12.4 قراءة "الفاتحة"، وقراءة المأموم وإنصاته إذا سمع إمامه


أ. "باب: وجوب قراءة "الفاتحة":

حديث عبادة بن الصّامت:‌
قال المصنِّف ابن تيمية رحمه الله في هذا الباب: عن عُبادة بن الصّامت: أنّ النبي صلى الله عليه و سلم قال: ((لا صلاة لِمَن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) . رواه الجماعة، يعني: أصحاب الكتب الستة، والإمام أحمد.
وفي لفظٍ: ((لا تُجزئ صلاةٌ لِمَن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) . رواه الدارقطني، وقال: "إسناده صحيح".
والحديث من حيث أحكامه يدلّ على تَعيِين "فاتحة الكتاب" في الصلاة، وأنّه لا يُجزئ غيرها، وخاصة لفظ الإجزاء عند الدارقطني بإسنادٍ صحِيح: ((لا تُجزئ صلاة)) ، وإلى ذلك ذَهَب: مالك، والشافعي، وجمهور العلماء من الصحابة والتّابعين فمَن بعْدَهم.
يقول الإمام الشافعي: وسَنّ رسول الله صلى الله عليه و سلم: أن يَقرأ القارئ في الصلاة بأمِّ القرآن، ودلّ على أنّها فرضٌ على المصلّي إذا كان يُحسن يقرؤها، كما رَوى عن سفيان بن عيينة، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة: أنّ رسول الله صلى الله عليه و سلم، قال: ((كلُّ صلاة لم يُقرأ فيها بأم القرآن فهي خِداج)) .
قال الشافعي رحمه الله: "فواجب على من صلّى منفردًا أو إمامًا: أن يقرأ بأمّ القرآن في كلَّ رَكعة، لا يُجزيه غيرها، وأُحبُّ أن يقرأ معها شيئًا؛ آية أو أكثر".

12.4 قراءة "الفاتحة"، وقراءة المأموم وإنصاته إذا سمع إمامه


ثم بيّن الشافعي: أنّ { بسم الله الرحمن الرحيم } ، هي الآية السابعة، فإن ترَكها أو بعضها لم تُجْزه الركعة التي تَرَكها فيها.
وما ذَهَب إليه مالك والشافعي وجمهور العلماء من الصحابة والتابعين، على تعيين "فاتحة الكتاب" في الصلاة، وأنّه لا يُجزئ غيرها؛ لأنّ النفي المذكور في الحديث في قول: ((لا صلاة)) ، يتوجّه إلى الذات -يعني: إلى ذات الصلاة- إن أمكن انتفاؤها -يعني: انتفاء ذات الصلاة، وإلّا يعني: إذا لم يُمكن ذلك، توجّه إلى ما هو أقربُ إلى الذات، وهو: الصحة، لا إلى الكمال؛ فيكون النفي: ((لا صلاة)) ، يعني: لا صلاة صحيحة؛ لأنّ الصحة أقرب المجازَيْن، والكمال أبعدهما.
والحمْل على أقرب المجازيْن -وهو: نفْي الصحة- واجب، ويمكن توجّيه النفي هاهنا إلى الذات -يعني: إلى ذات الصلاة، يعني: لا تكون موجودة بدون فاتحة الكتاب، كما قال الحافظ في (فتح الباري)؛ لأنّ المراد بالصلاةِ، معناها الشرعيّ لا اللغوي، لِما تقرّر من أنّ ألفاظ الشارع محمولة على عُرفه، لكونه بُعِث لتعريف الشرعيات لا لتعريف اللّغويات.
و"الصلاة" -كما هو معلوم شرعًا- هي: تلك الصلاة المعروفة التي هي: أقوالٌ وأفعال، تَبْتدئ بالتكبير وتنتهي بالتسليم، أمّا معناها اللغوي، فهو: الدّعاء، فتوجُّه النفي هنا إلى ذات الصلاة بمعناها الشرعي، بمعنى: لا صلاة موجودة.
وإذا كان المنفيّ الصلاة الشرعية، استقامَ نفيُ الذات؛ لأنّ المركّب كالصّلاة من أقوالٍ وأفعالٍ على مَراحل مُتعدِّدة، كما يَنْتفي بانتفاء جميع أجزائه؛ فيكون غير موجود، ينتفي بانتفاء بعضها، كما إذا انتفت "فاتحة الكتاب" فيها، فينتفي كلّه بهذا البعض.

12.4 قراءة "الفاتحة"، وقراءة المأموم وإنصاته إذا سمع إمامه


ولو سلِّم أنّ المراد هنا: الصلاة اللغوية بمعنى: الدُّعاء, فلا يُمكن توجُّه النفي إلى ذاتها؛ لأنّه قد حَصَل فيها دعاءٌ وذِكْر؛ لأنّها قد وُجِدت في الخارج -يعني: واقعًا وُجِد المعنى اللغوي للصلاة على هذا النّحو- فلا يُمْكن انتفاء ذاتها على هذا المعنى اللغوي.
والحديث صالحٌ للاحتجاج به على: أنّ "الفاتحة" من شروط الصّلاة لا من واجباتها فقط؛ لأنّ عَدَمها قد استَلْزَم عَدَم الصّلاة، وهذا هو شأن الشرط: أنّ عدمه يقتضي العدم، يعني عدم الْفِعْل وهو هنا: الصلاة.‌
وذهبت الحنفية وطائفة قليلة، إلى أنّها لا تَجِب، بل الواجبُ آية من القرآن، هكذا قال النووي. قُلنا: إنّ الصّحيح: أنّ الحنفيّة يقولون بوجوب قراءة "الفاتحة"، لكن بَنَوْا على قاعدتهم: أنّها مع الوجوبِ ليست شرطًا في صحّة الصلاة؛ لأنّ وجوبها إنّما ثبت بالسُّنة، والذي لا تتمّ الصلاة إلا به فرضٌ، والفرض عندهم لا يثبت بما يزيدُ على القرآن، والقرآن يقول: { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} ؛ فيكون ما جاء في السُّنة من زيادة قراءة "الفاتحة"، أو من تعيين قراءة "الفاتحة"، إنّما هو زيادة على القرآن الكريم في ذلك، فالفرض: قراءة ما تيسّر بنص القرآن الكريم، وتعيّن "الفاتحة" إنّما يثبت بالحديث فيكون واجبًا يأثم من يتركه، وتجزئ الصلاة بدونه.
وقلنا: إنّ الإمام الشوكاني قال في تطبيق هذه القاعدة: هذا تعويلٌ على رأيٍ فاسد –وحاصله –أي: نتيجته -ردُّ كثيرٍ من السنة المطهّرة بلا برهانٍ ولا حجّة نيِّرة، فكم موطنٍ من المواطن يقول فيه الشارع: "لا يُجزئ كذا"، "لا يُقبل كذا"، "لا يصحّ كذا"، ويقول المتمسِّكون بهذا الرأي: "يُجزئ ويُقبَلُ ويَصحّ"؛ لأنّ السنة فيه جاءت بما هو زائدٌ على القرآن الكريم، ولمثل هذا حذّر السلفُ من أهل الرأي.

