال الصّلاة؛ لأنّه شَرْط من شُروطها.
وقوله: ((الطُّهور)) -بِضَمِّ الطاء- وفي رواية: ((الْوُضُوء مِفْتاح الصّلاة)) . والمراد بـ ((الطُّهور)) أي: الوضوء، فَهُما كأنّهما شيء واحد.
وقوله: ((وتحريمها: التّكبير)) فيه دَليل على أنّ افْتِتاح الصّلاة لا يكون إلّا بالتّكبير دون غيره من الأذكار، وإليه ذَهَب الجمهور.
قال الإمام الشّافعي رحمه الله في كتابه "الأمّ"، بعد أنْ رَوَى هذا الحديث من طَرِيق سُفيان بن سعيد الثّوري، عن عبد الله بن محمّد بن عقيل... إلى آَخِره. قال: فَمَن أحْسَنَ التّكبير، لم يَكُن داخلًا في الصّلاة إلّا بالتّكبير نفسه. والتّكبير: "الله أكبر" ولا يكون داخلًا بغير التّكبير نفسه، ولو قال: "الله الكبير"، "الله العظيم"، أو "الله الجليل"، أو "الحمد لله"، أو "سُبْحان الله"، أو ما ذَكَر اللهَ به، لم يَكُن داخلًا في الصّلاة, إلّا بالتّكبير نَفْسه وهو: "الله أكبر".
قال الإمام الشّافعي، مُبَيِّنًا ما عليه الجمهور من أنّه لا تُفْتتح الصّلاة ولا يكون افتتاحها إلّا بالتّكبير دون غيره من الأذكار، قال: فمن أحسنَ التّكبير لم يكن داخلًا في الصّلاة إلا بالتّكبير نفسه، والتّكبير: "الله أكبر" ولا يكون داخلًا بغير التّكبير نفسه. ولو قال: "الله الكبير"، "الله العظيم"، أو "الله الجليل"، أو "الحمد لله"، أو "سبحان الله"، أو ما ذَكَر اللهَ به، لم يكن داخلًا في الصّلاة إلّا بالتّكبير نفسه وهو: "الله أكبر".
ولو قال: "الله أكْبر مِنْ كلّ شيء وأعْظم"، أو "الله أكْبر كَبِيرًا"، فقد كَبّر وزاد شيئًا، فهو داخل في الصّلاة بالتّكبير، والزّيادة نافلة. وكذلك إنْ قال: "الله الأكبر وهو الكبير"، وزيادة الألف واللّام لا تُحيل معنى التّكبير.

12.1 افتراض افتتاح الصلاة بالتكبير، ورفع اليدين وصفته ومواضعه


قال الإمام الشّافعي: ومَن لّم يُحسن التّكبير بالعربية، كبّر بلسانه ما كان وأجزأه، وعليه أنْ يتعلّم التّكبير والقرآن والتّشهد بالعربية. فإنْ علِم، لم تُجزه صلاته إلّا بأنْ يأتيَ به بالعربية. ثمّ قال: ولو أنّ رجلًا عَرَف العربية وألسنةً سِواها, فَأتَى بالتّكبير نَفْسه بغير العربية، لم يَكُن داخلًا في الصّلاة, وإنّما يُجزيه التّكبير بلسانه ما لم يُحْسنه بالعربية. فإذا أحْسنَها لم يُجزه التّكبير إلّا بالعربية. وهكذا فصّل الإمام الشّافعي رَأيْ الجُمهور، وهو: أنّه لا يكون افتتاح الصّلاة إلّا بالتّكبير دون غيره من الأذكار.
وقال أبو حنيفة: "تَنْعقد الصّلاة بكلّ لَفْظ قُصِد به التّعظيم". قال الشّوكاني: والحديث يردّ عليه، لأنّ الإضافة في قوله: ((تَحْريمها)) تَقْتضي الحصر؛ فكأنّه قال: جَميع تحريمها التّكبير، أي: انْحَصرت صِحّة تَحْريمها في التّكبير لا تَحْريم لها غيره، كقولهم: "مالُ فلانٍ الإبل"، و"عِلْم فلانٍ النّحو"، فكذلك تَحْريم الصّلاة التّكبير، أي: لا تَحْريم لها غَيْره؛ فهو أسلوب قَصْر.
وفي الباب أحاديث كَثِيرة تدلّ على تعيُّن لفظ التّكبير, كَما ذَهَب إلى ذلك الجمهور من قوله صلى الله عليه و سلم وفعْله؛ وعلى هذا فالحديث يدلّ على وُجُوب التّكبير.
وقد اختُلف في حُكمه؛ فقال الحافظ: "إنّه رُكْن عند الجمهور، وشرطٌ عند الحنفيّة، وسنّة عند الزّهري." قال ابن المنذر: "ولم يَقُل به أحد غيره بالسّنية غير الزّهري".
ورُوي عن سعيد بن المسيّب والأوزاعي ومالك -يعني: أنّهم قالوا بالسّنية-

