11.3 استقبال القبلة، وحُجة من رأى فرض البعيد إصابة الجهة


أ. "باب وجوب استقبال القبلة":
حديث ابن عمر، وحديث أنس:
رَوَى الإمام ابن تيمية عن أبي هريرة في حديثٍ قال: قال النّبي صلى الله عليه و سلم: ((فإذا قُمْت إلى الصّلاة فأسْبِغ الوضوء، ثمّ استقبل القبلة فكبِّرْ)) . وهذا الحديث الذي أشار إليه ابن تيمية رحمه الله, هو حديثُ الْمُسيء في صَلاته, ويأتي -إنْ شاء الله تعالى.
فهذا اللّفظ الذي ذَكَره المُصنّف هو لَفْظ مسلم, وهو يدلّ على وُجوب استقبال القبلة، وهو إجْماع المُسلمِين، إلّا في حالة الْعَجْز، أو في الخوْف عند الْتِحام القتال، أو في صَلاة التّطوُّع.
‌ وَقَدْ دلّ على الوجوب: القرآن، والسّنة المتواترة، وفي الصّحيح من حديث أنسٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ((أُمِرْت أنْ أقاتل النّاس حتّى يَقُولوا: لا إله إلّا الله. فإذا قالوها وَصلّوْا صَلاتنا، واستقبلوا قبْلتنا، وذبحوا ذبيحتنا, فَقَد حَرُمت عَليْنا دِمَاؤُهم وأموالُهم، إلّا بحقِّها، وحِسَابهم على الله عز و جل)) . والشّاهد هُنا: ((واسْتقْبلوا قِبْلَتنا)) .
وقال الهادوية: إنّ استقبال القِبلة من شَرْط صِحّة الصّلاة.
يقول الشوكاني: أنّ الأوامر بِمُجرّدها لا تَصْلح للاسْتِدْلال بها على الشّرْطية, إلّا على القول بأنّ الأمر بالشّيء نَهْيٌ عن ضِدِّه.
ولكِنْ ههُنا ما يَمْنع من الشّرطية، وهو خَبَر السّريّة، الذي أخرجه التّرمذي وأحمد, والطّبراني، من حديث عامر بن ربيعة بلفظ: ((كُنّا مع النّبي

11.3 استقبال القبلة، وحُجة من رأى فرض البعيد إصابة الجهة


صلى الله عليه و سلم في لَيْلة مُظْلمة، فَلَمْ نَدْرِ أيْن القِبلة, وَصلّى كُلّ رَجُلٍ منَّا على خَيَاله، فلمّا أصْبحْنا ذَكَرنا ذلك للنّبي صلى الله عليه و سلم، فَنَزل: (( وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)) [البقرة:115])) . فإنّ الاستقبال لَوْ كان شَرطًا لَوَجَبت الإعادة في الوقت وبعده؛ لأنّ الشّرط يُؤثِّر عَدَمه في العَدَم.
‌ وَنَنْتقل بعد هذا التّمهيد إلى حديثٍ رواه الإمام ابن تيمية، بعد هذا الحديث الذي استقبل به الباب.
قال: عن ابن عمر قال: ((بَيْنما النّاس بِقُباء في صلاة الصّبح, إذْ جاءهم آتٍ فقال: إنّ النّبي صلى الله عليه و سلم قد أُنْزل عليه اللّيلة قُرآن, وقد أُمِر أنْ يَسْتقبل القبلة فاستقبِلوها، وكانت وُجوههم إلى الشّام، فاستداروا إلى الكعبة)) . متّفق عليه.
روى ابن تيمية رحمه الله عن أنس: أنّ رسول الله صلى الله عليه و سلم: ((كان يُصلّي نَحْو بَيْت المَقْدس، فَنَزلت: (( وَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)) [البقرة:144]. فمرّ رَجُل مِنْ بَنِي سَلمة وهم رُكوعٌ في صَلاة الفجرِ وقد صَلّوْا رَكْعة، فَنَادى: ألاَ إنّ القبلة قد حُوِّلت. فَمَالوا كَما هُم نَحْو القبلة)) . رواه أحمد ومسلم وأبو داود.
قال الإمام الشوكاني: وفي الباب عن البراء عند الجماعة إلّا أبا داود، وعن ابن عبّاسٍ عند أحمد والبزار، والطّبرانيّ قال العراقي: "وإسناده صَحيح".
وعن عمارة بن أوس عند أبي يَعْلى في (المسند)، والطّبراني في (الكبير), وعن عمْرو بن عوفٍ المزني عند البزار والطّبراني أيضًا، وعن سَعد بن