12.4 قراءة "الفاتحة"، وقراءة المأموم وإنصاته إذا سمع إمامه


ومن جملة ما أشادوا به هذه القاعدة: أنّ الآية الكريمة التي في سورة "المزّمل" مصرِّحة بما تيسَّر، وهو: تَخْيِير، ولا تتعيّن "الفاتحة"؛ لأنّه لو تعيّنت "الفاتحة" لكان التعْيِين نسخًا للتخْيِير، والقطعيّ -وهو: القرآن الكريم هنا، لا يُنسخُ بالظّني -وهو: خَبَر الواحد الذي يقول بِتعْيِين "فاتحة الكتاب"؛ فيجب توجيه النّفي إلى الكمال -يعني: لا صلاة كاملة- وهذه الكليّة مَمْنوعة لِما قُلنا من أنّه بهذا لا يُؤخذ بكثيرٍ من السّنن وتُردّ، ويُعمل على خلاف ما تَجيء به السنن من قولها: "لا تُجزئ"، أو "لا تصحّ"، ومع ذلك نقول: "إنّها تُجزئ وتصحّ".
والسند في ذلك -في كون هذه الكلية ممنوعة لا يُؤخذ بها-ما تقدّم من تحوُّل أهل قباء إلى الكعبة بخبر واحدٍ، على الرّغْم من أنّ عندهم أنّ القبلةَ هي التّوجه إلى بيت المقدس، ولم يُنْكر عليهم النبي صلى الله عليه و سلم بل مدَحَهم، وكان التوجُّه إلى بيت المقدس قطعيًّا، فإنهم قد تركوا العمل بالقطعيّ إلى العمل بخبر الواحد، ولم يُنكر عليهم النبي صلى الله عليه و سلم ذلك، بل مدَحهم، كما تقدّم.
ومن أدلّة الحنفية أيضًا على: أنّ "فاتحة الكتاب" واجبٌ قراءتها وليست شرطًا في صحّة الصلاة، من أدلّتهم: ما في حديث المسيء بلفظ: ((ثمّ اقرأ ما تيسّر معك من القرآن)) ، فلم يَقُل لّه: "ثمّ اقرأ الفاتحة، والجواب عنه: أنّه قد وَرَد في حديث المسيء أيضًا, عند أحمد وأبي داود وابن حبّان بلفظ: ((ثم اقرأ بأمّ القرآن)) .
فقوله: ((ما تيسّر)) ، مجملٌ مبيَّنٌ، أو مطلقٌ مقيّد، أو مبهمٌ مفسّر، بهذه الرواية التي بيّنت، أو قيّدت، أو فسّرت، وهي: ((ثم اقرأ بأمّ القرآن)) ، فالمراد: ما تيسّر من القرآن، المراد على هذا: "أمّ القرآن"؛ لأن "الفاتحة" كانت هي المتيَسَّرة لِحِفْظ المسلمين لها.

12.4 قراءة "الفاتحة"، وقراءة المأموم وإنصاته إذا سمع إمامه


ومن أدلّة الحنفية على أنّ فاتحة الكتاب ليست بشرطٍ، وأنها واجبة، والصلاة تصحّ بدونها، وبما تيسّر من القرآن، كما تبيّن من بعض أدلّتهم: ما رَوَى ابن ماجه عن ابن عباس: أنّه لمّا مَرِض النّبي صلى الله عليه و سلم، فذكر حديث صلاة أبي بكر بالناس، ومَجِيء رسول الله صلى الله عليه و سلم إليهم، وفيه: ((فكان أبو بكرٍ يأتمّ بالنبيِّ صلى الله عليه و سلم والنّاس يأتمّون بأبي بكر)) .
قال ابن عباس: ((وأخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم في القراءة من حَيْث كان بَلَغ أبو بكر)) ، يعني: لم يقرأ النبي صلى الله عليه و سلم بفاتحة الكتاب، ولو كان شرطًا في الصلاة لقرأها.
يجاب عنه بأنّه رُوي بإسنادٍ فيه: قيس بن الربيع، قال البزّار: "لا نعلم رُوي هذا الكلام إلّا من هذا الوجه، بهذا الإسناد".
وقيس بن الربيع، قال ابن سيِّد الناس: "هو ممّن اعتراه من ضَعْف الرواية، وسوء الحفظ بولاية القضاء ما اعْتَرَى ابن أبي لَيْلى، فشريكًا"، يعني: محمد بن أبي ليلى وشريك النخعي، هذان اعتراهما بعد القضاء سوء الحفظ، فكذلك، قيس بن الربيع لمّا تولى القضاء، أصابه مثلُ ما أصاب هذيْن من سُوء الحفظ.
وقد وثّقه قومٌ، وضعّفه آخَرون، على أنّه لا مانع من قراءته صلى الله عليه و سلم للفاتحة بكمالها في غير هذه الركعة التي أدرك أبا بكرٍ فيها؛ لأنّ النزاع إنّما هو في وجوب "الفاتحة" في جملة الصلاة، لا في وجوبها في كلِّ ركعةٍ.
هذا، وقد استُدلّ بهذا الحديث على وجوب قراءة "الفاتحة" في كلِّ ركعة، بناءً على أنّ الركعة تسمَّى صلاة، من إطلاق الكلّ وإرادة الجزء مجازًا.

12.4 قراءة "الفاتحة"، وقراءة المأموم وإنصاته إذا سمع إمامه


وقد نَسَب القول بوجوب "الفاتحة" في كلِّ ركعة: النووي في (شرح مسلم)، والحافظ في (الفتح) إلى الجمهور.
ويُؤيِّد وجوب "الفاتحة" في كلِّ ركعة: حديث أبي سعيدٍ عند ابن ماجه بلفظ: "لا صلاة لِمن لم يقرأ في كلِّ ركعة بالحمد وسورة، في فريضةٍ أو غيرها". قال الحافظ: "إسناده ضعيف".
والمشكل أيضًا: أنّه نَفَى الصلاة ليس لِمَن لم يقرأ بـ"الحمد" فقط، بل وسورة كذلك، وهذا على غير ما ذَهب إليه الجمهور.
وحديث أبي سعيد أيضًا بلفظ: ((أمَرَنا رسول الله صلى الله عليه و سلم، أنْ نقرأ بـ"فاتحة الكتاب" في كلِّ ركعة)) . رواه إسماعيل بن سعيد الشّاكَنْجي، قال ابن عبد الهادي في (تَنْقيح التّعليق): رواه إسماعيل هذا، وهو صاحب الإمام أحمد، من حديث عبادة وأبي سعيدٍ بهذا اللفظ.
وظاهر هذه الأدلة: وجوب قراءة (الفاتحة) في كلِّ ركعة، من غيرِ فرقٍ بين الإمام والمأموم، وبين إسرار الإمام وجَهْره.
ومن جملة المؤيِّدات لوجوب (الفاتحة) في كل ركعة: ما أخرجه مالك في "الموطأ"، والترمذي وصحّحه، عن جابر أنّه قال: ((من صلّى ركعة لم يقرأ فيها بأمّ القرآن فلم يصلِّ، إلّا وراء الإمام)) ، يعني: ينفي صلاة من صلّى ركعة لم يقرأ فيها بأمّ القرآن، إلّا إذا كان وراء الإمام، فإنّه لا يقرأ فيها، يعني: إذا كان مأمومًا ففي بعض المذاهب، أنّه لا يقرأ بـ(أمّ) القرآن، ويكتفي بقراءة الإمام.


12.4 قراءة "الفاتحة"، وقراءة المأموم وإنصاته إذا سمع إمامه


ب. "باب: ما جاءَ في قراءة المأموم، وإنصاته إذا سمعَ إمامه":

حديث أبي هريرة:‌
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: عن أبي هريرة: أنّ رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: ((إنّما جُعِل الإمامُ لِيُؤتَمّ به؛ فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا قرأ فأنْصِتوا)) . رواه الخمسة إلّا التّرمذي، وقال مسلم: "صحيح".
قال الإمام الشوكاني: زيادة قوله: ((وإذا قرأ فأنْصِتوا)) ، قال أبو داود: ليست بمحفوظة، أي: هي شاذّة خالفَت من هو أرجح منها، والوهم عندنا من أبي خالد الذي رواها.
قال المنذري: "وفيما قاله نَظَر، فإنّ أبا خالدٍ هذا هو: سليمان بن حيّان الأحمر، وهو من الثّقات الذين احتجّ بهم البخاري ومسلم في "صَحِيحيْهما".
ومع هذا، فلم يتفرّد بهذه الزيادة، بل قد تابعه عليها أبو سعيد محمّد بن سعد الأنصاري الأشهلي المدني، نَزِيل بغداد.
وقد أخرج هذه الزيادة النسائي في "سننه" من حديث أبي خالد الأحمر، ومن حديث محمّد بن سعد هذا.