12.1 افتراض افتتاح الصلاة بالتكبير، ورفع اليدين وصفته ومواضعه


ولم يَثْبت عن أحد منهم تصريحًا، وإنّما قالوا فِيمن أدرك الإمام راكعًا: "يُجزيه تَكْبيرة الرّكوع".
قال الحافظ: "نعَم، نَقَله الكَرْخي من الحنفيّة عن ابن عُليّة, وأبي بَكر الأصمّ، ومخالفتهما للجمهور كثيرة" -أي: فلا يعتدّ بهذه المُخالفة.‌
وذَهَب إلى الوجوب: جماعة من السّلف، قال في "البحر": إنّه فَرْض إلّا عن الزّهريّ، ويدلّ على وُجوبه ما في حديث المُسيء عند مسلم وغيره من حديثِ أبي هريرة، وحَدِيث الْمُسيء مَشْهور، وهو الذي دَخَل فسلّم على رسول الله صلى الله عليه و سلم ثمّ ذَهَب فَصلّى صلاةً سريعة, ثمّ جاء إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال له: ((ارْجِع فصلِّ فإنّك لم تُصلِّ)) . حتّى ذَهَب مرّة وأخْرى, ثمّ علّمه رسول الله صلى الله عليه و سلم كَيْف يُحْسن الصّلاة. فَفِي هذا الحديث: ((فإذا قُمت إلى الصّلاة فَأسْبغ الوضوء, ثمّ اسْتَقْبل القبلة فكبِّرْ)) . فهذا يدلّ على الوجوب.
وعند الجماعة من حَدِيثه -يعني من حديث المُسيء- بلفظ: ((إذا قُمت إلى الصّلاة فكبِّر)) ، وقد تَقرّر أنّ حديث المُسيء هو المَرْجع في مَعْرفة واجبات الصّلاة، وأنّ كلّ ما هو مَذْكور فيه واجب، وما خَرَج عنه وَقامت أدلَّة على وُجوبه فَفِيه خِلافٌ سَنَذْكُره -إنْ شاء الله عز و جل- في شَرْحه في الْمَوضع الذي سَيَذْكره فيه المصنّف ابن تيمية رحمه الله.
ويدلّ للشّرطية التي قال بها الحنفيّة: حديث رفاعة في قصّة المُسيء صَلاته عند أبي داود بلفظ: ((لا تتمُّ صلاةُ أحدٍ من النّاس حتّى يتوضّأ فَيَضع الوضوء مَواضعه، ثمّ يكبِّر)) . ورواه الطّبراني بلفظ: ((ثمّ يقول: "الله أكبر")) . والاستدلال بهذا على الشّرْطية صَحِيح, إنْ كان نَفْي التّمام يَسْتلزم نَفْيَ الصّحة وهو الظّاهر. يعني لمّا قال: ((لا تتمُّ صلاة أحدٍ من النّاس)) . أي: لا تتمّ صَحِيحة، وهو الظّاهر لأنّا مُتعبّدون بصلاةٍ لا نُقْصان فيها، فالنّاقصة غير صَحِيحة.‌

12.1 افتراض افتتاح الصلاة بالتكبير، ورفع اليدين وصفته ومواضعه


حديث رفاعة في قصّة المسيء صلاته عند أبي داود بلفظ: ((لا تتِمُّ صلاة أحدٍ من النّاس حتّى يتوضّأ فيضع الوضوء مواضعه، ثمّ يكبِّر)) . ورواه الطّبراني بلفظ: ((ثمّ يقول: الله أكبر)) . والاستدلال بهذا على الشّرطية صَحِيح, إنْ كان نَفْي التّمام يَسْتلزم نَفْي الصِّحة، وهو الظّاهر، لأنّا مُتعبّدون بصلاةٍ لا نُقْصان فيها فالنّاقصة غَيْر صَحِيحة، ومن ادّعى صِحّتها مع هذا فَعَليْه البيان.
وقد جَعَل صاحب (ضَوْء النّهار) نَفْي التّمام هُنا هو نَفْي الكمال بِعَيْنه، يعني: ((لا تتمّ صلاة أحَدٍ من النّاس)) يعني: لا تكون كاملة؛ فَهُنا نَفْي الكمال لا نَفْي الصِّحة؛ فهي صحيحة لكنّها غير كاملة. واستَدلّ على ذلك بقوله صلى الله عليه و سلم في حديث المسيء: ((فإن انْتَقصْت من ذلك شيئًا، فقد انْتَقصْت من صلاتك)) . وأنت خَبِير بأنّ هذا من محلِّ النّزاع أيضًا؛ لأنّه يُمكن أنْ يكون هذا الانتقاص من الصّلاة معناه عَدَم صِحّتها.
قال الشّوكاني: لأنّا نَقُول الانتقاص يَسْتلزم عَدَم الصّحة، لذلك الدّليل الذي أسلفناه قبل ذلك، ولا نُسلِّم أنّ تَرْك مندوبات الصّلاة، ومَسْنُوناتها انتقاص منها؛ لأنّها أمورٌ خارجة عن ماهية الصّلاة -يعني: عن أساسيات الصّلاة- فلا يَرِد الإلزام بها، وَكْونها تَزيد في الثّواب لا يَسْتلزم أنّها منها، كَما أنّ الثّياب الحَسَنة تَزيد في جَمال الذّات وليست منها، نَعَم وَقَع في بعض روايات الحديث بلفظ أنّه لمّا قال صلى الله عليه و سلم: ((فإنّك لم تُصلَّ)) كبُر على النّاسِ أنّه مَنْ أخَفّ صلاته لم يُصلّ، حتّى قال صلى الله عليه و سلم: ((فإن انْتَقصْت من ذلك شيئًا، فقد انْتَقصْت من

12.1 افتراض افتتاح الصلاة بالتكبير، ورفع اليدين وصفته ومواضعه


صلاتك)) ، فكانَ أهْوَن عليهم. فَكَوْن هذه المقالة كانت أهْوَن عليهم, يدلّ على أنّ نَفْي التّمام المذكور بمعنى نَفْي الكمال، إذْ لو كان بمعنى نَفْي الصّحة لم يَكُن فَرْقٌ بين المقالتيْن، وإنّما كانت هذه أهْوََن عليهم.
قال الإمام الشّوكاني مُعقِّبًا على هذا: ولا يَخْفاك أنّ الحجّة في الذي جاءنا عن الشّارع من قوله وفعله وتقريره، لا في فَهْم بَعْض الصّحابة؛ فالحجّة فيما جاء عن الرّسول صلى الله عليه و سلم لا ما جاء عن فَهْمٍ مِن الصّحابة للنّصوص.
قال الإمام الشّوكاني: ولو سلّمنا أنّ فَهْمهم حُجّة لكونهم أعرف بمقاصد الشّارع, فَنَحْن نقول بموجب ما فَهِموه، ونُسلِّم أنّ بيْن الحالتيْن تفاوتًا -يعني: بين نَفْي الصّحة ونَفْي الكمال- ولكنّ ذلك التّفاوت من جِهَة أنّ من أتى ببعض واجبات الصّلاة فقد فَعَل خيرًا من قيامٍ وذِكْرٍ وتلاوة، وإنّما يُؤْمر بالإعادة لِدَفْع عُقوبة ما تَرَك، وتَرْك الواجب سَبَبُ للعقاب. فإذا كان يُعاقَب بِسَبب تَرْك البعض، لَزِمَه أنْ يَفْعله إنْ أمْكنَ ففعله وَحْده، وإلّا فَعَله مع غيره، والصّلاة لا يُمكن فِعْل المتروك منها إلّا بِفِعْل جَمِيعها.
قال الإمام الشّوكاني: وقد أجاب بمعنى هذا الجواب: الحافظ ابن تيمية حَفِيد المصنِّف، وهو حَسَن. ثمّ إنّا نقول: غاية ما يَنْتهض له دَعْوى من قال: إنّ نَفْي التّمام بمعنى نَفْي الكمال هو عَدَم الشّرطية لا عَدَم الوجوب، فَيَبْقى أنّ التّكبير واجب، لأنّ المجيء بالصّلاة تامّة كاملة واجب.
وما أحْسَن ما قاله ابن تيميه في المقام, ولفظه: ومن قال من الفقهاء: إنّ هذا لِنَفْي الكمال، قِيل: إنْ أرَدْت الكمال الْمُستحبّ فهذا باطل لِوجْهيْن -يعني في قوله: ((فإن انْتقصْت منها انْتقصْت من صلاتك)) - فَهذا باطل من وَجْهيْن:

12.1 افتراض افتتاح الصلاة بالتكبير، ورفع اليدين وصفته ومواضعه


أحدهما: أنّ هذا لا يُوجد قَط في لَفْظ الشّارع, أنّه يَنْفي عملًا فَعَله العبد على الوجه الذي وَجَب عليه, ثمّ يَنْفيه لِترْك المُستحبّات؛ بل الشّارع لا يَنْفي عَملًا إلّا إذا لم يَفْعله العبد كَما وَجَب عليه.
والثّاني: لَوْ نَفَى لِتَرْك مُستحبٍّ، لكان عامّة النّاس لا صلاة لهم ولا صيام؛ فإنّ الكمال المُستحبّ مُتفاوت، وكثير من النّاس يَقَع في التّفريط في مثل هذا المُستحب؛ إذْ كلّ من لّم يُكملها كَتَكْميل رَسول الله صلى الله عليه و سلم يُقال: لا صلاة له.
ونَخْلص من كلّ هذا الذي ذَكَرناه: أنّ التّكبير في أوّل الصّلاة شرطٌ من شُروط الصّلاة, أو واجب من واجباتها لا تصحّ إلّا به, وأنّ قوله في حَدِيث الْمُسيء صلاته: ((فإنِ انْتَقَصت من ذلك فَقَد انْتَقصْت من صَلاتك)) ، أيْ: انْتقَصْت من واجباتها. والله تعالى أعلم.
وقوله: ((وتَحْليلُها التّسليم)) سيأتي -إنْ شاء الله تعالى- الكلام عليه في باب كَوْن السّلام فَرْضًا.

حديث مالك بن الحوَيرث:
. قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: وعن مالك بن الحوَيرث: أنّ النّبي صلى الله عليه و سلم قال: ((صَلّوا كما رَأيْتُموني أصلّي)) . رواه أحمد والبخاري. وقد صحّ عنه: ((أنّه كان يَفْتتح بالتّكبير)) .‌

12.1 افتراض افتتاح الصلاة بالتكبير، ورفع اليدين وصفته ومواضعه


فالحديث يدلّ على وُجوب جميع ما ثَبَت عنه صلى الله عليه و سلم في الصّلاة من الأقوال والأفعال. ويُؤكِّد الوجوب: كَوْنُها بيانٌ لِمُجمل قوله تعالى(( وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ )) [الأنعام:72].
وهو أمْرٌ قُرْآني يُفِيد الوُجوب. وبيان المُجمل الواجب كَما في هذه الآية مع الحديث واجب، كما تَقَرّر في الأصول.
إلّا أنّه ثَبَت أنّه صلى الله عليه و سلم اقْتَصر في تَعْليم الْمُسيء صلاته على بعض ما كان يفعله ويُداومُ عليه، فَعَلِمْنا بذلك أنّه لا وُجوب لِما خَرَج من الأقوال والأفعال عنه، لأنّ تَأخِير البيان عن وقْت الحاجة لا يجوز. يعني: فما ذَكَره في حديث المُسيء صلاته فهو الواجب, وما خَرَج عنه من الأقوال والأفعال غير واجبٍ، لأنّ تأخير البيان عن وَقْت الحاجة لا يجوز، كما تقرّر في الأصول بالإجماع.
ولوْ قُلنا: إنّ هُناك من أمور الصّلاة ما هو واجبٌ, ولم يَكُن في تَعْليم الْمُسيء صلاته، فَمعْنى ذلك: أنّ رسول الله صلى الله عليه و سلم قد أخّر بيانه عن وَقْت الحاجة إليه في تعليمه لهذا الذي أساء صلاته؛ وهذا لا يجوز كما تقرّر في الأصول بالإجماع كما ذَكَرْنا.
وَوَقَع الخِلاف إذا جاءت صيغة أمرٍ بشيءٍ لم يُذكر في حديث المسيء، فمنهم من قال: يكون قَرينةً بِصَرف الصّيغة إلى النّدب, كما قُلنا إنّه لا يُؤخّر البيان عن وقت الحاجة إذا كان هذا الذي تَرَكه واجبًا. ومنهم من قال: تَبْقى الصّيغة على الظّاهر الذي تدلّ عليه -يعني: ما جاء من الواجبات خارجًا عن حديث الْمُسيء صلاته.
قال بعضهم: تَبْقى الصّيغة على الظّاهر، تدلّ على الوجوب, وتُعتبر زائدة على الواجبات المذكورة في حديث المُسيء صلاته، ويُؤْخَذ بالزّائد. فالزّائد قال الإمام الشوكاني: وسيأتي تَرْجيح ما هو الحق عند الكلام على الحديث -إن شاء اللهعز و جل.

