11.2 المواضع المنهيّ عنها والمأذون فيها للصلاة، وصلاة الفرض ...


أ. "باب المواضع المنهيّ عنها والمأذون فيها للصلاة":
حديث أبي سعيد: ((الأرض كلها مسجد...)) : ‌
ذَكَر ابن تيمية رحمه الله عن أبي سعيد: أنّ النّبي صلى الله عليه و سلم قال: ((الأرض كُلّها مَسْجدٌ، إلّا المقْبَرة والحمّام)) . رواه الخمسة إلّا النّسائي.
والحديث أيضًا أخرجه الشّافعي، وابن خُزَيْمة، وابن حبّان، والحاكم. قال التّرمذي: وهذا حَدِيث فيه اضْطراب، وقال النّووي: "هو ضعِيف".
والحديث، مَع إخْراج الشّافعي له، وابن خُزَيْمة، وابن حبّان، والحاكم -كَما قُلنا، قَد صحّحه الحاكم في (المستدرك) وصحّحه ابن حزم الظّاهري.
‌ قال ابن حَزم: أحاديث النّهْي عن الصّلاة إلى القبور، وعن الصّلاة في المَقْبرة، أحاديثُ مُتواترة لا يَسَع أحدًا تَرْكُها.
قال العراقي: إنْ أراد بالتّواتر: ما يَذْكره الأصوليّون مِن أنّه رَواه عن كلّ واحد من رُواته جمعٌ يَسْتحِيل تَواطؤهم على الكذب في الطّرفيْن والواسطة، فليس كذلك؛ فإنّها أخبار آحاد، وإنْ أراد بذلك وصْفَها بالشّهرة، فهو قريب، وأهل الحديث غالبًا إنّما يُريدون بالتّواتر: المشهور. انتهى.
قال الإمام الشّوكاني: وفِيه أنّ المعتبر في التّواتر هو أنْ يَرْوي الحديث المتواتر جَمْعٌ عن جَمْع يَسْتحِيل تَواطؤ كلّ جَمْع على الكذب، لا أنّه يَرْويه جمعٌ كذلك عن كلّ واحد من رُواته ما لم يَعْتبره أهل الأصول، اللّهم إلّا أن يُريد بكلّ واحدٍ من رُواته كلّ رُتْبةٍ مِن رُتبِ رُواته.
ويُريد الإمام الشوكاني أنْ يُبيِّن بهذا: أنّ كلّ طَبَقة من طَبقات رُواة هذا الحديث إنّما هُم جَمْعٌ عن طَبَقة أخْرَى، وهكذا...‌

11.2 المواضع المنهيّ عنها والمأذون فيها للصلاة، وصلاة الفرض ...


وقوله: ((إلّا الْمَقْبرة)) -مُثلّثة الباء، مَفْتوحة الميم، وقد تُكسر الميم- أي: "مَقْبَرة" و"مَقبُرة" و"مَقبِرة"، و"مِقبرة"، قد تُكْسر الميم، وهي: المحلّ الذي يُدْفن فيه الموْتَى.
والحديث يدلّ على: مَنْع الصّلاة في المقبرة والحمّام.
وقد اخْتلَف النّاس في ذلك، وقَبْل أنْ نُبيّن هذا الاخْتلاف، نُبيِّن: أنّ المراد بالحمّام -ليس المراد به هنا: دَوْرة المياه-وإنّما المراد: ما يَغْتسل النّاس فيه. وكان هذا مكانًا كبيرًا، وله أجزاء بَعْضها يُسْتعمل لِلْغُسل، وبعضها لا يُستعمل للغُسْل، ليس المراد بِكَلمة "الحمّام" هو ما يُطْلق عليه الآن كَلِمة "الحمّام"، بمعنى: أنّه مكانٌ ضَيِّقٌ يَكْفي للغسل أو يَكْفي لقضاء الحاجة، إنّما هي حمّامات عامّة للغسل، وفيها أمْكِنة أُخْرَى.
وقد اخْتَلف النّاس في جَواز الصّلاة في المقبرة والحمّام، وعَدَم جَوازها.
‌ أمّا المقبرة، فَذَهب أحمد إلى تَحْريم الصّلاة في المقبرة, ولم يُفرّق بين المنْبوشة وغيرها، ولا بين أنْ يَفْرش عليها شيئًا يَقِيهِ مِن النّجاسة أو لا، ولا بين أنْ يكون في القبور أو في مَكان مُنْفردٍ عَنْها كالبيت، وإلى ذلك ذَهَبت الظّاهرية، ولمْ يُفرِّقوا بين مَقابر المُسْلمِين والكفّار.
قال ابن حزم: وبه يقول طَوائف من السّلَف؛ فَحَكى عن خَمْسة من الصّحابة النّهْي عن ذلك، وَهُم: عُمَر، وعَلي، وأبو هريرة, وأنَس، وابن عبّاس، وقال: "ما نَعْلم مُخالفًا من الصّحابة".
وحَكاه عن جَماعة من التّابعين: إبراهيم النّخعي، ونافع بن جُبيْر بن مُطْعِم، وطاوس، وعمْرو بن دينار، وخَيْثمة وغيرهم...

11.2 المواضع المنهيّ عنها والمأذون فيها للصلاة، وصلاة الفرض ...