11.3 استقبال القبلة، وحُجة من رأى فرض البعيد إصابة الجهة


أبي وقَّاص عند البيْهقي، وإسناده صَحِيح، وعن سَهل بن سعد عند الطّبراني والدّارقطني، وعن عثمان بن حنيف عند الطّبراني أيضًا، وعن عمارة بن رُويبة عند الطّبراني أيضًا، وعن أبي سعيد بن المعلّى عند البزّار والطّبراني كذلك، وعن تُويْلة بنت أسْلَم عند الطّبراني كذلك.
‌ قوله: ((في َصلاة الصّبح)) هكذا في (صَحيح مسلم) ، من حديث أنس بلفظ: ((وهُم ركوعٌ في صلاة الفجر)) .
وَكَذا عند الطّبراني من حَدِيث سَهَل بن سَعَد بلفظ: ((فَوَجدَهُم يُصلُّون صَلاة الغداة)) -أي: الصّبح، وفي التّرمذي من حديث البراء بلفظ: ((فَصلّى رَجُل مَعَه العصر)) ، وَسَاق الحديث.
وهو مُصرّح بذلك في رواية البخاري من حديث البراء، وليس عند مسلم تعيين الصّلاة من حديث البراء. وفي حديث عمارة بن أوس: أنّ التي صلّاها النّبي صلى الله عليه و سلم إلى الكعبة إِحْدى صلاتي العشيّ -أي: الظّهر أو العصر. وهكذا في حديث عمارة بن رُوَيبة وحديث تُوَيلة، وفي حَديث أبي سعيد بن الْمُعلّى: أنّها الظّهر.
والجَمْع بَيْن هذه الرِّوايات: أنّ مَنْ قال إحْدَى صَلاتي العشيّ شَكّ: هل هي الظّهر أو العصر؟ وليس مَن شَكّ حُجّة على مَن جَزَم؛ فَفِي بَعْض الرّوايات: الجزم بَصلاة الظّهر، وفي بعضها: الجزم بصلاة العصر.
قال الإمام الشّوكاني: فنظرنا فيمن جزم، فوجدنا بعضهم قال: الظّهر، وبعضهم قال: العصر.
وَوَجدْنا رواية العصر أصحّ، لِثقِة رجالها, وإخراج البخاري لها في "صحيحه".

11.3 استقبال القبلة، وحُجة من رأى فرض البعيد إصابة الجهة


وأمّا أحاديث كَوْنها الظّهر، فَفِي إسنادها مَرْوان بن عثمان وهو مُختلفٌ فيه. وأمّا رواية: أنّ أهل قُباء كانوا في صَلاة الصّبح, فَيُمكن أنّه أبْطأ الْخَبر عنهم إلى صَلاة الصّبح؛ وبهذا جمَع الإمام الشّوكاني بكلّ سُهولة ويُسر إلى الرّوايات التي تَقول: إنّها الصّبح، والرّوايات التي تَقول: إنّها الظّهر أو العصر.
قال ابن سَعد في (الطّبقات) حاكيًا عن بعضهم: إنّ ذلك كان بِمسْجد المدينة. فقال: ويُقال: صلّى رسول الله صلى الله عليه و سلم ركعتيْن مِن الظُّهر في مَسْجده بالمُسلمِين، ثُمّ أَمِر أن يتوجّه إلى المسجد الحرام, فَاسْتدار إليه وكان مَعَه المسلمون. وَيكون المعنى بِرواية البخاري: أنّها العصر، أي: أنّ أوّل صَلاة صلّاها إلى الكعبة كاملة: صَلاة العصر.
‌ وقوله: ((إذْ جاءهم آتٍ)) ، قيل: هو عبّاد بن بِشْر، وقيل: هو عبّاد بن نُهيْك، وقِيل: غيرهما...
وقوله: ((فاسْتقْبلوها)) . -بِفَتح الْمُوّحدة لِلْأكثر، أي: الباء، أي فَتحوّلوا إلى جِهَة الكعبة، وفاعل "اسْتقبلوها": المخاطَبون بذلك, وهم أهل قُباءٍ -رضوان الله عليهم.
ويُحتمل أنْ يكون فاعل "استقبلوها": النّبي صلى الله عليه و سلم وَمَن مَعَه. وفي رواية في البخاري بِكَسْر الموحّدة بصيغة الأمْر: ((فَاسْتَقْبِلوها)) ، ويُؤيِّد الكسر ما عند البخاري في "التّفسير" بلفظ: ((ألاَ فَاستَقْبِلوها)) .
وقوله: ((وَكانت وُجوههم إلى الشّام)) هو تفسير من الرّاوي للتحوّل المذكور، والضّمير في وُجوههم فيه الاحتمالان، وقد وَقَع بيان كَيْفية التّحوّل