12.1 افتراض افتتاح الصلاة بالتكبير، ورفع اليدين وصفته ومواضعه


باب: رفع اليديْن، وبيان صفته ومواضعه:
حديث ابن عمر: ‌
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: عن ابن عُمر قال: ((كان النبي صلى الله عليه و سلم إذا قام إلى الصّلاة رَفَع يديْه حتّى يَكُونا بحذو منكبيْه، ثمّ يكبِّر. فإذا أراد أن يركعَ رفعهما مثل ذلك. وإذا رَفع رأسه من الرّكوع رفعهما كذلك أيضًا, وقال: سَمِع الله لِمَن حَمِده ربّنا ولك الحمد)) . متّفق عليه.
وللبخاري: ((ولا يَفْعل ذلك حِين يَسْجد، ولا حِين يَرْفع رأسه من السّجود)) .
ولمسلم: ((ولا يَفْعلُه حِين يَرْفع رأسه من السّجود)) . وله أيضًا: ((ولا يَرْفعهما بين السّجدتيْن)) .
الحديث أخرجه البيهقي بزيادة: ((فما زالت تلك صلاته صلى الله عليه و سلم حتّى لَقِي الله تعالى)) .‌
قال ابن المديني: هذا الحديث عِنْدي حُجّةٌ على الخَلْق، كلُّ من سَمِعه فعليه أنْ يعمل به؛ لأنّه ليس في إسناده شيء -يعني: ليس في إسناده ما يتَكَلَّم فيه من جِهَة ضَعْفه- وإنّما هو صَحِيح. وقد صنّف البخاري في هذه المسألة جُزءًا مُفردًا معروفًا ومشهورًا، وحَكَى فيه عن الحسَن وحُميْد بن هلال: أنّ الصّحابة كانوا يفعلون ذلك -يعني: الرّفع في الثّلاثة المواطن- ولم يَسْتثن الحسن أحدًا.
وقال ابن عبد البر: كلّ من رُوي عنه تَرْك الرّفع في الرّكوع والرّفع منه، رُوي عنه فِعْله، إلّا ابن مسعود.

12.1 افتراض افتتاح الصلاة بالتكبير، ورفع اليدين وصفته ومواضعه


وقال محمّد بن نَصَر المروزي: "أجمع عُلماء الأمصار على مَشْروعيّة ذلك، إلّا أهل الكوفة". وقال ابن عبد الحكم: "لم يرو أحدٌ عن مالكٍ تَرْك الرّفع فيهما إلّا ابن القاسم، والذي نأخذ به: الرّفع، على حديث ابن عُمر".
إذا كان ابن القاسم هو الذي رَوَى عن مالكٍ تَرْك الرّفع، فقال ابن عبد الحكم لم يَرْو أحدٌ عن مالكٍ إلّا هو، فالذي رواه ابن وهبٍ وغيره عن مالك، ولم يَحْك التّرمذي عن مالكٍ غيره هو: الرّفع. ونَقَل الخطّابي، وتبِعه القرطبي في (المُفْهم في شَرْح تلخيص مسلم): أنّه آخِرُ قول مالكٍ. وإلى الرّفع في الثّلاثة المواطن ذَهب الشّافعي وأحمد وجمهور العلماء من الصّحابة فَمَن بعدهم. ورُوي عن مالكٍ والشّافعي قولُ: أنّه يُستحبّ رَفْعهما في موضعٍ رابع, وهو: إذا قام من التّشهد الأوسط.
قال النّووي: وهذا القول هو الصّواب، فَقَدْ صَحّ في حديث ابن عمر عن: ((النّبي صلى الله عليه و سلم أنّه كان يفعله)) ، رواه البخاري. وصحّ أيضًا من حديث أبي حُميد السّاعديّ، ورواه أبو داود والتّرمذيّ بأسانيد صحيحة، وسيأتي ذلك. وقال أبو حنيفة وأصحابه وجماعة من أهل الكوفة: لا يستحبُّ في غير تكبيرة الإحرام. قال النّووي: وهو أشهر الرّوايات عن مالك.
واحتجّوا على ذلك بحديث البراء بن عازب، عن أبي داود والدارقطني, بلفظ: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا افتتح الصّلاة رَفَع يديْه إلى قريبٍ من أُذنيْه، ثمّ لم يَعُد)) . وهو من رواية يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرّحمن بن أبي لَيْلى عنه. وقد اتّفق الحفاظ أنّ قوله: ((ثمّ لم يَعُد)) مُدرجٌ في الخبر من قول يزيد بن أبي زياد -أي: ليس من الحديث-. وإنّما ساقه يزيد بن أبي زياد على هذا القول كتفْسيرٍ للحديث -أي: لم يَعُد إلى الرّفع بعد تكبيرة الإحرام.

12.1 افتراض افتتاح الصلاة بالتكبير، ورفع اليدين وصفته ومواضعه


وقد رواه بدون هذه الزّيادة: شعبة، والثّوري، وخالد الطحّان, وزُهير، وغيرهم من الحفّاظ. وقال الحميدي: إنّما رَوَى هذه الزّيادة يزيد، ويزيد يزيد، -يعني: يزيد في بعض الأحاديث- أي: يُدرِج كما هُنا، على هذا الرّأي.
وقال أحمد بن حنبل: "لا يصحّ" -يعني: لا يَصِحّ هذا الحديث، لهذه الزّيادة التي أُدرجت فيه، وجُعلت من الحديث. وكذا ضعّفه البخاري، وأحمد، وَيحْيى، والدّارمي، والْحُميدي، وغير واحد...
قال يَحْيى بن محمّد بن يَحْيَى: سَمِعْت أحمد بن حنبل يقول: هذا حديث واهٍ. وكان يزيد يُحدِّث به بُرهة من دَهْره لا يقول فيه هذه الزّيادة المدرجة -لا يقول فيه: ((ثمّ لا يعود)) - فلمّا لقّنوه -يعني: أهل الكوفة- تَلقَّن, وكان يَذْكرها. أيْ: لقّنوه هذه الزّيادة عبارة: ((ثمّ لا يعود)) . -يعني: قالوا له: إنّ هذه الزّيادة من الحديث، فاعتقد أنّها من الحديث- فكان يَذْكرها في روايته، وهذا يكون دليلًا على عَدَم تثبُّت الرّاوي.
وهكذا قال علي بن عاصم: إنّه تلقّن هذه الزّيادة. وقال البيهقي: "اخْتُلِف فيه على عبد الرّحمن بن أبي ليلى" -يعني: اخْتَلفت الرّواية عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى. وقال البزار: "قوله في الحديث: ((ثمّ لم يَعُد)) لا يصحّ". وقال ابن حزم: "إنْ صحّ قوله: ((لا يعود)) ، دلّ على أنّه صلى الله عليه و سلم فَعَل ذلك لبيان الجواز، فلا تعارض بيْنه وبين حديث ابن عمر وغيره". -يعني: فَعَل ذلك, وَفَعَل ذلك، لبيان أنّ هذا جائز, وهذا جائز.
واحْتجّوا أيضًا -الذين يقولون بأنّه لا يُستحبّ الرّفع في غير تكبيرة الإحرام- احتجّوا أيضًا: بما رُوي عن عبد الله بن مسعود من طَريق عاصم بن كُليب, عن عبد الرّحمن بن الأسود, عن علقمة عند أحمد، وأبي داود، والتّرمذيّ, أنّه قال: "لأُصلِّينّ لكم صلاةَ رسول الله صلى الله عليه و سلم.