قال الإمام الشوكاني: وقوله: "لا نَعْلم لهم مخالفًا في الصّحابة": إخبار عن عِلْمه، وإلّا فقد حَكَى الخطّابي في "مَعَالم السُّنن" عن عبد الله بن عُمَر: أنّه رَخّص في الصّلاة في المَقْبرة.
‌ وذَهَب الشافعي إلى الفَرْق بين المقبرة المنبوشة وغيرها، فقال: إذا كانت مُخْتلطة بِلَحم الموتى وصَديدِهم وما يَخْرج مِنْهم، لَمْ تَجُز الصّلاة فيها للنّجاسة، فإنْ صلّى رَجُل في مَكانٍ طاهرٍ منها أجْزأته.
وقال الرّافعي: أمّا المقبرة، فالصّلاة مَكْروهة فيها بكلّ حال، وذَهَب الثّوري والأوزاعيّ وأبو حنيفة إلى كَراهة الصّلاة في المقبرة، ولم يُفرّقوا كما فرّق الشّافعي ومن مَعَه بين المَنْبوشة وغيرها.
وذَهَب مالك إلى جَواز الصلاة في المقبرة وعَدَم الكراهة. والأحاديث تردّ عليه. وقد احتجّ له بعض أصحابه بما يُفْضي إلى العَجَب، فاستدلّ له بأنّه صلى الله عليه و سلم صلّى على قَبْر المِسْكِينة السّوْداء، وأحاديث النّهي المتواترة كَما -قال ذلك الإمام- لا تَقْصر عن الدّلالة على التّحريم الذي هو المعنى الحقيقي له.
وقد تقرّر في الأصول: أنّ النّهي يدلّ على فَساد المنهيّ عنه؛ فَيكون الحقّ: التّحريم والبطلان؛ لأنّ الفساد الذي يقتضيه النّهي هو المرادف للبطلان من غير فَرْق بين الصّلاة على القبر وبين المقابر، وكلّ ما صَدَق عليه لفظ "المقبرة".
وعلى هذا، فهُناك أربعة مَذاهب أو خمسة مذاهب، في جواز الصلاة في المقبرة وعدم جَواز الصلاة فيها:

11.2 المواضع المنهيّ عنها والمأذون فيها للصلاة، وصلاة الفرض ...


الأوّل: هو تَحْريم ذلك؛ وإلى ذلك ذَهَب أحمد وابن حزم.
والثّاني: الفَرْق بين المقبرة المنبوشة وغيرها، فقال الشافعي: إذا كانت مَنْبوشة وتُربتها مُخْتلطة بِلَحم الموتى وصَدِيدهم، لا يَجوز. فإنْ صَلّى في مَكان طاهر منها أجزأتْه.
الثّالث: الكراهة دون تفْرقة بين المنْبوشة وغيرها؛ وإلى ذلك ذَهَب الثّوري والأوزاعي وأبو حنيفة.
الرّابع: ذَهَب مالكٌ إلى جَواز الصّلاة في المَقْبرة وعَدَم الكراهة.
‌ ورُوُيَ عن ابن عبّاس أنّه قال: "لا يُصلّيَن إلى حُشٍّ -يعني: مَكان قَضاء الحاجة- ولا في حمّام، ولا في مَقْبرة"، قال ابن حزم: ما نَعْلم لابن عبّاس في هذا مخالِفًا من الصّحابة.
قال ابن حزم: ولا تَحِلّ الصّلاة في حَمّام، سَواء في ذلك مَبْدأ بابه -أي: من بداية بابه- إلى جَمِيع حُدُوده، ولا على سَطْحه وسَقْف مُسْتوقده -يعني: الذي تُسخّن فيه المياه، وأعالي حِيطانه، خَربًا كان أو قائمًا، يعني: في أيِّ جُزْء من أجزائه.
وَكَما قُلْنا، فَإنّ الحمّام كان يَشْتمل على أجزاء كَثِيرة، فإنْ سَقَط من بِنائه شَيْءٌ يَسْقُط عنه اسم حَمّام، جَازَت الصّلاة في أرضه حِينَئِذٍ. انتهى.
وذَهَب الجمهور إلى صِحّة الصّلاة في الحمّام مع الطّهارة، وَتكون مَكْروهة، وَتَمسّكوا بعمومات نَحْو حديث: ((أيْنَما أدْرَكْتَ الصّلاة فَصَلِّ)) ، وَحَملوا النّهي على حمّامٍ مُتَنَجِّس، والحقُّ ما قاله الأوّلون؛ لأنّ أحاديث المقبرة والحمّام مُخَصِّصة لذلك العموم.

11.2 المواضع المنهيّ عنها والمأذون فيها للصلاة، وصلاة الفرض ...


وحِكْمة الْمَنْع من الصّلاة في المقبرة قيل: هو ما تَحْت المصلّي من النّجاسة. وقيل: لِحُرْمة الموتى.
وحِكْمة الْمَنْع من الصّلاة في الحمّام: أنّه يَكْثر فيه النّجاسات، وَقِيل: إنّه مَأوَى الشّيطان.

ب. الباب نفسه:
حديث أبي مَرْثد الغنوي: ((لا تُصلُّوا إلى القبور...)) :
وهو عن أبي مرثد الغنوي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ((لا تُصلّوا إلى القبور، ولا تَجْلسوا عليها)) . رواه الجماعة إلّا البخاري، وابن ماجه.
والحديث يدلّ على مَنْع الصّلاة إلى القبور، وقَدْ تقدّم الكلام في ذلك، وعلى مَنْع الجلوس عليها، وظاهر النّهي: التّحريم.
وقَدْ أخرج مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: ((لَأَنْ يَجْلس أَحَدُكم على جَمْرة فَتَحْرق ثِيابَه فتخلُص إلى جِلْده، خَيْرٌ من أنْ يَجْلس على قَبْر أخيه)) .
وقد رُوِي عن مالك: أنّه لا يُكْره القعود عليها ونَحْوه، قال: وإنّما النّهي عن القعود لِقَضاء الحاجة، وفي (الموطّأ) عن عليٍّ: أنّه كان يَتَوسّد القبور وَيَضطجِع عليها، وفي البخاري: أنّ يزيد بن ثابت أخا زيْد بن ثابت, كان يَجْلس على القبور، وقال: إنّما كُرِه ذلك لِمَن أحْدَث عليها، أيْ: قَضَى عليها حاجته.