11.3 استقبال القبلة، وحُجة من رأى فرض البعيد إصابة الجهة


في خَبَرِ تُوَيلة قالت: ((فَتَحوّل النّساء مكان الرِّجال، والرِّجال مَكان النِّساء)) .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وتصْوِيرُه: أنّ الإمام تحوّل من مكانه في مُقدّم المسجد إلى مُؤخّر المسجد, لأنّ من استقبل الكعبة اسْتدْبر بَيْت المقدس, وهو لَوْ دَار في مَكانه لم يَكُن خَلْفَه مَكان يَسَع الصّفُوف، وَلمّا تَحوّل الإمام تَحَوّلت النساء حَتّى صِرْن خَلْف الرِّجال.
صوّر الحافظ ابن حجر: كَيْف تحوّل النّساء مَكان الرِّجال والرّجال مَكان النّساء, عِنْدما عَلِموا بِتَحْويل القبلة: أنّ الإمام تَحَوّل مِنْ مَكانه في مُقدَّم المسجد إلى مُؤخّر المسجد, لأنّ مَنِ اسْتقبل الكعبة اسْتَدْبر بَيْت المقدس، وهو لو دَار في مَكانه لم يَكُن خَلْفه مَكان يَسَع الصُّفوف. وَلمّا تَحوّل الإمام، تَحوّلت الرّجال حتّى صاروا خَلْفه, وتحوّل النّساء حَتّى صِرْن خَلْف الرّجال.
وهذا يَسْتدعي عَملًا كثيرًا في الصّلاة, فَيُحتمل أنّ ذلك وَقع قبل تَحْريم العمل الكثير, كما كان قبل تحريم الكلام. وَيُحتمل أنْ يكون اغْتُفر العمل المذكور من أجل الْمَصْلحة المذكورة، أو وَقَعت الْخُطوات غير مُتوالية عند التّحوُّل، بل وَقَعت مُفرّقة على الصّلاة، فلم يَكُن هُناك عَمَل كثير في مَوْضعٍ واحد؛ وهذا جائز ولا يُسمّى عملًا كثيرًا.
لكنْ ما قاله مِن الاحتمال الثّاني هو الأرجح أنّه قَدْ يكون اغْتُفر العمل المذكور من أجْل المصلحة المذكورة.
وللحديث الأوّل، وهو عن ابن عمر، قال: ((بينما النّاس بِقُباء في صلاة الصّبح, إذْ جاءهم آتٍ فقال: إنّ النّبي صلى الله عليه و سلم قد أنْزِِل عليه اللّيلة قُرآن، وقد أمِر أنْ يَسْتقبِل القبلة؛ فاستقبَِلوها. وكانت وُجُوههم إلى الشّام، فاسْتداروا إلى الكعبة)) .

11.3 استقبال القبلة، وحُجة من رأى فرض البعيد إصابة الجهة


هذا الحديث له فوائد، منها: أنّ حكم النّاسخ لا يَثْبت في حَقّ المُكلّف حتّى يَبْلُغه، لأنّ أهل قُباء لم يُؤمَروا بالإعادة, وهم قد أُعْلِمُوا بذلك بعد أنْ حُوِّلت القبلة. ومعناه أنّهم صَلّوْا جُزءًا من الصّلاة إلى غير القبلة النّاسخة.
ومنها: جَواز الاجتهاد في زَمَن النّبي صلى الله عليه و سلم في أمر القبلة، لأنّ الأنصار تَحوّلوا إلى جِهَة الكعبة بالاجتهاد، ولم يَنْقضوا الصّلاة ولم يَسْتأنِفوا، إلى غير ذلك...
قال الحافظ: "يُحتمل أنْ يكون عندهم بذلك نصٌّ سابق، يعني: لم يتحوّلوا عن اجتهاد، وإنّما تحّولوا؛ لأنّه كان عندهم نصٌّ سابق: أنّ القبلة ستُحوّل -بإذن الله تعالى.
ومن الفوائد في هذا الحديث: جَواز تعليم من ليس في الصّلاة من هو فيها.
ومنها: جَواز نَسْخ الثّابت بِطُروء العلْم، لأنّ الذي كان ثَبَت هو الاتّجاه إلى بَيْت المقدس, فَنُسخ هذا الثّابت إلى الاتّجاه إلى جِهَة الكعبة بعدَ العلم بالنّسخ.
ومن الفوائد: القطع بخبر الواحد: قال الإمام الشّوكاني: وَتَقْريره أنّ النّبي صلى الله عليه و سلم لم يُنْكر على أهل قُباء عَمَلهم بِخَبر الواحد، وأجِيب عن ذلك بأنّ الخبر المذكور احتفّ بالقرائن، فلم يَكُن هو الذي أثبت القطع، وإنّما القرائن التي احْتفّت به أيضًا، يعني: الْمُقّدمات قَبْل النّسخ أفادت القطع بالعمل بذلك مع خَبَر الواحد، لِكُوْنه في زَمَن تَقَلُّب وَجْهه صلى الله عليه و سلم في السّماء ليُحوَّل إلى جِهَة الكعبة، كما