12.1 افتراض افتتاح الصلاة بالتكبير، ورفع اليدين وصفته ومواضعه


فَصلّى فلم يَرْفع يَديْه إلّا مرّة واحدة". -يعني: في تكبيرة الإحرام- ورواه ابن عدي والدّراقطني والبيهقي من حَدِيث محمّد بن جابر, عن حمّاد عن إبراهيم عن عَلْقمة, عنه بلفظ: ((صلّيْت مع النّبي صلى الله عليه و سلم وأبي بكر وعمر, فَلَمْ يَرْفعوا أيْديَهم إلّا عند الاستفتاح)) . وهذا الحديث حَسّنه التّرمذي، وصحّحه ابن حزم.
ولكنّه عارضَ هذا التّحسين من الترمذيّ والتّصحيح من ابن حزم, قولُ ابن المبارك: "لم يثبت عندي"، وقول ابن أبي حاتم: "هذا حَدِيث خَطأ".
جـ. باب: رِفْع اليديْن:
حديث ابن عمر:
حديث ابن عمر >: قال: ((كان النّبي صلى الله عليه و سلم: إذا قام إلى الصّلاة رَفَع يديْه حتّى يكونا بِحَذْو منكبيْه، ثمّ يكبِّر. فإذا أراد أنْ يَرْكع رَفَعهُما مِثْل ذلك. وإذا رَفَع رأسه من الرّكوع رَفَعهُما كذلك أيضًا, وقال: سَمَع الله لِمَنْ حَمِده، ربّنا ولك الحمد)) . متّفق عليه.
وللبخاري: ((ولا يَفْعل ذلك حِين يَسْجُد, ولا حِين يَرْفع رأسه من السّجود)) .
ولمسلم: ((ولا يَفْعله حِين يَرْفع رأسه من السّجود)) .
وله أيضًا: ((ولا يَرْفعهما بَيْن السّجدتيْن)) .‌
وبيّنا: أنّ رَأْيَ الجمهور: أنّه يُستحب الرّفع في هذه الأماكن.

12.1 افتراض افتتاح الصلاة بالتكبير، ورفع اليدين وصفته ومواضعه


ورُوي عن مالكٍ والشّافعي قولُ: أنّه يُستحبّ رَفْعهما في مَوْضعٍ رابع, وهو: إذا قام من التّشهد الأوسط.
قال النّووي: وهذا القول هو الصّواب؛ فَقد صَحّ في حديث ابن عُمر عن النّبي صلى الله عليه و سلم أنّه كان يَفْعله. رواه البخاري.
وَذَهَب جماعة من أهل الكوفة "إنّه لا يُستحبُّ في غير تَكْبيرة الإحرام". قال النّووي: "وهو أشهر الرّوايات عن مالك".
واحتجّوا على ذلك بحديث البراء بن عازب عن أبي داود, بلفظ: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا افْتَتَح الصّلاة رَفَع يَديْه إلى قريبٍ من أذُنيْه، ثمّ لم يَعُد)) .
وبَيّنا تَضْعِيف العلماء لهذه الزّيادة: ((ثمّ لم يعُد)) .
واحْتجّوا أيضًا بحديث ابن مسعود: ((صَلّيْت مع النّبي صلى الله عليه و سلم وأبي بكر وعمر، فَلَمْ يَرْفعوا أيديهم إلّا عند الاسْتِفْتاح)) . وهذا الحديث حَسّنه التّرمذي، وصحّحه ابن حزم.
ولكنّه عارضَ هذا التّحسِين -من التّرمذيّ والتّصحيح من ابن حزم: قولُ ابن المبارك: "لم يَثْبت عندي". وقول ابن أبي حاتم: "هذا حديث خَطَأ"، وتضْعيف أحمد وشيْخه يحْيى بن آدَم له، وتَصْريح أبي داود بأنّه ليس بصحيح، وقول الدّارقطني إنّه لم يَثْبت.
وقول ابن حبّان: هذا أحسن خبرٍ رَوَى أهل الكوفة في نفْي رَفْع اليديْن في الصّلاة عند الرّكوع وعند الرّفع منه، وهو في الحقيقة أضْعف شَيْء يُعوّل عليه، لأنّ له عللًا تُبطله.