12.4 قراءة "الفاتحة"، وقراءة المأموم وإنصاته إذا سمع إمامه


وقد أخرج مسلمٌ في "الصحيح"، هذه الزّيادة في حديثِ أبي موسى الأشعريّ, من حديث جرير بن عبد الحميد، عن سليمان التّيْميّ، عن قتادة.
قال المنذري: "ولم يؤثِّر عند مسلم تفرّد سليمان بذلك، لِثقتِه وحفظه، وصحّح هذه الزيادة"، يعني: مسلمًا.
وقوله: ((إنّما جُعِل الإمام لِيُؤتمّ به)) ، معناه: أنّ الائتمام يقتضي متابعة المأموم لإمامه؛ فلا يجوز له المقارنة ولا المسابقة ولا المخالفة، إلّا ما دلّ الدّليل الشّرعيُّ عليه, كصلاة القائم خَلْف القاعدِ ونحوها، على اختلافٍ في هذه المسألة، وقد وَرَد النّهي عن الاختلافِ بخصوصه بقوله: ((لا تَخْتلفوا)) .
وقوله: ((فإذا كبّر فكبِّروا)) ، جَزَم ابن بطال وابن دقيق العيد بأنّ الفاء للتّعقِيب، ومقتضاه الأمر بأنّ أفعال المأموم تقع عَقِب فِعْل الإمام، فلو سَبَقه بتكبيرة الإحرام له، لم تَنْعقد صلاته.
وقوله: ((وإذا قرأ فأنصتوا)) ، احتجّ بذلك القائلون: أنّ المؤتمّ لا يقرأ خَلْف الإمام في الصلاة الجهرية، وهم: أحمد، ومالك، والحنفيَّة، لكنّ الحنفيَّة قالوا: "لا يقرأ خَلْف الإمام، لا في سرِّية ولا في جهرية"، واستَدلّوا على ذلك بحديث عبد الله بن شدّاد, أنّ النّبي صلى الله عليه و سلم قال: ((مَن كان له إمامٌ، فقراءة الإمام له قراءة)) ، وقد رُوي مُسندًا من طُرقٍ كلّها ضِعاف، والصّحيح أنّه مرسل؛ هكذا قال ابن تيمية عندما ذَكََر هذا الحديث، فلا يصلح للاحتجاج به.
قلنا: إنّ ما ذهب إليه الحنفيَّة، هو غير ظاهر الحديث الذي معنا: ((وإذا قرأ الإمام فأنصتوا)) ؛ لأنّه في الصلاة السّرية ليس فيها إنصاتٌ للإمام.

12.4 قراءة "الفاتحة"، وقراءة المأموم وإنصاته إذا سمع إمامه


واستدلّ القائلون: أنّ المؤتمّ لا يقرأ خَلْف الإمام في الجهرية فقط، بقوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف:204]. وبحديث أبي هريرة: ((أنّ رسول الله صلى الله عليه و سلم انصرف من صلاةٍ جَهَر فيها بالقراءة، فقال: هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا؟، فقال رجل: نعم يا رسول الله، قال: فإنِّي أقول: ما لي أُنازَع القرآن؟.....)) ألخ، رواه أبو داود والنسائي, والترمذي وقال: "حديثٌ حسن".
وذَهَب الشافعي وأصحابه إلى وجوب قراءة "الفاتحة"، على المؤتمّ من غيرِ فرقٍ بين الجهرية والسِّرِّية، سواء سَمِع المؤتمّ قراءة الإمام أمْ لا.
واستَدلّوا على ذلك بحديث عبادة بن الصامت, وهو: أنّ النّبي صلى الله عليه و سلم قال: ((لا يقرأنّ أحدٌ منكم شيئًا من القرآن إذا جهرت بالقراءة، إلّا بأمِّ القرآن)) . رواه الدارقطني وقال: "رجاله ثقات".
وفي رواية له: ((صلّى رسول الله صلى الله عليه و سلم الصّبح، فثقُلت عليه القراءة، فلمّا انصرف قال: إنِّي أراكم تقرءون وراء إمامِكم، قال: قلنا: يا رسول الله، إي والله، قال: لا تفعلوا إلّا بأمّ القرآن؛ فإنّه لا صلاة لمن لم يقرأ بها)) . رواه أبو داود والتّرمذي.
وأجاب هؤلاء عن أدلّة أهل القول الأوّل الذين يقولون: لا يقرأ المأموم خلف إمامه -على تفصيلٍ عندهم- بأنّها عمومات، وحديث عبادةَ خاصّ، وبناء العام على الخاص واجبٌ كما تقرّر في الأصول.
وهذا لا مَحِيصَ عنه، ويؤيِّده الأحاديث المتقدِّمة القاضية بوجوب "فاتحة الكتابِ", في كلِّ هذه العمومات التي اقترنت بما يجبُ تقديمه عليها.
ومن جملة ما استَدلّ به القائلون: بوجوب السّكوت خلف الإمام في الجهرية: ما تقدّم من قول جابر: "مَن صلّى ركعةً لم يقرأ بأمّ القرآن، فلم يصلِّ، إلّا وراء الإمام"، فمعناه: فإنّ صلاته تصحُّ إذا كان وراء الإمام ولم يقرأ بأمّ القرآن، وهو مع كونه غير مرفوعٍ, مفهومٌ لا يعارِضُ بمثله منطوق حديث عبادة.


12.4 قراءة "الفاتحة"، وقراءة المأموم وإنصاته إذا سمع إمامه


جـ. "باب: ما جاء في قراءة المأموم":

حديث أبي هريرة:
حديث أبي هريرة في هذا الباب: أنّ رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: ((إنّما جُعل الإمام ليؤتمّ به...)) ، ‌وقد تعرّضنا لشرح بعض مفردات هذا الحديث وبعض ألفاظه.‌
وقد اختلفت الشافعية في قراءة "الفاتحة"، والشافعية يقولون: بقراءة "الفاتحة" في القراءة في الصلاة، ويقولون بوجوب قراءة المأموم خلْف الإمام في الصلاة الجهرية والسرية.
واختلفوا في موضع قراءة "الفاتحة" خلْف الإمام، هل تكون عند سكتات الإمام؟ وقد سبق أنّ للإمام سكتتيْن، أو تكون عند قراءته؟
وظاهر الأحاديث الآتية: أنّها تُقرأ عند قراءة الإمام، وفعْلها حال سكوت الإمام إن أمكن أحْوَط؛ لأنّه يكون قد جمع بين الأمريْن، بين الإنصات للقراءة وبين قراءة "أم القرآن"، ولا يكون هناكَ تعارضٌ بينهما.

12.4 قراءة "الفاتحة"، وقراءة المأموم وإنصاته إذا سمع إمامه


ففعْلها حال سكوت الإمام إن أمكن أحوط؛ لأنّه يجوز عند أهل القول الأوّل-يعني: القائلون: بأنّها تقرأ مع قراءة الإمام-: إنّه يجوز أن يقرأها في السكتتيْن، أو عند سكتات الإمام.
فيجوز عند أهل القول الأوّل ذلك، فيكون فاعل ذلك -أي: قارئ "فاتحة الكتاب" عند سكتات الإمام- آخذًا بالإجماع، يعني: بإجماع الشافعية علي قراءة "فاتحة الكتاب"، ويحقق أيضًا الاستماع لقراءة القرآن، ولقراءة الإمام.
وأمّا اعتياد قراءتها حال قراءة الإمام لِلفاتحة فقط، أو حال قراءته للسورة فقط، فليس عليها دليل، بل الكلّ جائز وسُنّة.
قلنا: إنّ الشافعية قد اختلفوا في موضع قراءة "الفاتحة" خلف الإمام، هل تكون عند سكتات الإمام أو عند قراءته؟، وظاهر الأحاديث: أنها تُقرأ عند قراءة الإمام، وفعْلها حال سكوت الإمام إن أمكن أحوط، وفصّلنا القول في ذلك.
وأنه إذا قرأها مع قراءة الإمام للفاتحة؛ فإنه لن يحتاج إلى تكرار الاستعاذة، ولن يحتاج إلى تأخير الاستعاذة عن محلّها، وهو: أوّل الصلاة، وأيضًا سيكتفي بالتأمين مرة واحدة عند فراغه وفراغ الإمام من قراءة "الفاتحة"، إن وقع الاتفاق في التمام بين تمام قراءة "الفاتحة"، من الإمام ومن المأموم.
بخلاف من أخّر قراءة "الفاتحة" على حالِ قراءة الإمام للسُّورة، فإنّه سيؤمِّن مع الإمام، وسيؤمِّن عندما يقرأ "الفاتحة".