11.2 المواضع المنهيّ عنها والمأذون فيها للصلاة، وصلاة الفرض ...


وفيه عن ابن عُمَر: أنّه كان يَجْلس على القبور.
‌ وفي كلّ هذا ما يُبَيِّن: أنّ هؤلاء يُجَوِّزون القعود على القبور، والاضطجاع عليها، وتَوَسُّدها.
قال الإمام الشّوكاني مُقَوِّيًا التّحريم والْمَنْع: وقَد صَحّت الأحاديث القاضية بالمَنْع، ولا حُجّة في قَوْل أحدٍ, لا سِيّما إذا كان مُعَارضًا للثّابت عنه صلى الله عليه و سلم.
وقد أخْرَج أبو داود والتّرمذي، وصحّحه وابن ماجه, وابن حبّان، والحاكم من حديث جابر بلفظ: ((نُهِيَ أنْ يُجَصّص القبر وَيُبْنى عليه, وأنْ يُكْتَبَ عليه، وأنْ يُوطَأَ)) . وهو في (صَحيح مسلم) بدون الكتابة، وقال الحاكم: الكتابة على شَرْط مسلم، والجلوس لا يَكون غالبًا إلّا مَعَ الْوَطْء.
جـ. الباب نفسه:
حديث جُنْدب بن عبد الله البَجَلي: ((إنّ مَنْ كان قَبْلكم...)) :‌
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: عن جُندب بن عبد الله البجلي، قال: سَمِعت رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل أن يموت بخمسٍ وهو يقول: ((إنّ مَنْ كان قَبْلكم كانوا يَتّخِذون قبور أنْبِيائِهم وصالِحِيهم مَسَاجد، ألَا فَلَا تَتّخِذوا الْقُبور مَسَاجد، إنِّي أنْهاكم عن ذلك)) . رواه مسلم.
والحديث أخرجه النّسائي أيضًا، وفي الباب عن عائشة عند الشّيخيْن والنّسائي، وعن أبي هريرة عند الشّيخيْن وأبي داود والنسائي، وعن ابن عبّاسٍ عند أبي داود والتّرمذي وَحَسّنه.

11.2 المواضع المنهيّ عنها والمأذون فيها للصلاة، وصلاة الفرض ...


هذا من نَاحِية أسانيد هذا الحديث وَشَواهِده.
‌ أمّا من حَيْث أحكامه، فالحديث يدلّ على تَحْريم اتّخاذ قُبور الأنبياء والصّلحاء مَساجد.
قال العلماء مُبَيِّنِين الْحِكْمة في هذا النّهي: وإنّما نَهَى النّبي صلى الله عليه و سلم، عن اتّخاذ قَبْره وقَبْر غيره مسجدًا؛ خَوْفًا من المبالغة في تَعْظيمه والافْتِتان به، وَرُبما أدّى ذلك إلى الْكُفْر، كَما جَرَى لِكثِير من الأُمَم الخالية.
ولمّا احتاجت الصّحابة } والتّابعون إلى الزِّيادة في مَسْجد رسول الله صلى الله عليه و سلم، حِين كَثُر المسلمون وامتدّت الزّيادة إلى أنْ دَخَلت بُيُوتُ أمّهات المؤمنين فيه، وفيها حُجْرة عائشة -مَدْفن رسول الله صلى الله عليه و سلم: وصاحبيْه أبي بكر وعُمر- بَنَوْا على القبر حِيطانًا مُرتفِعة مُستديرة حَوْله لِئَلّا يَظْهر في المسجد، فَيُصلِّي إليه العوامّ ويُؤدِّي إلى المحظور، ثمّ بَنَوْا جِداريْن من رُكْنَيْ القبر الشّمالِيَيْن حَرّفوهما حَتّى الْتَقَيا، حتّى لا يَتمكّن أحدٌ من اسْتِقبال القبر.
وقد رُوِي أنّ النّهي عن اتّخاذ القبور مساجد كان في مَرَض مَوْته، قبْل اليوم الذي مات فيه بِخَمْسة أيّام، وقد ذُكَر هذا في رواية الباب الّتي مَعَنا.
وقد حَمَل بَعْضهم الوعيد على مَن كان في ذلك الزّمان، لِقُرْب العهد بعبادة الأوثان، خاصة أنه قد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم : ((اللّهم لا تَجْعل قَبْري وثنًا يُعبَد)) ، ولا شكّ في أنّ دُعاءه صلى الله عليه و سلم مُسْتجابٌ -بإذن الله تعالى.
قال الإمام الشوكاني: وهذا التّقييد -يعني: قَصْر الوعيد على مَن كان في، زَمان رسول الله صلى الله عليه و سلم وصحابته، لِقُرب عَهْدهم بالأوثان- بلا َدليل؛ لأنّ التّعظيم والافْتِتان لا يختصّان بزمانٍ دون زَمان.