11.3 استقبال القبلة، وحُجة من رأى فرض البعيد إصابة الجهة


قال تعالى في كتابه الكريم: (( قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ )) [البقرة: 144]. وقد عَرَفَتْ منه الأنصار ذلك بِمُلازمتهم له، فَكانوا يَتَوقّعون ذلك في كلِّ وَقْت، فَلمّا فَجَأهم الخبر عن ذلك أفادَهُم العلْم، لا لِمُجرّد هذا الخبر، وإنّما أيضًا لِما كانوا يتوقّعون من حدوثه.
وأجاب العراقي بأجْوبة أُخَر منها: أنّ النّسخ بخبر الواحد كان جائزًا على عهد النّبي صلى الله عليه و سلم، وإنّما امتُنِع بعده، قال الحافظ ابن حجر: "ويحتاج هذا إلى دَليل".
ومن الفوائد:
أنّه تَلا عليهم الآية التي فيها ذِكْر النّسخ بالقرآن، وهم أعلم النّاس بإطالته وإيجازه، وأعرفهم بِوُجوه إعْجازه؛ ولذلك فَهِموا فعَمِلوا.
ومنها: أنّ العمل بخبر الواحد مقطوع به. ثُمّ قال: الصّحيح أنّ النّسخ للمقطوع بالمضمون, كَنَسْخ نَصّ الكتاب أو السّنة المتواترة بِخَبر الواحد جائز عقلًا وواقعٌ سمعًا في عهد النّبي صلى الله عليه و سلم وزمانه؛ ولكن أجْمَعت الأمّة على مَنْعه بعد رسول اللهصلى الله عليه و سلم ، فَلا مُخالف فيه. وإنّما الخِلاف في تَجْويزه في عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم .
ومن فوائد الحديث: ما ذَكَره المصنِّف ابن تيمية رحمه الله قال: وهو -أي: الحديث- حُجّة في قبول أخبار الآحاد. انتهى.
وذلك؛ لأنّه أجمع عليه الذين بَلَغ إليهم، ولمْ يُنْكر عليهم النّبي صلى الله عليه و سلم‘ بَل رَوى الطّبراني في آخِر حَديث تُوَيلة: أنّ رسول الله

11.3 استقبال القبلة، وحُجة من رأى فرض البعيد إصابة الجهة


صلى الله عليه و سلم قال فيهم: ((أولئك رجال آَمَنُوا بالغيب)) .

ب. باب: حجّة من رَأى فرْض البعيد: إصابة الجهة:
حديث أبي هريرة:
‌‌يعني: الذي هو بَعِيد عن الكعبة، لا يَسْتطيع أنْ يراها, أنّ الواجب والفرض عليه: إصابة الجهة أيضًا بالاجتهاد لا إصابة العين. فهو يَتَوجّه إلى جِهَة الكعبة وَيَتوكّل على الله عز و جل .
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: عن أبي هريرة أنّ النّبي صلى الله عليه و سلم قال: ((ما بَيْن المشرق والمغرب قِبْلة)) . رواه ابن ماجه والتّرمذي وصحّحه.
وقوله صلى الله عليه و سلم في حديث أبي أيّوب: ((ولكنْ شرِّقوا أو غرِّبوا)) يُعضِّد ذلك، لأنّ معناه: أي شرِّقوا أو غرِّبوا اتّجِهوا اتّجاهًا إلى غير القِبلة.
قال الإمام الشّوكاني: الحديث الأوّل أخْرجه التّرمذي وابن ماجه، من طريق أبي مَعْشر. وقد تابعَ أبا مَعْشر عليه: علي بن ظَبْيان قاضي حَلَب, كما رَواه ابن عديٍ في (الكامل).
قال: ولا أعْلَم يَرْويه عن محمّد بن عمْرو غير علي بن ظَبْيان وأبي مَعْشر، وهو بأبي مَعْشر أشْهَر منه بِعَلي بن ظَبْيان. قال: وَلَعلّ علي بن ظبْيان