12.4 قراءة "الفاتحة"، وقراءة المأموم وإنصاته إذا سمع إمامه


د. "باب: في البسملة هل هي من "الفاتحة" أم لا"؟

حديث أبي هريرة:‌
هذا الحديث الذي فاتنا، هو في باب: في البسملة, هل هي من "الفاتحة" وأوائل السّوَر، أم لا؟ بما يترتب على ذلك من كونِ قراءتها من تمام "فاتحة الكتاب", ولا تُجزئ القراءة إلّا بها، على رأي من يعتبر أنّ "فاتحة الكتاب" شرطٌ في صحّة الصّلاة.
قال الإمام ابن تيمية في هذا الباب: عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ((مَن صلّى صلاةً لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خِداج)) ، يقولها ثلاثًا، أي: فهي خداج، فهي خداج, فهي خداج.
فقيل: لأبي هريرة: إنّا نكون وراء الإمام، فقال: "اقرأ بها في نفسك", فإنّي سَمِعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: ((قال الله عز و جل: قسمتُ الصلاة بَيْني وبين عبدي نِصْفيْن، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: { _(( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } ، قال الله تعالى: حَمِدني عبدي، فإذا قال: { _(( الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } ، قال الله تعالى: أثنى عليّ عبدي، فإذا قال: { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } ، قال: مجّدني عبدي، وقال مرّةً: فوّض إليّ عبدي، وإذا قال: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } ، قال: هذا بيني وبين عبدي، ولِعَبْدي ما سأل، فإذا قال : { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7 )} [الفاتحة: 6، 7]، قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل)) . رواه الجماعة إلّا البخاري وابن ماجه.‌

12.4 قراءة "الفاتحة"، وقراءة المأموم وإنصاته إذا سمع إمامه


وقوله: ((خِداج)) -بكسر الخاء المعجمة- قال الخليل والأصمعي, وآخرون: "الخداج": النقصان، يقال: "خَدَجت الناقة"، إذا ألْقَت وَلَدها قبل أوان النِّتاج، وإن كان تامّ الخلْق، و"أخْدَجَت" إذا وَلدْته ناقصًا، وإنْ كان لِتَمام الولادة.
قالوا: فقوله في الحديث: ((خِداج)) ، أي: الصّلاة ذات خداج، أي: هي ناقصة.
وقول أبي هريرة >: ((اقرأْ بها في نفسك)) ، السّائل لأبي هريرة، هو: أبو السائب، أي: اقرأْها سِرًّا بحيث تُسمِع نفسك.
قول الله عز و جل في هذا الحديث القدسي: ((قَسَمْتُ الصلاة)) ، قال النّووي: قال العلماء: المراد بـ"الصّلاة": "الفاتحة"، سُمِّيت بذلك؛ لأنّها لا تصحُّ إلا بها.
والمراد: قِسْمْتُها من جِهَة المعنى؛ لأنّ نصفها الأوّل تحميد الله وتمْجِيده وثناءٌ عليه وتفويضٌ إليه، والنّصف الثّاني سؤالٌ وطلبٌ وتضرّعٌ وافتقار.
على أنّه يُمكن القول أنّ المراد بالصّلاة جميعها؛ لأنّ الصّلاة في مجموعها، إمّا هي ذِكرٌ لله عز و جل ، وإمّا طلبٌ ودعاء، فالأوّل: لله عز و جل، والثّاني: للعبد يبتغي به الفضل من الله عز و جل، ويكون ذِكْر "فاتحة الكتاب" هُنا توضيحٍ لهذه القسمة.
وهذا يقتضي: أنّه ينبغي أن يكون المرء أو المسلمُ حاضرًا بقلْبه, وهو يقرأ؛ لأنّه يخاطب الله عز و جل إمّا بالثّناء والتّمجيد والحمد، وإمّا بطلب عن طريق الدّعاء.
وقوله: ((حَمدني)) ، و ((أثنَى عليّ)) ، و ((مجّدني)) : "الحمد": الثّناء بجميع الفِعال، و"التّمجيد": الثناء بصفات الجلال؛ ولذلك ناسبت أن تكون في قوله: (( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ )) ، والثّناء مُشتمِلٌ على الأمْريْن، وهذا يتلاءم مع قوله: (( الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ )) .

12.4 قراءة "الفاتحة"، وقراءة المأموم وإنصاته إذا سمع إمامه


قال الإمام الشّوكاني: ولهذا جاء جوابًا لـ {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } ؛ لاشتمال اللّفظيْن على الصّفات الذّاتية والفعلية، حَكَى ذلك النّووي عن العلماء.
وقوله: ((فوّض إليّ عبدي)) ، وَجْه مطابقة هذا لقوله: { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } ، أنّ الله تعالى هو المنفرد بالمُلك ذلك اليوم، وبجزاء العباد وحسابهم، و { الدِّينِ } : الحساب، وقيل: الجزاء.
وقوله: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } ، ويقول الله عز و جل: ((هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل)) ، قال القرطبي: "إنّما قال الله تعالى هذا؛ لأنّ في ذلك تذلُّل العبد لله، وطلبه الاستعانة منه؛ وذلك يَتضمّن تعظيم الله تعالى وقدرته على ما طَلَب منه".
وقوله: ((فإذا قال: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } )) , إلى آخِرِ السّورة، إنّما كان هذا للعبد؛ لأنّه سُؤالٌ يعود نفْعه إلى العبد، وفيه دَليل على: أنّ { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } ، وما بعدها إلى آخِر السّورة ثلاثُ آياتٍ لا آيتان.
وفي المسألة خِلافٌ مَبْنيّ على أنّ البسملة من "الفاتحةِ" أم لا، وقد تقدّم الكلام فيه مفصّلًا.
والحديث يدلّ، على أنّها ليست من "الفاتحة"؛ لأنّ "الفاتحة" سبع آياتٍ بالإجماع: فثلاث في أوّلها ثناء: أوّلها: { الْحَمْدُ لِلَّهِ } ، وثلاث دُعاء: أوّلها { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ }، والرّابعة مُتوسِّطة: وهي: { هذه بيني وبين عبدي } ، وهي التي قيل فيها: ((هذه بيني وبين عبدي)) ، ولم تُذكر البسملة في الحديث، ولو كانت منها لَذُكرت.
قال النّووي: "وهو من أوضح ما احتجُّوا به على أنّ البسملة ليست من "الفاتحة".
قال النووي: وأجاب أصحابنا وغيرهم ممّن يقول: إنّ البسملة آية من "الفاتحة" بأجوبة:

12.4 قراءة "الفاتحة"، وقراءة المأموم وإنصاته إذا سمع إمامه


أحدها: أنّ التّنْصيف عائدٌ إلى جملة الصّلاة لا إلى "الفاتحة"، هذا حقيقة اللّفظ، وليس كما قيل: "هو التّعبير بالكل وإرادة الجزء", وهو "فاتحة الكتاب"، وإنّما كَلِمَة: ((الصّلاة)) على حقيقتها.
والجواب الثّاني: أنّ التنصيف عائد إلى ما يختصّ بـ"الفاتحة" من الآيات الكاملة، والآيات الكاملة هي هذه التي ذُكرت.
والحديث أيضًا يدلُّ على وجوب قراءة "فاتحة الكتاب" في الصلاة؛ وإليه ذَهَب الجمهور.
وأما الاستدلال بهذا الحديث على تَرْك الجهر بالبسملة في الصلاة, فليس بصحيح.
قال اليعمري أبو الفتح: لأنّ جماعة ممّن يَرَى الجهر بها لا يعتقدونها قرآنًا، بل هي من السُّنن عندهم كالتّعوذ والتّأمِين، وجماعة ممّن يَرَى الإسرار بها يعتقدونها قرآنًا.‌
وقد وَرَد في بعض طُرق الحديث -وإن كان من طريقٍ ضعيفٍ- أنّه قد وَرَدت البسملة في الحديث؛ ففيه أو في هذه الرواية: ((فإذا قال العبد: { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} )) ، وهذه الرواية إنْ صحَّت، فلا يكون هناكَ مجالٌ للاستدلال بهذا الحديث على تَرْك الجهر بالبسملة في الصّلاةِ.