11.2 المواضع المنهيّ عنها والمأذون فيها للصلاة، وصلاة الفرض ...


وقد يُؤخذ من قوله: ((كانوا يَتّخذون قُبور أنْبيائهم مساجد)) في حديث الباب، وكَذلك قوله في حديث ابن عبّاس عند أبي داود والتّرمذي بلفظ: ((والمتّخِذِين عليها مَساجد)) ، أنّ مَحَلّ الذّمِّ على ذلك أنْ تُتّخذ المساجد على القبور بَعْد الدّفْن، لا لو بُني المسجد أوّلًا وجُعل القبر في جَانِبه ليُدفن فيه واقف المسجد أو غيره، فَلَيْس بِداخل في ذلك؛ لأنّ المسجد أوّلًا لم يُبْن على القبْر، كَما تَدُلّ عليه هاتان الرِّوايَتان.
قال العراقي: والظّاهر أنّه لا فَرْق -يعني: بَيْن أنْ يُبْنى المسجد على قَبْر, أو أنْ يُبْنى القبر بعد ذلك بأنْ يُجعل القبر في جانبه، وأنّه إذا بُنِي المسجد لِقَصْد أنْ يُدفن في بَعْضه أحدٌ فهو داخلٌ في اللّعْنة. ويُشير العراقي إلى رواية أُخْرَى، لأنّ الرِّواية التي مَعَنا ليس فيها اللّعن؛ فَقَد جاء في بَعْض الرِّوايات: ((لَعَن الله اليهود والنّصارى، اتّخذوا قبور أنبيائهم مَساجد)) ، قال: بَل يَحْرم الدّفن في المسجد، يَعْني: على أيّةِ حال مِن هاتيْن الحالتيْن.
واسْتَنبط البَيْضاوي من صِلة التّعظيم: جَواز اتّخاذ القبور في جِوار الصُّلحاء بِقَصْد التّبرك دُون التّعظيم.
قال الشّوكاني: "وَرُدّ ذلك بأنّ قَصْد التّبرك تَعْظيم، فَهُو لا يَسْلم مِن التّعظيم". والله تعالى أعلم.
د. الباب نفسه:
حديث أبي هريرة: ((صَلّوا في مرابض الغنَم...)) :
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ((صَلّوا في مَرابِض الغنم، ولا تُصلّوا في أعْطان الإبل)) .

11.2 المواضع المنهيّ عنها والمأذون فيها للصلاة، وصلاة الفرض ...


رواه أحمد والتّرمذي وصحّحه. وقد أشار الشّوكاني إلى مُتابعاته وَشَواهده، فقال: الحديث أخرجه أيضًا ابن ماجه، وفي الباب عن جابر بن سَمُرة عِنْد مسلم، وعن البراء عند أبي داود، وعن أنس عند الشّيخيْن.
وقوله: ((صَلّوا في مَرابض الغنم)) : "المرابض": جَمْع" مَرْبِض -بِفَتْح الميم وكَسْر الباء المُوّحدة، وآخِرُه ضَادٌ مُعْجَمة، قال الجوهري: المرابض لِلْغَنم كالمعاطن للإبل، واحدها: مَرْبِض، قال: ورُبوض الغنم والبقر والفَرَس، مِثْل بُروك الإبل وجُثوم الطّيْر.
وقوله: ((لا تُصلّوا في أعطان الإبل)) ، "الأعطان": جَمْع عَطَن، وفي بَعْض الطُّرق: مَعاطن: جَمْع مَعْطِن، قال في (النّهاية): "الْعَطَن": مَبْرك الإبل حَوْل الماء.
‌ والحديث من حَيْث أحكامه يَدلّ على: جَوَاز الصّلاة في مَرَابض الْغَنم، وعلى تَحْريمها في مَعاطن الإبل، وإليه ذَهَب أحمد بن حَنْبل، فَقال: "لا تصحُّ بحال". وقال: "مَن صَلّى في عَطَن إِبلٍ، أعاد أبدًا".
وَسُئِل مالك عَمّن لا يَجِد إلّا عَطَن إبل، قال: "لا يُصلّي فيه"، قِيل: فَإِنْ بَسَط عليه ثَوْبًا؟ قال: لا.
وقال ابن حَزم: "لا تحلّ في عَطَن إبل".
وذَهَب الجمهور إلى حَمْل النّهي على الكراهة مع عَدَم النّجاسة، وعلى التّحريم مع وُجُودها، وهذا إنّما يَتِمّ على القول بأنّ عِلّة النّهي هي النّجاسة، وذلك مُتوقفٌ على نَجاسة أبوال الإبلِ وأزبالها.

11.2 المواضع المنهيّ عنها والمأذون فيها للصلاة، وصلاة الفرض ...