11.3 استقبال القبلة، وحُجة من رأى فرض البعيد إصابة الجهة


سَرَقه منه، -أي أخذ إسناده الذي هو لأبي معشر فَنَسَبه إليه؛ هذا يُعتَبر سَرقةً في الحديث.
وَذَكَر قَوْل ابن مَعِين فيه أنّه: "ليس بشيء"، وقول النّسائي: "متروك الحديث".
وقد تابعه عليه أيضًا أبو جعفر الرّازي، رواه البيهقي في (الخلافيّات). وأبو جَعْفر وَثَّقه ابن مَعِين وابن المديني وأبو حاتم، وقال أحمد والنّسائي: "ليس بقويّ"، وقال العلائي:"سيِّء الحفظ".
وأبو مَعْشر المذكور ضَعِيف. والحديث رواه أيضًا الحاكم والدارقطني. وقد أخرج الحديث التّرمذي من طريق أخرى غير طريق أبي مَعْشر، وقال: "حديث حَسَنٌ صَحِيح". وقد خالفه البيهقي، فقال بعد إخراجه من هذه الطّريق: "هذا إسناد ضَعيف"، فَنَظرْنا في الإسناد فَوجْدنا عثمان بن محمّد بن المغيرة بن الأخْنس بن شُريق قد تَفَرّد به عن المَقْبُري، وقد اختُلف فيه؛ فقال علي بن المديني: "إنّه رَوَى أحاديث مَناكير"، وَوَثّقه ابن مَعِين وابن حبَّان؛ فَكان الصّواب ما قاله التِّرمذي.
وأمّا الحديث الثّاني: وهو حديث أبي أيّوب: ((ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا)) ، فهو متّفق عليه. وقد تقدّم شَرْحه في أبواب: التّخلّي، في النّهْي عن أنْ تُستقبل القبلة بِبَوْل أو غائط.
وفي الباب عن ابن عمر عند البيهقي. وفي الباب أيضًا من قول ابن عمر عند مالكٍ في (الموطّأ) وابن أبي شيبة والبيهقي، ومن قول علي عند ابن أبي شيبة، ومن قول عثمان عند ابن عبد البرّ في (التّمهيد)، ومن قَوْل ابن عبّاس، أشار إلى ذلك التّرمذي.
‌ والحديث يدُلُّ على أنّ الفرض على من بَعُد عن الكعبة: الْجِهَة لا الْعَيْن. وإليه ذَهَب: مالك وأبو حنيفة وأحمد. وهو ظاهر ما نَقَله المُزني عن

11.3 استقبال القبلة، وحُجة من رأى فرض البعيد إصابة الجهة


الشافعي. وقد قال الشافعي أيضًا: إنّ شَطْر البيت -يعني في قوله تعالى: (( شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ )) [البقرة: 144]- وتِلْقاءه وَجِهَته واحدٌ في كلام العَرَب.
واستُدلّ لذلك أيضًا بحديث أخرجه البيهقي عن ابن عبّاس: أنّ رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: ((البيت قِبْلة لأهل المسجد، والمسجد قِبْلة لأهل الحَرَم, والحرم قِبلة لأهل الأرض، مَشارقها ومَغاربها مِن أمّتي)) .
قال البيهقي: تَفردّ به عُمر بن حفصٍ المكي، وهو ضعيف. قال: وَرُوي بإسناد آخَر ضَعِيف لا يُحتجّ بمثله؛ وإلى هذا المذْهب ذَهَب الأكثر.
وَذَهب الشّافعي في أظهر القوليْن عنه إلى أنّ فَرْض مَن بَعُد: العين، وأنّه يَلْزمه ذلك بالظّنّ، لحديث أسامة بن زَيْد ((أنّه صلى الله عليه و سلم لمّا دَخَل البيت دَعا في نَواحيه، ولم يُصلِّ فيه حَتّى خَرَج. فلمّا خَرج، رَكَع رَكْعتيْن في قِبَل القِبلة، وقال: هذه القِبلة)) . ورواه البُخاري من حديث ابن عبّاس مُخْتصرًا.
وَيَحْسُن بِنا أنْ نَقْرأ ما ذَكَره الإمام الشّافعي في (الأم), فإنّه يدلّ دِلالة واضحة على: أنّ الفَرْض في استقبال القِبلة إنّما هو التّوجُّه إلى البيت لِمَن قَرُب ولِمَن بَعَد.
قال الشّافعي: قال الله عز و جل: (( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْر)) [الأنعام: 97]، وقال: (( وَعَلَامَاتٍ ۚ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ)) [النّحل: 16].