12.4 قراءة "الفاتحة"، وقراءة المأموم وإنصاته إذا سمع إمامه


هـ. "باب: ما جاء في قراءة المأموم، وإنصاته إذا سمع إمامه":

1.حديث أبي هريرة:
وفي الباب نفسه عن أبي هريرة: ((أنّ رسول الله صلى الله عليه و سلم انصرف من صلاةٍ جَهَر فيها بالقراءة, فقال: هل قرأ معي أحد منكم آنفًا؟، فقال رجلٌ: نعم يا رسول الله، قال: فإنِّي أقول ما لي أُنازَع القرآن؟، قال: فانتهى النّاس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه و سلم، فيما يجهر فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم من الصّلوات بالقراءة, حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه و سلم)) . رواه أبو داود والنسائي والترمذي، وقال: "حديث حسن".
والحديث أيضًا أخرجه مالِكٌ في (الموطّأ)، والشّافعي، وأحمد, وابن ماجه، وابن حبّان.
وقوله: ((فانتهى النّاس عن القراءة)) ، مُدرجٌ في الخبر، أو هو زائدٌ من أحد الرّواة، واتّفق عليه البخاري في (التّاريخ)، وأبو داود، والخطّابي، وغيرهم...
وقوله صلى الله عليه و سلم : ((مالي أُنازَع القرآن)) : بضم الهمزة للمتكلِّم، وفتح الزّاي: مضارع، ومفعوله الأوّل مُضمرٌ فيه، و ((القرآن)) : مفعوله الثّاني، أي: أنّ هذا الفعل ينصِب مفعوليْن كـ"جعَل"، وغيرها... قاله شارح (المصابيح).

12.4 قراءة "الفاتحة"، وقراءة المأموم وإنصاته إذا سمع إمامه


و"المنازعة": المُجاذَبة، قال ابن الأثير: ((أُنازَعُ)) ، أي: أجاذَب، كأنّهم جَهَروا بالقراءة خَلْفه فشغلوه، فالتبست عليه القراءة، وأصْل "النّزع": الجذْب، ومنه: نَزْع الميِّت بِرُوحه.‌
أمّا من حيث أحكام هذا الحديث:
فقد استدلّ به القائلون: بأنّه لا يقرأ المؤتمّ خَلْف الإمام في الجهرية.
قال الإمام الشّوكاني: وهو خارجٌ عن محلّ النّزاع؛ لأنّ الكلام في قراءة المؤتمّ خَلْف الإمام سرًّا، والمنازعة إنّما تكون مع جهر المؤتمّ؛ لا مع إسراره، كأنّ رسول الله صلى الله عليه و سلم، قال لهم: لا تجهروا بالقراءة مع قراءتي.

2. حديث عبادة:‌
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: عن عبادة قال: ((صلّى رسول الله صلى الله عليه و سلم الصّبح فَثَقُلت عليه القراءة، فلّما انصرف قال: إني أراكم تَقْرءون وراء إمامكم، قال: قُلنا يا رسول الله إي والله، قال: لا تَفْعلوا إلّا بأمّ القرآن، فإنّه لا صلاة لمن لم يقرأ بها)) . رواه أبو داود والترمذي، وفي لفظ: ((فلا تقرءوا بشيء من القرآن إذا جَهرْتُ به، إلّا بأمِّ القرآن)) . رواه أبو داود، والنّسائي، والدّارقطني وقال: "كلّهم ثقات".
والحديث أخرجه أيضًا أحمد والبخاري، في "جزء القراءة خلف الإمام"، وصحّحه.‌

12.4 قراءة "الفاتحة"، وقراءة المأموم وإنصاته إذا سمع إمامه


وقوله: ((فثقُلت عليه القراءة)) ، أي: شقّ عليه التّلفّظ والجهر بالقراءة، ويُحتمل أنْ يراد به أنّها الْتَبَست عليه القراءة، بدليل ما عند أبي داود من حديث عبادة، في روايةٍ له بلفظ: ((فالْتَبَستْ عليه القراءة)) .
وقوله: ((لا تفعلوا إلّا بأمِّ القرآن)) ، محمولٌ على الصّلاة الجهرية, كما في الرّواية الأخرى التي ذَكَرها المصنّف بلفظ: ((إذا جَهرْتُ به)) .
والحديث استدلّ به من قال بوجوب قراءة "الفاتحة" خَلْف الإمام، قال الإمام الشوكاني: وهو الحقّ. وظاهر الحديث: الإذن بقراءة "الفاتحة" جهرًا؛ لأنّه استثني من النّهي عن الجهر خَلْفه.
وظاهر التّقييد بقوله: ((مِن القرآن)) ، في قوله صلى الله عليه و سلم : ((فلا تقرءوا بشيء من القرآن)) ، يدلّ على أنّه لا بأسَ بالاستفتاحِ حال قراءة الإمام بما ليس بقرآن، والتّعوذ والدّعاء، لا بأس بكلّ ذلك.
ويمكن أن يقال: وهو الذي تستريح إليه النفس: لا يتوجّه بشيء من التّوجّهات من صلّى خلف إمامٍ لا يتوجّه بعد التكبيرة؛ لأنّ عمومات القرآن والسّنة قد دلت على وجوب الإنصات والاستماع.
وإذا كان لا يُقرأ شيء من القرآن، فمن باب أوْلى لا يُقرأُ توجُّهٌ واستفتاحٌ بغير القرآن، والمتوجِّه حال قراءة الإمام للقرآن غيرُ منصتٍ ولا مستمع، وإن لم يكن تاليًا للقرآن، إلا عند من يُجوِّز تَخْصيص مثل هذا العموم بمثل ذلك المفهوم, -أعني: مفهوم قوله: ((بشيء من القرآن)) . هذا هو التّحقيق في المقام.

12.4 قراءة "الفاتحة"، وقراءة المأموم وإنصاته إذا سمع إمامه


قُلنا: إنّ الأفضل ألّا يقرأ المأموم خَلْف الإمام إلّا بفاتحة الكتاب، ولا يقرأ شيئًا من القرآن غيرها، ولا يقرأ شيئًا من الاستفتاح من باب أوْلى، والله تعالى أعلم.‌
قال الإمام الشوكاني، بعد إثبات أنّ "فاتحة الكتاب"، لا تصحّ الصلاة إلا بها، أثار مسألةً ذَهَب إليها الجمهور، ولكنّه يُريد أنْ يخالفها هو وغيره، وهي: أنّه من أدرك الرّكوع في ركعةٍ فقد أدرك الرّكعة، إلى هذا ذهب الجمهور، ولكنّه ضعّف هذا الرّأي.
وعلى كلّ حال، لا بدّ أوّلًا أن نَقِف عند إماميْن من الأئمّة الذين قالوا بأنّه لا يُعتدّ بالرّكعة؛ لأنّ المأموم فاته القراءة -قراءة "فاتحة الكتاب"- وهي فرضٌ، وفاتَه القيام، وهما: الإمام الشّوكاني، وقبله ابن حزم.‌
قال الإمام الشوكاني: قد عرفْتَ ممّا سَلَف وجوب "الفاتحة" على كلِّ إمامٍ ومأمومٍ في كلِّ ركعة، وعرّفناك أنّ تلك الأدلّة صالحة للاحتجاج بها على أنّ قراءة "الفاتحة" من شروط صحّة الصلاة، فمَن زَعَم أنّها تصحّ صلاة من الصّلوات أو ركعة من الرّكعات بدون "فاتحة الكتاب", فهو محتاجٌ إلى إقامةِ بُرهانٍ يخصِّص تلك الأدلّة.
ومن هنا، يَتَبيّن لك ضَعْف ما ذهب إليه الجمهور, من أنّ من أدرك الإمام راكعًا دَخَل معه واعتدّ بتلك الرّكعة, وإن لّم يُدرك شيئًا من القراءة. واستدلّوا على ذلك بحديث أبي هريرة: ((من أدرك الرّكوع من الرّكعة الأخيرة في صلاته يوم الجمعة, فلْيُضِفْ إليها ركعةً أخْرَى)) . رواه الدارقطني من طريق ياسين بن معاذ، وهو متروك.