قال الشّوكاني: وقَدْ عَرَفْت ما قدّمنا فيه، ولو سَلّمنا النّجاسة فيه لم يصحّ جَعْلها عِلّة؛ لأنّ العلّة لو كانت النّجاسة لَما افْتَرق الحال بين أعطانها وبين مَرابِض الغنم، إذْ لا قائل بالفَرْق بين أرواث كلٍّ من الجِنْسيْن وأبوالها، كما قال العراقي.
وأيضًا، قَد قِيل: إنّ حِكْمة النّهي: ما فيها من النّفور، وعَلّل أصحاب الشّافعي وأصحاب مالك بأنّ النّهي عن الصّلاة في مَعَاطن الإبل، أنّها رُبَما نَفَرت وهو في الصّلاة فَتُؤدّي إلى قَطْعها، أو أذًى يَحْصل له منها، أو تَشَوُّش الخاطر الْمُلهي عن الخشوع في الصّلاة.
‌ وعلَى هذا، فَيُفرّق بين كَوْن الإبل في مَعاطنها وبين غَيْبتِها عنها، إذْ يُؤمَن نُفُورها حِينئِذٍ، وَيرشد إلى صِحّة هذا: حديث ابن مُغفّل عند أحمد بإسناد صَحيح بلفظ: ((لا تصلّوا في أعطان الإبل، فإنّها خُلقت من الجنّ، ألا تَرَوْن إلى عُيونها وهَيْأتها إذا نَفَرت)) .
ويَحْسُن بِنا أنْ نَقْرأ كَلام الإمام الشافعي في هذا الموضوع، في كتابه (الأم), فَهُو يَنْحُو نَحْوًا آخَرَ مُختلفًا عن جَميع ذلك:
يقول الإمام الشّافعي، بَعْد أنْ رَوَى حديث عبد الله بن مُغفّل عن النّبي صلى الله عليه و سلم، قال: ((إذا أدْركَتْكم الصّلاة وأنتم في أعطان الإبل فاخْرُجوا منها، فَصَلّوا؛ فإنّها جِنٌّ مِن جِنٍّ خُلِقت، ألاَ تَرَوْنها إذا نَفَرت كَيْف تَشْمخ بآنافها؟ وإذا أدْرَكتْكم الصّلاة وأنتم في مُرَاح الغنم، فَصَلّوا فيها؛ فإنّها سَكِينة وَبَركة)) .
قال الشّافعي رحمه الله: وبهذا نَأْخُذ، ومعناه عِنْدنا -والله أعلم- على ما يُعْرف من مُراح الغنم وأعطان الإبل: أنّ النّاس يُرِيحون الغنم في أنْظف ما يَجِدون من الأرض؛ لأنّها تَصْلح على ذلك، والإبل تَصْلح على الدّقع من الأرض؛ فمواضعها التي تُختار من الأرض أدْقَعُها وأوْسَخُها.

11.2 المواضع المنهيّ عنها والمأذون فيها للصلاة، وصلاة الفرض ...


وفي قَوْل النّبي صلى الله عليه و سلم: ((لا تُصلّوا في أعطان الإبل، فَإنّها جِنٌّ من جِنٍّ خُلِقت)) ، دَلِيل على أنّه إنّما نَهَى عنها، كَما قال صلى الله عليه و سلم حِين نَام عن الصّلاة ، أي: في بَعْض أسفاره: ((اخْرجوا بنا مِن هذا الوادي، فإنّه وادٍ به شَيْطان)) ؛ فَكَرِه أنْ يُصلّي في قُرْب الشّيطان، فَكان يَكْره أنْ يُصلِّيَ قُرْب الإبل؛ لأنّها خُلِقت مِن جِنٍّ، لا لِنَجاسة مَوْضعها.
وقال في الغَنَم: ((هي من دَوابِّ الجنّة)) ، فَأمَرَ أنْ يُصلّى في مراحها، يعني: في الموضع الذي يَقَع عليه اسم مراحها الذي لا بَعْر فيه ولا بَوْل، وَجَدِير بالذِّكر: أنّ الإمام الشّافعي يَعْتَبر بَوْل ما يُؤْكل لَحْمه نَجِسًا.
قال: فَمَن صَلّى على مَوْضع فيه بَعْر الإبل أو الغَنَم، أو الْبَقر أو رَوْث الْخَيْل أو الحَمِير، فَعَليْه الإعادة؛ لأنّ هذا كلّه نجَسٌ، ومَن صلّى قُرْبه فَصَلاته مُجزئة عنه، وأَكْره له الصّلاة في أعْطان الإبل، وإن لّم يَكُن فيها قَذَر، لِنهْي النّبي صلى الله عليه و سلم، فإنْ صلّى أجْزأه، وعلى هذا، فالشّافعي مِمّن يقولون بالكراهة لا بالتّحْريم.
وخُلاصة كَلام الشّافعي رحمه الله: أنّ النّهي ليس نَهْي تَحْريم، وإنّما هو نَهْي كَراهةٍ أو اخْتيارٍ كما عَبّر، وأنّ النّهي إنّما لِأنّ أعطان الإبل تَكون قَذِرة لا تَصْلح لأنْ يُصلَّى عليها، كَمَكانٍ أفْضل مِن غيره، وليس الأمر كَذلك بالنّسبة لِمَرابض الغنم الّتي تُخْتار في الأماكن الصّالحة التي تَتَلاءَم مَع حَياة الغنم، والله تعالى أعلم.
قال الإمام الشّوكاني مُرَجِّحًا ما رَآه من هذه الأقوال، قال: إذا عَرَفْت هذا الاخْتلاف في العلّة، تَبَيّن لَك أنّ الحقّ في الْوُقوف على مُقْتضى النّهي وهو التّحْريم، كَما ذَهَب إليه أحمد والظّاهرية.

11.2 المواضع المنهيّ عنها والمأذون فيها للصلاة، وصلاة الفرض ...