11.3 استقبال القبلة، وحُجة من رأى فرض البعيد إصابة الجهة


وقال لِنَبيِّه صلى الله عليه و سلم : (( وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ)) [البقرة: 150]. قال الشّافعي رحمه الله: فَنَصب الله عز و جل لهم البيت والمسجد, فكانوا إذا رَأوْه فَعَليْهم استقبال البيت لأنّ رسول الله صلى الله عليه و سلم صَلّى مُستقبله والنّاس حَوْله من كُلّ جِهَة. وَدَلّهم بالعلامات التي خَلَق لهم والعقول التي رَكّب فيهم على قَصْد البيت الحرام، وَقَصْد المسجد الحرام، وهو قَصْد البيت الحرام؛ فَالْفَرْض على كلِّ مُصلٍّ فريضةً أو نافلةً، أو على جِنازة أو ساجد لِشُكْرٍ، أو سُجود قُرْآن: أنْ يَتَحرّى استقبال البيت، إلّا في حاليْن أرْخَص الله تَعالى فيهما, سَأذْكُرهما -إنْ شاء الله تعالى. وهو بَيّنَ ذلك فيما بعد.
‌ وقال في باب ذَكَره بَعْد باب: استقبال القِبلة: "كَيْف استقبال القبلة؟".
قال: استقبال البيت وجْهان، وكلّ مَنْ كان يَقْدر على رُؤْية البيت مِمّن بمكّة في مَساجدها, أو مَنْزل منها أو سَهْلٍ أو جبلٍ، فلا تُجْزيه صَلاته حتّى يُصيب استقبال البيت؛ لأنّه يُدرك ثَواب استقباله بِمُعاينته. وإن كان أعْمَى، وَسِعه أن يَسْتقبل به غَيْره البيت، ولم يَكُن له أنْ يُصلِّيَ وهو لا يَرَى البيت بِغَيْر أنْ يَسْتقْبله به غيره.
فإن كان في حَاٍل لا يَجِد أحدًا يَسْتقبله به، صلّى وأعاد الصّلاة؛ لأنّه على غَيْر عِلْم من أنّه أصاب استقبال القِبلة, إذا غاب عنه بالدّلائل التي جَعَلها الله من النّجوم والشّمس, والقمر والجبال والرِّيح والرِّياح وغيرها, ممّا يَسْتدلّ به أهل الخِبْرة على التّوجُّه إلى البيت.