12.4 قراءة "الفاتحة"، وقراءة المأموم وإنصاته إذا سمع إمامه


على أنّ التّقييد بالجمعة مُشعرٌ بأنّ غير الجمعة بخلافها.
يقول الشوكاني: أنّ قوله صلى الله عليه و سلم في الحديث : ((من أدرك من الصّلاة ركعة)) ، فيُحملُ هذا القول على الرّكعة كاملة، بما فيها من فَرْض القيام؛ وقد ثَبَت أنّه فَرْضٌ قطْعي، ومن وجوب قراءة "الفاتحة"، والذي يُدرِك الإمام في الرّكوع فاته ذلك، فَفاته جُزء أو أكثر من جُزءٍ من الرّكعة، فلا يُعتدُّ بها.
قال الإمام الشوكاني: وقد ذَهَب إلى هذا: بعضُ أهل الظّاهر، وابن خزيمة، وأبو بكر الضُّبَعي.
ثمّ انْتقل الإمام الشوكاني إلى ابن حزم الذي وافقه في رأيه هذا، ويَحْسُن بنا أن نَذْهب إلى ابن حزم ونقرأ كلامه لهدفيْن:
الهدف الأول: أن نتعرّف على نصوصٍ لهؤلاء الفقهاء، وكيْفيَة استدلالهم على الأمور وعلى الأحكام. وثانيًا: لنُبيّن طبيعة رأيه والمدافعة عنه.
قال ابن حزم في (المحلّى): فإن جاء والإمام راكعٌ، فلْيركَع معه، ولا يعتدَّ بتلك الركعة؛ لأنّه لم يُدرك القيام ولا القراءة، ولكن يقضيها إذا سلّم الإمام، فإن خاف جاهلًا -يعني: يعترض عليه في ذلك- فلْيَتَأنّ حتى يرفع الإمام رأسه من الرّكوع، فيكبّر حينئذٍ.
والعجب من ابن حزم: أنّه يُخالف السّنة في هذه العبارة -يعني: لا يدخل مباشرة مع الإمام خوفًا من أن يعترض عليه جاهل-، إنّ هذا هو السُّنة؛ فَلْيفعل السُّنّة سواء اعترض عليه جاهل أو لم يعترض. قال: وقال قائلون: إن أدرك الرّكعة مع الإمام اعتدّ بها، يعني: كأن من قال ذلك قليلون، لم يقل: وقال جمهور المسلمين، أو قال جمهور العلماء.

12.4 قراءة "الفاتحة"، وقراءة المأموم وإنصاته إذا سمع إمامه


واحتجّوا بآثار ثابتة، إلّا أنّهم لا حجّة لهم في شيء منها، وهي: قول رسول اللهصلى الله عليه و سلم : ((مَن أدرك مِن الصّلاة ركعةً، فقد أدرك الصّلاة)) .
قال علي-أي: ابن حزم-: أمّا قوله صلى الله عليه و سلم: ((من أدرك من الصلاة ركعة، فقد أدرك الصلاة)) فحقّ، وهو حجّة عليهم؛ لأنّه مع ذلك لا يسقط عنه قضاءُ ما لم يُدرِك من الصلاة؛ هذا ما لا خلاف فيه من أحد، وليس في الخبر أنّه إن أدرك الرّكوع فقد أدرك الوقْفَة.
فإذْ قد سَقَط ما تعلقوا به من الآثار، فقد صحّ ما روي عن أبي هريرة، عن النبيصلى الله عليه و سلم قال: ((ائْتُوا الصلاة وعليكم السّكينة، فصلّوا ما أدْركْتُم، واقْضُوا ما سبقكم)) . وصحّ عنه أيضًا أنّه صلى الله عليه و سلم قال: ((ما أدْركتُم فصلُّوا، وما فاتكم فأتِمّوا)) .
هذا الذي ساقه ابن حزم لا يصلح دليلًا له ولا لغيره؛ لأنّ هذا الحديث لم يَزِد على قوله: ((فصلّوا ما أدركتُم، واقضوُا ما سبقكم)) ، لا ينفي أنّ مَن أدرك الركوع مع الإمام يعتدُّ بتلك الركعة، كما ذَهَب إليه جمهور المسلمين من عُلماء وغير عُلماء، من لَدُن صحابة رسول الله صلى الله عليه و سلم .
على كلّ حالٍ، نَمْضي مع ابن حزم، قال ابن حزم: وبِيَقِين يَدْري كلُّ ذي حِسٍّ سليم: أنّ من أدرك الإمام في أوّل الركعة الثانية فقد فاته الأولى كلّها، وأنّ من أدرك سجدة من الأولى فقد فاتتْه وقفة وركوع ورفعٌ وسجدة وجلوس، وأنّ مَن أدرك الجلسة بين السّجْدتَيْن فقد فاته الوقفة والركوع والرفع وسجدة، وأنّ من أدرك الرفع فقد فاتته الوقفة والركوع، وأنّ من أدرك السّجْدتَيْن فقد فاتته الوقفة والركوع، وأنّ من أدرك الركوع فقد فاتته الوقفة وقراءة "أمّ القرآن", وكلاهما فرضٌ لا تتمّ الصلاة إلّا به.

12.4 قراءة "الفاتحة"، وقراءة المأموم وإنصاته إذا سمع إمامه


من العجيب: أنّ في هذا الكلام لابن حزم إنّما لجأ فيه إلى القياس الذي يُنكره، ونقول له: لا قياس مع ما ذهبتْ إليه جموع المسلمين في هذه المسألة.
قال: وهو مأمور بنفس كلام رسول الله صلى الله عليه و سلم بقضاء ما سَبَقه، وإتمام ما فاته؛ فلا يجوز تخصيص شيء من ذلك بغير نصٍّ آخَرَ, ولا سبيل إلى وجوده، ونقول: يَكْفي في فِعْل جمهور المسلمين وجمهور العلماء من الصّحابة ومَنْ بعدهم هذا كنصٍّ, على الرّغم من أنّ ابن حزمٍ قد لجأ إلى القياس -كما رأينا في كلامه، ولم يُخصّص العموم- على الرغم من ذلك، فإنه يعترض على الجمهور في أخذهم بالقياس.
يقول: والقوم أصحاب قياسٍ بزعْمهم, فكيف وقع لهم التفريق بين فوت إدراك الوقفة, وبين فوت إدراك الركوع والوقفة؛ فلم يَرَوْا على أحدهما قضاء ما سبقه، ورأوْه على الآخَر، فلا القياس اطّردوا، ولا النصوص اتّبعوا.
ونقول له: أيّ قياس؟، وأي نصوص؟، إنّه لم يأت بنصٍّ صريح على أنّه لا يُعتدّ بتلك الركعة؛ بل الجمهور إذا قيل: إنّهم أتوا بأدلّة، إنّما هي نصوص صريحة, وإن كانوا قد طعنوا فيها.
قال ابن حزم: وقد أقدم بعضهم على دَعْوى الإجماع على قولهم, وهو كاذب في ذلك؛ لأنّه قد رُوي من طريق يحيى بن سعيد القطان, عن ابن عجلان، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج, عن أبي هريرة: "إذا أتيتَ القوم وهم ركوعٌ، فلا تُكبِّر حتّى تأخذ مقامك من الصّف". ونقول: إنّ هذا ليس دليلًا في محلّ النزاع, لأنّ أبا هريرة > إنّما يُريد لمن يأتي ألّا يركع خَلْف الصّف.