وأمّا الأمر بالصّلاة في مَرابض الغنم، فَأمْر إباحَة ليس لِلْوُجوب.
وأمّا التّرْغيب المذكور في الأحاديث بِلَفْظ: ((فَإنّها بَرَكة)) ، فَهُو إنّما ذُكِر لِقَصْد تَبْعيدها عن حُكم الإبل، كَما وَصَف أصحاب الإبل بالغِلَظ والْقَسْوة في بَعْض الأحاديث، وَوَصف أصحاب الغنم بالسّكِيَنة في هذه الأحاديث أيضًا.
وَذَكر ابن حَزم: أنّ أحاديث النّهي عن الصّلاة في أعطان الإبل مُتَواترة بِنَقل تَواترٍ يُوجب العلم، وهو يَقْصد أنّها مُتَواتِرة الْمَعْنَى. والله تعالى أعلم.
هـ- الباب نفسه:
حديث زيد بن جبيرة: ((أنّ رسول الله صلى الله عليه و سلم، نَهَى أنْ يُصلّى في سبعة...)) :
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: عن زيد بن جُبَيْرة، عن داود بن حُصيْن، عن نافع، عن ابن عمر: ((أنّ رسول الله صلى الله عليه و سلم، نَهَى أنْ يُصلّى في سَبْعة مَواطن: في المَزْبلة، والمَجْزرة، والمَقْبرة، وقارِعَة الطّريق، وفي الحمّام، وفي أعطان الإبل، وفَوْق ظَهْر بَيْت الله)) . رواه عَبْد بن حَمِيد في "مُسنده"، وابن ماجه، والتّرمذي وقال: إسناده ليس بِذاك القوي، وقد تُكلِّم في زيد بن جُبَيْرة مِن قِبَل حِفْظه.
وقَدْ رَوَى اللّيْث بن سَعْد هذا الحديث عن عبد الله بن عُمَر العُمري، عن نافع، عن ابن عُمر، عن النّبي صلى الله عليه و سلم مِثْله، قال: وحديث ابن عُمر عن النّبي صلى الله عليه و سلم، أشْبَه وأصحّ من حديث اللّيْث بن سَعْد.
قال مجد الدين ابن تيمية: "والعُمَري ضَعّفه بَعْض أهل الْعِلَم مِن قِبَل حِفْظه".

11.2 المواضع المنهيّ عنها والمأذون فيها للصلاة، وصلاة الفرض ...


قال الإمام الشّوكاني: "الحديث في إسناد التّرمذي: زَيْد بن جُبَيْرة وهو ضَعِيف، كَما قال التّرمذي.
قال البُخاري وابن مَعِين: "زيد بن جُبَيْرة مَتْروك"، وقال النّسائي: "ليس بِثِقة". وقال الحافظ في (التّلخيص): "إنّه ضَعِيف جدًّا".
ونَفْهم مِمّا قيل في زيد بن جُبَيْرة: أنّ حَدِيثه لا يَقْوى، وأنّ حديث اللّيْث ابن سَعَدْ هو الذي يُمْكن أنْ يُصحّح، كَما صَحّحه بعض العلماء، وأنّ رواية ابن ماجه أيضًا يُمكن أنْ تُصحّح؛ لأنّ فيها ضَعْف، ولكنّ الضّعف لا يُؤدّي إلى التّرك كما قيل في زيد بن جُبَيْرة؛ ولهذا قال الإمام الشّوكاني: "صَحّح الحديث ابن السّكن وإمام الحرميْن".
‌وقوله: (( وفي الحمام )) ، المُراد بـ"الحمّام" ليس هو الحمّام الذي نَتَعارف عليه الآن، ولكنّه الحمّام الذي كان عامًّا، والذي فيه أمْكِنة مُتّسعة لِمَن يَسْتريح ولِمَن يَتَنظَّف، وغير ذلك؛ فَهو ليس مكانًا ضَيِّقًا، وأنّ الْعِلّة فيه أنّه رُبما يَكون فيه بعض الأوساخ، أو ما فيه مِنْ كَشْف العوْرات.
وقوله: ((المَزْبلة)) : من الأماكن الّتي نَهَى أنْ يُصلّى فيها، وفيها لُغتان: فَتْح الْمُوحّدة، أي: الباء، وضمّها؛ حَكاهما الجَوْهري، وهو المكان الذي يُلقى فيه الزَّبْل.
وقوله: ((والمَجْزرة)) ، بِفَتْح الزّاي: المكان الذي يُنْحر فيه الإبل، وتُذْبح فيه الْبَقر والغنم.
وقوله: ((وقَارِعة الطّريق)) ، قِيل: الْمُراد به: أعْلَى الطّريق، وقيل: صَدْره، وقيل: ما بَرَز منه.
‌ والحديث يدُلّ على: تَحْريم الصّلاة في هذه المواطن، والنّهي عن الصّلاة في في المَزْبلة والمَجْزرة، فَلِكوْنهما مَحلًّا للنّجاسة، فَتَحْرم الصّلاة فيهما من غير حائل اتّفاقًا، ومع الحائل فيه خِلاف، والحائل أنْ يُبْسط ثَوْبٌ نَظِيفٌ على المكان فَيُصلّى عَلَيْه.

11.2 المواضع المنهيّ عنها والمأذون فيها للصلاة، وصلاة الفرض ...