12.1 افتراض افتتاح الصلاة بالتكبير، ورفع اليدين وصفته ومواضعه


قال الحافظ: وهؤلاء الأئمّة إنّما طعنوا كلّهم في طريق عاصم بن كُليْب، وهو الحديث الذي ذَكرْناه من طريق عاصم بن كُليْب,عن عبد الرّحمن بن الأسود عن عَلْقمة, عند أحمد وأبي داود والتّرمذي, أنّه قال: ((لأصَلِّين لكم صلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم فَصَلّى فلم يَرْفع يَديْه إلّا مَرّة واحدة)).
فهؤلاء الأئِمّة: الدّارقطني وابن حبّان وأحمد وغيرهم طَعَنُوا في طريقِ عاصم بن كُليب. أما طريق محمّد بن جابر الذي ذكرناه عن حمّاد عن إبراهيم، عن علقمة, عن ابن مسعود بلفظ: "صلّيت مع النّبي صلى الله عليه و سلم وأبي بكرٍ وعمر, فلمْ يرفعوا أيديهم إلّا عند الاستفتاح"، هذه الطّريق ذكرها ابن الجوزي على الرّغم من أنّ التّرمذي حسَّنه وصحّحه ابن حزم.
وقُلنا: عارض هذا التّحسين والتّصحيح: ابن المبارك وابن أبي حاتم. ابن المبارك قال: "لم يَثْبت عندي". وابن أبي حاتم قال: "هذا حديث خطأ". وضعّفه أحمد وشيْخُه يَحْيى بن آدم كما ذَكَرْنا. هذا الطّريق: طريق محمّد بن جابر، ذكرها ابن الجوزي في (الموضوعات), وقال عن أحمد, محمّد بن جابر لا شيء، ولا يُحدِّث عنه إلّا من هو شرٌّ منه.
واحتجّ أبو حنيفة وبعض أهل الكوفة أيضًا بما رُوي عن ابن عمر عند البيهقي في "الخلافيّات" بلفظ: "كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يرفع يديْه إذا افتتح الصّلاة، ثمّ لا يعود". قال الحافظ: "وهو مَقْلوب موضوع".
واحتجّوا أيضًا بما رُوي عن ابن عبّاس أنّه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يَرْفع يَديْه كُلّما رَكَع وكلّما رَفَع. ثُمّ صار إلى افتتاح الصّلاة، وتَرَك ما سِوَى ذلك". حكاه ابن الجوزي وقال: "لا أصل له ولا أعرف من رواه، والصّحيح عن ابن عبّاسٍ خِلافه".

12.1 افتراض افتتاح الصلاة بالتكبير، ورفع اليدين وصفته ومواضعه


وَرَووْا نَحْو ذلك عن ابن الزّبير، قال ابن الجوزي: "لا أصل له ولا أعرف من رواه، والصّحيح عن ابن الزّبير خِلافه".
قال ابن الجوزي: "وما أبلد من يَحتجُّ بهذه الأحاديث التي تَتَعارض مع الأحاديث الثّابتة"، هذا معنى كلامه، انتهى.‌
ولا يَخْفَى على الْمُنْصف: أنّ هذه الحُجج التي أوردوها، منها ما هو مُتّفَق على ضَعْفه, وهو ما عَدَا حديث ابن مسعود منها كما بيَّناّ، ومنها ما هو مُختلف فيه، وهو حديث ابن مسعود، لِما قدّمنا من تَحْسين التّرمذي وَتصْحيح ابن حزم له.
قُلنا: إنّ ما احتجّ به بعض أهل الكوفة من الأحاديث، على أنّه لا يُرفع اليدان في شيء من الصّلاة في غير تكبيرة الإحرام، كلُّها أو بعضها مُتَّفق على ضَعْفه، ما عدا حديث ابن مسعود الذي اختُلف فيه، فحسّنه التّرمذي وصححه ابن حزم. ولكن أين يَقَع هذا التّحسين والتّصحيح من قدْح أولئك الأئمة الأكابر فيه؟ غاية الأمر ونهايته: أن يكون ذلك الاختلاف مُوجِبًا لِسُقوط الاستدلال به.
ثمّ لو سَلّمنا صِحّة حديث ابن مسعود، ولم نَعْتبر بقدح أولئك الأئمّة فيه, فليس بينه وبين الأحاديث الْمُثبِتة للرّفع في الرّكوع والاعتدال منه تَعارض؛ لأنّها مُتضمِّنة للزّيادة التي لا مُنافاة بينها وبين المزيد، وهي مقبولة بالإجماع, لا سِيما وقد نقلها جماعة من الصّحابة واتّفق على إخراجها الجماعة.
وقبل أنْ نُكمل ما ذَكَره الشّوكاني في شَرْح هذا الحديث, نَقِف مع الإمام الشّافعي في مُناقشته لمن يُخالفونه, فيقولون: لا يُرفع اليدان إلّا في تَكْبيرة الإحرام.

12.1 افتراض افتتاح الصلاة بالتكبير، ورفع اليدين وصفته ومواضعه


قال: فخالفنا بعضُ النّاس فقال: إذا افتتح الصّلاة رَفَع حتّى يُحاذي أذنيْه, ثمّ لا يعود يَرْفعهما في شيء من الصّلاة. واحتجّ بحديث يزيد بن أبي زياد. ثمّ قال: أخبرنا ابن عيينة، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرّحمن بن أبي لَيْلَى، عن البراء بن عازب قال: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا افتتح الصّلاة رَفَع يَدَيْه)) . قال سفيان: "ثمّ قَدِمْت الكوفة فَلقَيْت يزيد بها، فسمعته يُحدِّث بهذا, وزاد فيه: ((ثمّ لم يَعُد)) . وأُراهم لقّنوه".
قال الشّافعي: وَذَهب سُفيان إلى تَغْليط يزيد في هذا الحديث، ويقول: كأنّه لُقِّن هذا الحرف الآخر فلقِنَه. ولم يَكُن سُفيان يَصِف يزيد بالحفظ لذلك.
قال الشّافعي: فَقُلت لبعض من يقول هذا القول: أحديث الزّهري عن سالم عن أبيه -يعني: الذي يُثبت الرّفع في هذه المواطن- أثْبَت عند أهل العلم بالحديث, أمْ حديث يزيد؟ فقال: بل حديث الزّهري وَحْده. فَقُلت: مع الزّهري أَحَد عَشَر رجلًا من أصحاب النّبي صلى الله عليه و سلم منهم أبو حميدٍ السّاعدي.
وحديث وائل بن حجر، كلُّها عن النّبي صلى الله عليه و سلم بما وَصَفْت، وثَلاثة عَشَر حديثًا غير حَدِيثنا -يعني: الذي هو عن سالم عن أبيه- أولى أنْ يَثْبت من حديث واحد. ومن أصلِ قَوْلنا وقولك -يعني: يقول لخصمه- ومن أصل قولنا وقولك: أنّه لو لم يَكُن مَعَنا إلّا حديثٌ واحدٌ ومعك حديثٌ يُكافئه في الصّحة فكان في حَدِيثك ألّا يعود لِرَفْع اليديْن، وفي حَدِيثنا يعود لِرفْع الْيديْن -يعني: بعد تكبيرة الإحرام- لكان حَدَيثُنا أولى أنْ نَزِيد به, لأنّ فيه زيادة حِفْظ ما لم يَحْفظ صاحب حَدِيثك.