12.4 قراءة "الفاتحة"، وقراءة المأموم وإنصاته إذا سمع إمامه


على أنّه لو جاء وركع في الصّف وأدرك الركوع, فيُمكن أن يقال: إنّه اعتدّ بالركعة، وعلى الرّغم من أنّه ساق هذا النّص الذي ليس هو في مَحلّ النّزاع كما قلنا، رَوَى عن أبي هريرة شيئًا من التعليق ولم يَسُقْ له إسنادًا, وقال: ورُوي عنه أنّه لا يُعتدّ بالركعة حتّى يقرأ بأمِّ القرآن.
ونقول: إنّ هذا أيضًا ليس دليلًا في مَحَلّ النزاع؛ لأنّه يُريد عمومًا في غير الحالة التي نَحْن نبحث فيها، وهي: حالة إدراك الركعة بالركوع، أمّا إنّه لا يُعتدّ بالركعة حتّى يقرأ بأمّ القرآن، وكان يُمْكنه قراءتها، فهذا شيء غير ما يُخْتلف ويُتنازَع فيه في هذه المسألة.
قال ابن حزم في (المحلى): ورَوَيْنا من طريق الحجّاج بن المنهال, قال: حدّثنا الربيع بن حَبيب، قال: سمعت محمد بن سيرين يقول: "إذا انتهيت إلى القوم وهم في الصلاة فأدركت تكبيرةً تدخلُ بها في الصلاة وتكبيرة الركوع، فقد أدركت تلك الركعة، وإلّا فاركعْ معهم واسجُدْ ولا تَحْتسب بها".
وهذا دليل مع الجمهور وليس عليهم؛ لأنّ معنى ذلك: أنّه لو كبّرت تكبيرة الإحرام, ثمّ تكبيرة الركوع، وقد انتهيت إلى القوم وهم في الصلاة، فقد أدركتَ تلك الركعة، وإلّا -يعني: إذا لم تدرك التكبيرة الأولى, ثم الثانية قبل الانتهاء من الركوع- فاركع معهم واسجد، ولا تَحَتَسِب بتلك الركعة، وقد فسّر بعض العلماء ذلك بأنْ يطمئنّ في ركوعه مع الإمام ومع القوم.
قال ابن حزم: رَوينا من طريق حماد بن سلمة عن الحجاج بن أرطأة، عن عبد الله بن يزيد النخعي، عن زيد بن أحمد، عن ابن مسعودٍ -ويبدو أنه زيد بن وهب-، قال: إذا ركع أحدكم ومشى إلى الصف, فإن دخل في الصّف قبل أن يرفعوا رءوسهم فإنّه يعتدّ بها، وإن رفعوا رءوسهم قبل أن يَصِل إلى الصّف فلا يعتدّ بها، قال الحجاج: "والعمل على هذا"، وهذا أيضًا من أدلة الجمهور.

12.4 قراءة "الفاتحة"، وقراءة المأموم وإنصاته إذا سمع إمامه


كل هذه الآثار وكلّ هذه الأدلة ضَرَب بها عرْضَ الحائط، ولم يعتدّ بها, ولا يُثبت أنّه مخالِف للجمهور، وقد كان الأمر يكون يسيرًا بهذا، وإنّما ليضعِّف هو وأمثاله رأي الجمهور؛ ليحدِث بين المسلمين بَلْبلة في عبادتهم، وردّد الشوكاني ما قاله ابن حزم.
ويحسن بنا -بعد أن عَرَفْنا رأيهم في هذا-، أن نَقِف مع علماء المذاهب الأربعة في هذا الأمر، وقد ساقوا الأمر على أنّه شيء لا خِلاف فيه.
قال الشافعي: ومن أدرك ركعة من الجمعة، بنى عليها ركعة أخرى وأجزأتْه الجمعة، وإدراك الركعة: أن يُدرِك الرجل قبل رَفْع رأسه من الركعة، فيركع معه ويسجد، -يعني: أن يدرك الإمام قبل رفْع رأسه من الركعة، فيركع معه ويسجد، فإن أدركه وهو راكعٌ فكبَّر, ثمّ لم يركع معه حتّى يرفع الإمام رأسه من الركعة, ويسجد معه، لم يعتدّ بتلك الركعة, وصلّى الظهر أربعًا لأنّه لم يدرِك، أي: لأنّه لم يدرِك الإمامَ راكعًأ، فهذا هو الإمام الشافعي يُبيِّن أنّ المراد بإدراك الركعة: أن يدرِك المأموم مع الإمام الركوع قبل أن يرفع رأسه.

تراجم ابن أبي شيبة في من رأى ذلك من الصحابة والتابعين:
أما ابن أبي شيبة فقد عقد بابًا لذلك؛ فقال: الرجل يُدرِك الإمام وهو راكعٌ، قال: "تُجزيه تكبيرة"، ورَوَى ذلك عن ابن عمر، وزيد بن ثابت: أنّهما قالا: "إذا أدرك الرجل القوم ركوعًا، فإنّه يجزيه تكبيرة واحدة".
وعن عروة بن الزبير، وزيد بن ثابت: أنّهما كانا يجيئان والإمام راكع، فيكبِّران تكبيرة الافتتاح للصلاة وللركعة.

12.4 قراءة "الفاتحة"، وقراءة المأموم وإنصاته إذا سمع إمامه


وعن إبراهيم النخعي قال: "تكبيرة واحدة تُجزيك"، يعني: تكبيرة، ثم يركع فيدرك الركعة مع الإمام. وعن ابن عليّة قال: "قلتُ لابن أبي نجيحٍ: الرجل ينتهي إلى القوم وهم ركوع، فيكبِّر تكبيرة ويركع؟، قال: كان مجاهد يقول: تُجزيه".
وعن عطاء، قال: تُجزيه التكبيرة، وإن زاد فهو أفضل، يعني: تكبيرة الإحرام، فإن زاد تكبيرة أيضًا للركوع فهو أفضل.
رواية الإمام مالك:
هـ. "باب: ما يفعل من جاء والإمام راكع": قال: عن ابن شهاب، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، أنّه قال: دخل زيد بن ثابت المسجد فوجد الناس ركوعًا فركع، ثمّ دبّ حتى وصل الصف، قال: أنّه بَلَغه أنّ عبد الله بن مسعود كان يدِبُّ راكعًا.
وقال صاحب (البيان)، وهو: العمراني، وهو من الشافعية: وإن أدركه راكعًا فركع معه واطمأنّ، فقد أدرك هذه الركعة، لِما رَوَى أبو هريرة: أنّ النّبي صلى الله عليه و سلم قال: ((مَن أدرك الركوع مِن الركعة الأخيرة يوم الجمعة, فلْيُضف إليها أخرى، ومَن لم يُدرك الركوع فلْيُصلِّ الظهر أربعًا)) .
قال صاحب البيان؛ مُعلّلًا كيف أنّه قد أدرك الركعة: "ولأنه أدرك معظم هذه الركعة فاحتسب له بها، وإن رفع الإمام رأسه من الركوع قبل أن يركع المأموم، لم يحتسب له بهذه الركعة، لحديث أبي هريرة؛ ولأنّه لم يدرك معظمها.
وإن هَوَى المأموم للركوع، فتحرّك الإمام في الرفع من الركوع, فإن بلغ المأموم في ركوعه موضع الإجزاء في الركوع, وهو يَقْدِر أن يقبض يدَيْه على رُكبتَيْه واطمأنّ قبل أن يخرج الإمام عن حدِّ الإجزاء في الركوع, اعتُدّ للمأموم بهذه الركعة؛ لأنّه أدرك مَعَه الرّكوع، وإن لّم يَبْلغ المأموم أوّل حدِّ الإجزاء حتّى خَرَج الإمام عن حدّ الركوع, لم يعتدّ للمأموم بهذه الركعة, كما لو أدركه بعد الرفع من الركوع.