وقِيل: إنّ الْعِلّة في المَجْزرة: كَوْنها مَأْوَى الشّياطِين، وَكَوْنها مَأوَى الشّياطِين يَرْجع أيضًا إلى كَوْنها مَحَلًّا للنّجاسة.
وأمّا في قارعة الطّريق، فَلِما فيها من شُغْل الخاطر الْمُؤدِّي إلى ذَهاب الخُشوع الذي هو سِرُّ الصّلاة، وقيل: لأنّها مَظنّة النّجاسة، وقيل: لأنّ الصّلاة فيها شُغلٌ لحقِّ المارّ.
‌وأمّا في ظَهْر الكَعْبة، فَلأنّه إذا لم يَكن بين يديْه سُتْرة ثابتة تَسْتره لم تصحّ صلاته؛ لأنّه مُصلٍّ على البيْت لا إلى البيْت، وَذَهب الشّافعي إلى الصّحة بِشَرط أنْ يُستقَبل من بنائها قدْرَ ثُلُثَيْ ذِراع، وعند أبي حنيفة لا يُشْترط ذلك.
وقوله -يعني: قَوْل ابن تيمية- أَشْبه وأصحّ من حديث اللّيث بن سعد، يعني قوله: وحديث ابن عُمر عن النّبي صلى الله عليه و سلم، أشْبَه وأصحّ من حديث اللّيث بن سعد. وهذا القوْل ليس على ظاهره، وإنّما معناه: أنّ حديث اللّيْث هو الْأَرْجَح؛ لأنّ ابن جُبيْرة قالوا فيه: "إنّه مَتْروك"، أو "ضَعِيف جدًّا"، وَمِثْلُ هذا لا يَقْوى حَدِيثُه ولا يُصحّح، بِخِلاف حديث اللّيْث، والله تعالى أعلم.
و. "باب: الصّلاة في السّفينة":
حديث ابن عمر: ((صَلِّ فيها قائمًا...)) :
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: عن ابن عُمَر قال: سُئِل النّبي صلى الله عليه و سلم: كَيْف أُصَلِّي فِي السّفِينَة؟ قال: ((صَلِّ فيها قائمًا، إلّا أنْ تَخاف الْغَرق)) . رواه الدّارقطني والحاكم -أبو عبد الله- في "الْمُسْتدْرَك" على شرْط الصّحيحيْن.

11.2 المواضع المنهيّ عنها والمأذون فيها للصلاة، وصلاة الفرض ...


والحديث رواه الدّارقطني مِنْ طُرُق، بَعْضها عن ابن عبّاس، وَبعْضها عن ابن عُمر، وَكِلَا الحدِيثيْن من طَريق جَعْفر بن بَرْقان، عن مَيْمون بن مهران، و‌الحديث الأوّل -حديث ابن عبّاس- قال الدارقطني: حدّثنا محمّد بن هارون أبو حامد قال: حدّثنا إبراهيم بن محمّد التّيمي، قال: حدّثنا عبد الله بن داود، عن رَجُل من أهل الحديث، عن جعفر بن بَرْقان، عن ميمون بن مهران، عن ابن عبّاسٍ، بمثل حديثٍ حدّثَناه إبراهيم بن محمّد، حدّثنا ابن داود، عن رَجُل من أهل الكوفة من ثَقِيف، عن جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، عن ابن عُمر، عن جعفر: ((أنّ النّبي صلى الله عليه و سلم أَمَرَه أنْ يُصلِّيَ قائمًا، إلّا أنْ يَخْشى الْغَرق)) . قال الدّارقطني، يعني: في السّفِينة، قال: "فيه رَجُل مَجْهول".
ثمّ قال الدّارقطني: حَدّثنا علي بن عبد الله بن مُبشر، قال: حدّثنا جابر بن كُردي قال: حدّثنا حُسيْن بن علْوان الكلبي قال: حدّثنا جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، عن ابن عبّاس، قال: ((لمّا بَعث رسول الله صلى الله عليه و سلم جعفر بن أبي طالب إلى الحبشة، قال جعفر: يا رسول الله، كَيْف أصلّي في السّفينة؟ قال: صَلّ فيها قائمًا، إلّا أنْ تَخاف الْغَرَق)) .
قال الدّارقطني: حُسيْن بن علوان متروك، ثُمّ قال الدارقطني: حدّثنا محمّد بن موسى بن سَهل من أصله, قال: حدّثنا بشر بن فافا, قال: حدّثنا أبو نعيم، قال: حدّثنا جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، عن ابن عُمَر: ((سُئل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الصّلاة في السّفينة، قال: صَلِّ قائمًا، إلّا أنْ تَخاف الغَرَق)) .
هكذا رواه الدّارقطني من هذه الطُّرق.

11.2 المواضع المنهيّ عنها والمأذون فيها للصلاة، وصلاة الفرض ...


قال صاحب (التّعليق المغني): وأخرج سعيد بن منصور في "سُنَنِه"، عن عبد الله ابن أبي عُتْبة، قال: صَحِبْت جابر بن عبد الله، وأبا سعيد الخدري، وأبا هريرة في سَفِينة، فَصَلّوْا قِيامًا في جَماعة، أمّهُم بَعْضُهم، وهم يَقْدرون على الجُدّ.
وهذه الأحاديث تدل أنّ على مَنْ يُصلّي في السّفينة: القيام، ولا يَجُوز له الْقُعود إلّا عند خَشْية الغرق، وقوله: وهم يَقْدرون على الجُدّ -بِضَمّ الجيم وتَشْديد الدّال- هو شَاطِئ البحر، والمراد أنّهم يَقْدرون على الصّلاة في البرّ، وقَدْ صحّت صَلاتهم في السّفينة مع اضْطِرابها.
‌ وفِيه: جواز الصّلاة في السّفينة وإنْ كان الخروج إلى البرّ مُمكنًا، وفيه -أي: في هذا الحديث الذي هو عن جماعة من الصّحابة أنّهم صلّوْا في السّفينة-: دَليل على صِحّة الصّلاة على المركب، وإنْ كانت الصّلاة عليه في حالة السّيْر والتّحرك والاضْطراب، لكنْ لا بُدّ لِلْمُصلّي من الصّلاة عليه قائمًا لا قاعدًا، إلّا من عُذْرٍ كما في السّفينة.
أما من حيث أحكام هذا الحديث: فالحديث يدلّ على وُجوب الصّلاة من قيامٍ في السّفينة، ولا يجوز القعود إلّا لِعُذر مَخافة غَرَقٍ أو غيره؛ لأنّ مَخَافة الغَرَق تَنْفي عنه الاستطاعة، وقد قال الله تعالى)فاتّقُوا الله ما اسْتطعْتُمْ ( [التّغابن: 16]. وَثَبت من حديث ابن عبّاس: ((إذا أُمِرْتم بأمْر فَأْتُوا مِنْه ما اسْتطعْتُم)) .
وأخْرَج البزار والبيهقي في (المعرفة) مِن حديث جابر مرفوعًا بلفظ: ((صلِّ على الأرض إنِ اسْتطعت، وإلّا فأوْمِئْ إيماءً، واجْعل سُجودَك أخْفَض مِن رُكُوعِك)) . قال أبو حاتم: "الصّواب أنّه مَوْقوفٌ، ورفْعه خَطأ".