12.1 افتراض افتتاح الصلاة بالتكبير، ورفع اليدين وصفته ومواضعه


فَكيْف صِرْتََ إلى حَدِيثك وَترَكْت حَدِيثَنا، والحجّة ما فيه علمك بهذا، وبأنّ إسناد حديثك ليس كإسناد حدِيثِنا -يعني: حتّى لم يَصِل إلى تَكافئٍ معه- وبأنّ إسناد حديثك ليس كإسناد حَدِيثِنا، وبأنّ أهل الحفظ يَرْوُون أنّ يزيد لُقِّن: ((ثمّ لا يعود)) -أي: لقِّن عبارة: ((ثمّ لا يعود)) ، فَتَلقّنها واعتبرها من الحديث؟ وهذا دليلٌ على عَدَم تَثبُّته في هذه الرِّواية.
ثمّ قال الإمام الشّافعي: أخبرنا سُفيان بن عُييْنة, عن الزُّهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه, قال: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا افْتََتَح الصّلاة يَرْفع يَديْه حتّى يُحاذِيَ مَنْكِبيْه، وإذا أراد أن يَرْكع، وبعدما يرفع. ولا يَرْفع بيْن السّجدتيْن)) .
قال الشّافعي: "وقد رَوَى هذا سِوَى ابن عُمر: اثْنا عَشَر رجلًا عن النّبي صلى الله عليه و سلم ".
قال الشّافعي رحمه الله: وبهذا نَقُول، فنأمرُ كلَّ مُصلٍّ إمامًا أو مأمومًا أو منفردًا، رجلًا أو امرأة, أنْ يَرْفع يَديْه إذا افْتَتح الصّلاة، وإذا كبّر للرّكوع، وإذا رَفَع رأسه من الرّكوع. ويكون رَفْعُه في كلّ واحدة من هذه الثّلاث حَذْو مَنْكبيْه. ويُثبت يديْه مرفوعتيْن حتّى يَفْرغ من التّكبير كلِّه. ويكون مَع افتتاح التّكبير، وردّ يديْه عن الرّفع مع انقضائه. ولا نَأمُره أنْ يَرْفع يَديْه في شيء من الذّكر في الصّلاة التي لها رُكوعٌ وسجود، إلّا في هذه المواضع الثّلاثة.
ثمّ قال: ويرفع يديه في كلّ تكبيرة على جنازة، خبرًا وقياسًا على أنّه تكبير وهو قائم، وفي كلِّ تكبير العِيديْن والاستسقاء لأنّ كلّ هذا تَكْبير وهو قائم. وكذلك يَرْفع يديه في التّكبير لِسُجود القرآن وسجود الشّكر؛ لأنّهما معًا تكبير افتتاح، وسواء في هذا كلِّه صلّى أو سَجَد وهو قائم أو قاعد أو مُضطجِع, يُومئ إيماءً في أنْ يَرْفع يديه لأنّ في ذلك كُلّه في موضع قيام.

12.1 افتراض افتتاح الصلاة بالتكبير، ورفع اليدين وصفته ومواضعه


ثمّ بيّن الإمام الشّافعي: أنّ هذا ليس فَرْضًا، فقال: وإنْ تَرَك رفع اليديْن في جَميع ما أمرتُه به، أو رفعهما حَيث لم آمره في فريضة أو نافلةٍ أو سجودٍ أو عيد أو جنازة، كَرِهْت ذلك له، ولم يَكُن عليه إعادة الصّلاة ولا سجودٌ لِسهْوٍ عَمد ذلك أو نَسِيَه أو جَهِله؛ لأنّه هَيْئة في العمل، وهكذا أقول في كلِّ هَيْئة في عملٍ تَرَكها. انتهى كلام الإمام الشّافعي.
هذا، وقد ساق الإمام الشّوكاني من الصّحابة مَن رَوَى رَفْع اليديْن، فقال: فمن جُملة من رواها: ابن عمر كما في حديث الباب، وعمر كما أخرجه البيهقي وابن أبي حاتم، وعلي وسيأتي، ووائل بن حجر عند أحمد وأبي داود والنّسائي وابن ماجه، ومالك بن الحويرث عند البخاري ومسلم، وأنس بن مالك عند ابن ماجه، وأبو هريرة عند ابن ماجه أيضًا وأبي داود، وأبو أُسَيْد وسهل بن سَعَدْ, ومحمّد بن مَسْلمة عند ابن ماجه، وأبو موسى الأشعري عند الدارقطني، وجابر عند ابن ماجه، وعُمير اللّيثي عند ابن ماجه أيضًا، وابن عبّاس عند ابن ماجه أيضًا، وله طَريق أخْرَى عند أبي داود. فَهؤلاء أربعة عَشَر من الصّحابة، ومعهم أبو حُميْد السّاعدي في عَشْرةٍ من الصّحابة, كما سيأتي حَدِيثه في وَصْف صلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: ذلك وعنده عَشْرة من الصّحابة صَدّقُوه وأقرُّوه على ما نَقَل عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في ذلك؛ فيكون الجميع خمسةً وعشرينَ أو اثْنيْن وعِشْرين.
وإن كان أبو أُسيْد وسهل بن سعد، ومحمّد بن مسلمة, من العشرة المشار إليهم في رواية أبي حُميْد كما في بعض الرّوايات، فَهل رأيت أعجب من مُعارضة رواية مثل هؤلاء الجماعة بمثل حديث ابن مسعود السّابق، مع طَعْن أكثر الأئمّة المعتبرين فيه، ومع وُجود مانعٍ عن القولِ بالمعارضة، وهو تَضَمَّن رواية الجمهور للزِّيادةِ كما تَقَدَّم!؟