12.4 قراءة "الفاتحة"، وقراءة المأموم وإنصاته إذا سمع إمامه


قول ابن قدامة من الحنابلة:
أمّا ابن قدامة من الحنابلة, فقال: ومن أدرك الإمام في الركوع فقد أدرك الركوع، لقول النّبي صلى الله عليه و سلم : ((مَن أدرك الركوع، فقد أدرك الركعة)) . رواه أبو داود؛ ولأنّه لم يَفُته من الأركان إلّا القيام, وهو يأتي به مع تكبيرة الإحرام, ثمّ يدرك مع الإمام بقية الركعة، وهذا إذا أدرك الإمامَ في طمأنينة الرّكوع، أو انتهى إلى قدر الإجزاء من الركوع, قبل أنْ يزول الإمام عن قَدْر الإجزاء، فهذا يُعتدّ له بالركعة، ويكون مدركًا لها.
فأمّا إن كان المأموم يركع والإمام يرفع، لم يُجزه، وعليه أن يأتي بالتّكبيرة منتصبًا، فإن أتى بها بعد أن انتهى في الانحناء إلى قدر الركوع أو ببعضها، لم يُجزه؛ لأنّه أتى بها في غير محلّها -يعني: وهو القيام- إلّا في النافلة؛ ولأنه يفوته القيام -والقيام في النافلة ليس فرضًا، ولذلك لا بأس في النافلة- وهو من أركان الصلاة -أي: القيام في الفريضة- ثمّ يأتي بتكبيرة أخرى للركوع في حال انحطاطه إليه، فالأولى ركنٌ لا تسقط بحال، والثانية تكبير الركوع، والمنصوص عن أحمد: أنها تسقط هاهنا ويُجزيه تكبيرة واحدة.

12.4 قراءة "الفاتحة"، وقراءة المأموم وإنصاته إذا سمع إمامه


و. تابع باب: قراءة المأموم:

تكملة الكلام على مَن أدرك ركعة من الصّلاة:‌
فما زلنا في باب: ما جاء في قراءة المأموم، وإنصاته إذا سمع إمامه، وما زلنا مع حديث عبادة بن الصامت فيه، قال: ((صلّى رسول الله صلى الله عليه و سلم الصبح، فثقلت عليه القراءة............)) الحديث.
وبعد أن شرح الشوكاني هذا الحديث، الْتَفَت إلى مسألة: أنّ المأموم إذا أدركَ الإمام وهو راكعٌ، هل يعتدّ بهذه الركعة أولا؟، وخالفَ الجمهور، وليْته وَقَف عند مخالفة الجمهور، وإنّما ضعّف رأي الجمهور.
والحقّ: أنّ الجمهور على: أنّه يُعتدّ بتلك الركعة التي يُدرِك فيها المأموم مع الإمامِ الركوع.
قال أبو بكر بن المنذر: اختلف أهل العلم في الوقت الذي يكون المرء مدرِكًا للركعة، فكان ابن مسعود يقول: "من أدرك الركوع فقد أدرك"، وقال ابن عمر: "إذا أدركت الإمام راكعًا، ركعت قبل أن يَرْفع، فقد أدركت، وإن رَفَع قبل أن تَرْكع، فقد فاتتك"، ورَوَينا عن علي وابن مسعود أنهما قالا: "من لم يُدرِك الركعة، فلا يعتدّ بالسّجدة".
يعني: من لم يدرِك الركوع، لا يعتدّ بالسجود، وإنّما ينبغي إن يعيد هذه الركعة.

12.4 قراءة "الفاتحة"، وقراءة المأموم وإنصاته إذا سمع إمامه


ثمّ رَوَى ابن المنذر عن هبيرة بن مريم، عن علي وابن مسعود, قال: "من لم يدرك الركعة، فلا يعتدّ بالسجدة"، وقال قتادة وحميد وأصحاب الحسن: "إذا وضع يديْه على ركبتيْه قبل أن يرفع الإمام رأسه، فقد أدرك، وإن رفع الإمام رأسه قبل أن يضع يديه، فإنه لا يعتدّ بها".
وممّن قال: إنّ من أدرك الإمام راكعًا فقد أدرك الركعة: سعيد بن المسيب، وميمون بن مهران, وسفيان الثوري، والأوزاعي، والشافعي, وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور.
وحُكي ذلك عن مالك بن أنس، والنعمان، أي: أبي حنيفة.
قال أبو بكر بن المنذر: إنّه يعتدّ بالركعة إذا أدرك الإمامَ في الركوع".
إذًا هناك إجماع على أنّه يعتدّ بالركعة إذا أدرك المأمومُ الإمامَ، ودخل معه في الصلاة وهو راكعٌ لم يرفع رأسه، بكلّ هذا الذي نقلْنا، ولم يَنْقل كلّ هؤلاء جميعًا مخالفًا لذلك, إلا ما رُوي عن أبي هريرة، وما رُوي عن أبي هريرة عُورِض بما رُوي عنه مما يخِالف ذلك، وكما قلنا: هذا لا يُنقِص من الإجماع.
ونقول في النهاية: إنه إذا كان حديث عبادة، وحديث غيره قد بيّنا أنّ قراءة "فاتحة الكتاب" فَرْض في الصلاة, فهو عامٌ يخصّص بمثل هذه الحالة التي ثَبتَتْ عن جمهور الصحابة، بل عن الصحابة جميعًا ما عدا ما رُوي عن أبي هريرة بما يُبيِّن لنا أنّه ليس هناك مخالِف، ولم يستطع ابن حزم وغيره أن يأتوا بمخالفٍ من الصحابة والتابعين، وإنّما هي أدلّة تناولوها بالتفسير؛ لِيُثبتوا ما ذهبوا إليه، وهيهات هيهات، والله تعالى أعلم.


12.4 قراءة "الفاتحة"، وقراءة المأموم وإنصاته إذا سمع إمامه


ز. "باب: ما جاء في قراءة المأموم، وإنصاته إذا سمع إمامه":

حديث عبد الله بن شداد:‌
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: ورَوَى عبد الله بن شدّاد: أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: ((من كان له إمامٌ، فقراءة الإمام له قراءة)) . وقد رُوي مسندًا من طُرقٍ كلّها ضعاف، والصحيح أنه مرسَل.
هذا الحديث، قال الدارقطني: "لم يُسنِده عن موسى بن أبي عائشة, غير أبي حنيفة والحسن بن عمارة؛ وهما ضعيفان".
فهكذا قال عن أبي حنيفة -وسامحه الله في ذلك- فأبو حنيفة ليس ضعيفًا في الحديث، إنما هو إمامٌ في الحديث وفي الفقه.
قال، أي: الدارقطني: "ورَوَى هذا الحديث: سفيان الثوري، وشعبة، وإسرائيل، وشريك، وغيرهم... عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداّد مرسلًا، عن النبي صلى الله عليه و سلم وهو الصواب". انتهى.
قال الحافظ ابن حجر: "هو مشهور من حديث جابر، وله طُرقٌ عن جماعةٍ من الصحابة كلّها معلولة".
وقد احتجّ به القائلون بأن الإمام يَتحمّل القراءة عن المؤتم في الجهرية، "الفاتحة"، وغيرها. والجواب عن ذلك: أنّه عامّ؛ لأنّ القراءة مصدرٌ مضاف، وهو من صِيَغ العموم، وحديث عبادة المتقدِّم خاصّ، الذي يُبيِّن أنّه تُقرأ "فاتحة الكتابِ" مع قراءة الإمام، فلا معارضة.