11.3 استقبال القبلة، وحُجة من رأى فرض البعيد إصابة الجهة


وإنْ كان بصيرًا وصلّى في ظُلمة واجتهد في استقبال القبلة، فَعَلِم أنّه أخطأ استقبالها, لم يُجْزه إلّا أنْ يُعيد الصّلاة؛ لأنّه يَرْجع من ظنّ إلى إحاطة. وكذلك إن كان أعمى فَاسْتقْبل به رَجَل القِبلة، ثمّ عَلِم بخبر من يَثِق به أنّه أخطأ به استقبال القِبلة، أعاد الصّلاة.
ثمّ قال: ومن كان في موْضع من مكّة لا يَرَى منه البيت أو خارجًا عن مكّة، فلا يحلّ له أن يَدَع كلّ ما أراد المكتوبة, أن يجتهد في طلب صَواب الكعبة بالدّلائل من النّجوم والشّمس والقمر والجبال ومهبّ الريح، وكُلّ ما فيه عنده دلالة على القِبلة.
‌ وَنْرجع بعد كلام الشّافعي هذا في (الأم) إلى الشّوكاني، فيقول: وقد عَرَفْت ما قدّمنا في باب: صَلاة التّطوع في الكعبة، من تَرْجيح أنّه صلى الله عليه و سلم صلّى في الكعبة. وقد اختُلف في معنى حديث الباب الأوّل الذي هو ((ما بين المشرق والمغرب قِبْلة)) . فقال العراقي: ليس عامًّا في سائر البلاد، وإنّما هو بالنّسبة إلى المدينة المُشرّفة وما وافق قِبْلتها. وَهَكذا قال البيهقي في (الخلافيّات). وهكذا قال أحمد بن خالَوِيه الوْهْبي. يعني: أنّ رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لهم ذلك وهو بالمدينة, وَفَهِموا أنّ ما بَيْن المشرق والمغرب من المدينة.
قال: يعني قال العراقي: وَلِسائر البلدان من السّعة في القبلة مثل ذلك بين الجنوب والشّمال وَنَحْو ذلك. قال ابن عبد البرّ: "وهذا صحيح لا مَدْفع له، ولا خِلاف بين أهل الْعِلْم فيه".
وقال الأثْرم: سَألت أحمد بن حَنْبل عن مَعْنى الحديث -يعني: حديث: ((ما بين المشرق والمغرب قِبلة)) ، فقال: "هذا في كلِّ البلدان، إلّا بمكّة عند البيت؛ فإنّه إنْ زَاد عنه شيئًا وإنْ قَلّ فقد تَرَك القِبلة". ثمّ قال: "هذا المشرق وأشار بِيَده، وهذا المغرب وأشار بِيَده. وما بَيْنهما قِبْلة". قُلت له: "فَصَلاة مَنْ صَلّى بَيْنهما جائزة؟". قال: "نَعَمْ، وَيَنْبغي أنْ يََتَحرّى الْوَسَط".

11.3 استقبال القبلة، وحُجة من رأى فرض البعيد إصابة الجهة


قال ابن عبد البر: تَفْسير قَوْل أحمد هذا في كلّ البلدان, يُريد: أنّ البلدان كُلّها لأهلها في قِبلتهم مثل ما لِمن كانت قِبلتهم بالمدينة. الجنوب الذي يَقَع لهم فيها الكعبة فَيَسْتقبلون جِهَتها، ويتّسعون يَمِينًا وشمالًا فيها ما بين المشرق والمغرب. يعني: هُناك رُخْصة واتّساع حَيْث لا يَخْرُجون في اليمِين وفي الشّمال عمّا بَيْن المشرق والمغرب. يَجْعلون المغرب عن أيْمانهم والمشرق عن يسارهم.
وكذلك لِأهْل الْيَمن من السّعة لِقِبْلتهم مثل ما لأهل المدينة, ما بين المشرق والمغرب إذا تَوَجّهوا أيضًا قِبَل القِبلة, إلّا أنّهم يجعلون المشرق عن أيمانهم والمغرب عن يَسارهم.
وكذلك أهل العراق وخُراسان، لهم من السّعة في استقبال القبلة ما بين الجنوب والشِّمال, مِثْل ما كان لِأَهْل المدينة من السّعة فيما بين المشرق والمغرب. وكذلك ضِدّ العراق على ضِدّ ذلك أيضًا، فَكُلّ بَلَدٍ ما بين جِهتيْه، سَواء ما بين المشرق والمغرب, أو الشّمال والجنوب. فَما في الحديث إنّما هو مثال لأهل البلدان في الأماكن المختلفة, وكلّ بَلَد على حَسَب علاقته بالقِبلة, ما بين المشرق والمغرب، أو ما بين الشّمال والجنوب.
ثمّ قال ابن عبد البرّ: "وَإنّما تَضِيق القِبْلة كُلّ الضّيق على أهل المسجد الحرام، وهي لأهل مَكّة أوْسع قليلًا، ثمّ هي لأهل الحرم أوسع قليلًا، ثمّ هي لأهل الآفاق من السّعة على حَسَب ما ذَكَرْناه". انتهى كلام ابن عبد البر.
قال التّرمذي: قال ابن عُمر: "إذا جَعَلْت المغرب عن يَمِينك، والمشرق عن يَسارك، فَما بَيْنهما قِبْلة إذا استقبلْت القبلة". وقال ابن المبارك: "ما