12.1 افتراض افتتاح الصلاة بالتكبير، ورفع اليدين وصفته ومواضعه


وقوله في حديث الباب: ((حَتّى يكون بِحَذْو مَنْكبيْه)) . وهكذا في رواية عليّ وأبي حميد، وسيأتي ذِكرُهما. وإلى هذا ذَهَب الشّافعي والجمهور. وفي حديث مالك بن الحويرث الآتي: ((حتّى يُحاذي بهما أذنيْه)) . وعند أبي داود من رواية عاصم بن كُليب عن أبيه, عن وائل بن حُجر أنّه جَمَع بَيْنهما, فقال: ((حتّى يُحاذي بِظهْر كَفَّيْه المَنْكبيْن، وبأطراف أنامله الأذُنَيْن)) . وَيُؤيِّده رواية أخْرَى عن وائل عند أبي داود بلفظ: ((حتّى كانتا حِيال منْكبيْه، وحاذى بإبهامَيْه أذنيْه)) .
وأخرج الحاكم في (المستدرك) والدّارقطني من طريق عاصم الأحْوَل عن أنَسٍ, قال: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم كبَّر فَحَاذَى بإبهاميْه أذنيْه)) . ومن طريق حُميْد عن أنسٍ: ((كان إذا افْتَتَح الصّلاة كبَّر, ثمَّ رَفَع يَديْه حتّى يُحاذي بإبهامَيْه أذُنَيْه)) .
وأخرج أبو داود عن ابن عُمر أنّه: "كان يَرْفع يَديْه حَذْو مَنْكبيْه في الافتتاح، وفي غيره دون ذلك". يعني: في تكبيرة الإحرام وفي غير تكبيرة الإحرام, كان يَرْفع يَديْه أقلّ ممّا يَرْفعهما في الافتتاح.
وأخرج أبو داود أيضًا عن البراء: ((أنّ رسول الله صلى الله عليه و سلم كان إذا افْتَتح الصّلاة، رَفَع يَديْه إلى قريبٍ من أذُنيْه)) . وفي حديث وائل عند أبي داود: أنّه رَأى الصّحابة يَرْفعون أيديهم إلى صُدورهم.
هذا، والأحاديث الصّحيحة وَرَدت بأنّه صلى الله عليه و سلم رَفَع يَديْه إلى حَذْو مَنكِبيْه، وغيرها لا يَخْلوا عن مَقال، إلّا حديث مالك بن الحويرث.

12.1 افتراض افتتاح الصلاة بالتكبير، ورفع اليدين وصفته ومواضعه


وقوله: ((ولا يَفْعل ذلك حِين يَسْجد, ولا حِين يَرْفع رأسه من السّجود)) . في الرّواية الأُخْرى: ((ولا يرفعهما بين السّجدَتيْن)) . وسيأتي في حديث علي بلفظ: ((ولا يَرْفع يَدَيْه في شيء من صلاته)) .
وقد عارضَ هذه الرّوايات ما أخرجه أبو داود عن مَيْمون المكِّي, أنّه رَأَى عبد الله بن الزّبير يُشير بكفَّيه حِين يَقوم وحِين يَرْكع، وحِين يَسْجد وحِين يَنْهض للقيام، قال: -وهو ميمون المكّي- فانْطلقْت إلى ابن عبّاسٍ, فَقُلتُ إنّي رأيت ابن الزّبير صَلّى صلاةً لم أرَ أحدًا يُصلِّيها، فَوَصفْت له هذه الإشارة فقال: إنْ أحْبَبْتَ أنْ تَنْظر إلى صَلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم فاقْتَد بصلاة عبد الله بن الزّبير. -يعني: مَعْنى ذلك أنّه وافق أنّ هذه هي صلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم لكن في إسناد هذا الحديث ابن لَهيعَة، وفيه مَقَالٌ مَشْهور.
وأخرج أبو داود والنّسائي عن النّضر بن كثير السّعدي؛ قال: صلّى إلى جَنْبي عبد الله بن طَاوُس في مَسْجد الخيف من منى؛ فكان إّذا سَجَد السّجدة الأولى وَرَفَع رأسه منها رَفَع يَديْه تِلْقاء وَجْهه, فأنْكَرْت ذلك فَقُلت لوُهيْب بن خالد. فقال وُهيب: "تصنعُ شيئًا لم أرَ أحدًا يصنعه". فقال ابن طاوس: رأيت أبي يَصْنعه -يعني: طاوس وهو من التّابعين- وقال أبي: رأيت ابن عبّاسٍ يَصْنعه، ولا أعلم إلّا أنّه قال: "كان النّبي صلى الله عليه و سلم يصنعه".
كنّا مع حديث ابن طاوس أنّه كان إذا سَجَد السّجدة الأولى ورفع رأسه منها رفع يديه تلقاء وَجْهه، ونَسَب ابن طاوس هذا إلى ابن عبّاس، وابن عباسٍ نسب هذا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم لكن في إسناد هذا الحديث النّضر بن كَثِير وهو ضَعِيف الحديث، قال الحافظ أبو أحمد النّيسابوري: "هذا حديث مُنكر من حديث ابن طاوس".

12.1 افتراض افتتاح الصلاة بالتكبير، ورفع اليدين وصفته ومواضعه


وأخرج الدّارقطني في "العلل" من حديث أبي هريرة أنّه "كان يَرْفع يَديْه في كلِّ خَفْضٍ وَرَفْع ويقول: أنا أشبهكم صلاةً برسول الله صلى الله عليه و سلم". وهذه الأحاديث لا تنتهض للاحتجاج بها على الرّفع, في غير تلك المواطن التي أثبتها حديث الباب والأحاديث الأُخْرَى.
قال الإمام الشّوكاني: فالواجب البقاء على النّفي الثّابت في "الصّحِيحيْن" حتّى يقوم دليلٌ صَحِيح يَقْتضي تَخْصيص ذلك, كما قامَ في الرّفع عند القيام من التّشهد الأوسط، وقد تقدّم الكلام عليه، وذَهَب إلى استحبابه في السُّجود أبو بكر بن المنذر وأبو علي الطّبري, من أصحاب الشّافعي وبعض أهل الحديث.