11.3 استقبال القبلة، وحُجة من رأى فرض البعيد إصابة الجهة


بَيْن المشرق والمغرب قِبْلة، هذا لأهل المشرق"، واختار ابن المبارك التّياسر لأهل مَرْو. وقد اسْتُشْكِل قَوْل ابن المبارك من حَيْث إنْ كان من بالمشرق إنّما يَكون قِبْلة المغرب، فإنّ مَكّة بَيْنه وبين المغرب. والجواب عنه: أنّه أراد بـ"المشرق": البلاد التي يُطلق عليها اسم "المشرق" كالعراق مثلًا، فإنّ قِبلته أيضًا بين المشرق والمغرب قبلةً لأهل العراق. قال: وقد وَرَد مُقيّدًا بذلك في بَعْض طُرق حَدِيث أبي هريرة: ((ما بَيْن المشرق والمغرب قِبْلة لأهل العراق)) ، فَقَيّدها بأهل العراق.
ورواه البيهقي في (الخلافيّات). وَرَوَى ابن أبي شيْبة عن ابن عمر أنّه قال: "إذا جَعَلْت المغرب عن يمينك، والمشرق عن يَسارك، فَما بَيْنهما قبلة لأهل المشرق"؛ فَقيّدها هُنا بأهل المشرق.
ويدلّ على ذلك أيضًا: تَبْويب البخاري على حَدِيث أبي أيّوب بلفظ: باب: قِبْلة أهل المدينة وأهل الشّام والمشرق، ليس في المشرق ولا المغرب قِبلة. وبهذا يَسْتبِين لنا تَيَقُّظ البخاري في تَراجمه، لأنّ الحديث لم يكُن في القِبلة بِقَدْر ما كان في قَضاء الحاجة وَعَدم التّوجه إلى القبلة, ولكنّه قيّد هذا بأهل الشّام والمشرق، ونَفى أنْ يكون المراد أنْ تَكون القِبلة في المشرق أو في المغرب.
قال ابن بطّال في تَفْسِير هذه التّرجمة عند البخاري: يعني: وقِبلة مَشْرق الأرض كلّها إلّا ما قابل مَشْرق مَكّة من البلاد التي تَكون تَحْت الخط المارّ عليها من المشرق إلى المغرب، فَحُكم مَشْرق الأرض كلّها كَحُكْم مَشْرق أهل المدينة والشّام في الأمر بالانْحراف عند الغائط؛ لأنّهم إذا شَرّقوا أو غرّبوا لم يَسْتقبلوا القبلة ولم يَسْتدبروها.

11.3 استقبال القبلة، وحُجة من رأى فرض البعيد إصابة الجهة


قال: وأمّا ما قابل مَشْرق مكّة من البلاد التي تَكُون تَحْت الخط المارّ عليها من شرقها إلى مغربها, فلا يَجُوز لهم استعمال هذا الحديث، ولا يصحّ لهم أن يشرِّقوا ولا أن يغرِّبوا؛ لأنّهم إذا شرّقوا استدبروا القبلة وإذا غرّبوا استقبلوها. وكذلك من كان مُوازيًا بالمغرب مكّة، إِذِ العلّة فيه مُشتركة مع المشرق؛ فاكتفى بِذِكْر المشرق عن المغرب لأنّ المشرق أكثر الأرض المعمورة، وبلاد الإسلام في جِهَة مَغْرب الشّمس قَلِيل.
قال: وتقْدِير التّرجمة بأنّ قِبْلة أهل المدينة وأهل الشّام والمشرق, لَيْس في التّشريق ولا في التّغريب، يعني: أنّهم عند الانحراف للتّشريق والتّغريب ليسوا بِمُواجهين للقبلة ولا مستدبرين لها.
والعرب تُطلق المشرق والمغرب بمعنى: التّغريب والتّشريق. وأنشد ثَعْلب في "المجالس": "أبَعْد مَغْربهم نَجْدًا وساحتها".
قال ثَعْلب معناه: أَبَعْد تَغْرِيبِهم، انتهى.
‌ قال الإمام الشّوكاني: وقد أطَلْنا الكلام في تَفْسير مَعْنى الحديث، لأنّ كثيرًا ما يَسْأل عنه النّاس وَيَسْتشْكِلُونه لا سيّما مع زيادة لفظ: ((أهل المشرق)) ، وأقول: إنّ النّاس يسألون عن معنى الحديث لكن لا يسألون الآن لِمُشكلة كَيْف يكون الاتّجاه إلى القبلة؟ لأنّ الكُشوف الحديثة وتَعْيِين القبلة لِكُلّ أهل بلدٍ أصبح معروفًا ومُتعارفًا عليه, فَلَا إشْكال -إن شاء الله تعالى- من حَيْث التّطبيق, ومن حَيْث التّيسير, وصَدَق الله تعالى حَيْث يقول: (( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ )) [الحج: 78].