11.2 المواضع المنهيّ عنها والمأذون فيها للصلاة، وصلاة الفرض ...


وأيًّا ما كان الأمْر، فَيُستأنس بحديث ابن عُمر هذا مع مَن صَحّحه من الحاكم ووافقه الذّهبي على تَصْحيحه، وما يُضمّ إلى ذلك مِنْ فِعْل بَعْض الصّحابة -رضوان الله عليهم- كُلّ هذا يُقوِّي الصّلاة على السّفينة، سَواءٌ صلَّى قائمًا إنِ اسْتطاع، فإن لّم يَسْتطع فقاعدًا،والله تعالى أعلم.
ز." باب: صلاة الفرض على الرّاحلة لعذر":
حديث يعلى بن مرّة:‌
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: عن يَعْلَى بن مرّة: ((أنّ النّبي صلى الله عليه و سلم انْتَهى إلى مَضيقٍ هو وأصحابه، وهو على راحلته، والسّماء مِنْ فَوْقهم، والبِلَّة مِنْ أسفل منهم، فَحَضَرت الصّلاة، فَأمَر المؤّذِن فأذّن وأقام، ثمّ تقدّم رسول الله صلى الله عليه و سلم على راحلته، فَصَلّى بهم يُومئ إِيماءً، يَجْعل السُّجود أخْفَض من الرّكوع)) . رواه أحمد والتّرمذي.
قال الإمام الشّوكاني رحمه الله: الحديث أخرجه أيضًا النّسائي والدّارقطني، وقال التّرمذي: حَدِيث غَرِيب تَفرّد به عمْرو بن الرّياح، وثَبت ذلك عن أنسٍ مِنْ فِعْله.
ولكن يُعارض هذا حديث عامر بن ربيعة الآتي، ولفظه كما ذَكره الإمام ابن تيمية، عن عامر بن ربيعة قال: ((رأيتُ رسول الله صلى الله عليه و سلم، وهو على راحلته يُسبِّح، يُومئ برأسه قِبَل أيِّ وِجْهة تَوجّه، ولم يَكن يَصْنع ذلك في الصّلاة المكتوبة)) . متّفق عليه، ولكن هذا الحديث يُمكن أنْ يُؤوّل، وَيُجمع بين هذا وذاك كَما سَنرى، إن شاء الله تعالى.

11.2 المواضع المنهيّ عنها والمأذون فيها للصلاة، وصلاة الفرض ...


وَقَدْ صَحّح الشّافعي الصّلاة المفروضة على الرّاحلة بالشّروط التي ستأتي، وَحَكى النّووي في (شَرْح مسلم)، والحافظ في "الْفَتْح": الإجماع على عَدَم جَواز تَرْك الاستقبال في الفريضة، وهذا ما يدلّ عليه هذا الحديث؛ فليس فيه: أنّ الرّاحلة كانت تَتَوجّه إلى أية وِجْهة، فَرُبما وَقَف وَصَلّى بهم وهو واقف مُتّجهًا إلى القبلة، فَليْس في هذا الحديث ما يَتَعارض مع استقبال القِبْلة.
قال الحافظ: لَكنْ رُخِّص في شِدّة الخوف، يعني: تَجُوز الصّلاة على الرّاحلة في الفريضة أينما كانت وِجْهتُها في شدّة الخوف، وَحَكى النّووي أيضًا: الإجماع على عَدَم صَلاة الفريضة على الدّابة، قال: فَلَوْ أمْكنه استقبال القبلة والقيام والرّكوع والسّجود على دابةٍ واقفةً عليها هَوْدج، يعني: يُمكّنه من ذلك أو نَحْوه، جَازت الفريضة، على الصّحيح من مَذْهبنا، فَإنْ كانت سائرة، لم تَصحّ، على الصّحيح المنصوص للشّافعي.
‌ قال الإمام الشّوكاني: والحديث يدلّ على جَواز صَلاة الفريضة على الرّاحلة، ولا دَليل يدلّ على اعتبار تِلْك الشّروط إلّا عموماتٌ يَصْلحُ هذا الحديث لِتَخْصيصها، وليس في الحديث إلّا ذِكْر عُذْر المطر وَندَاوة الأرض؛ فالظّاهر صِحّة الفريضة على الرّاحلة في السّفر لِمَن حَصَل له مِثْل هذا الْعُذْر، وإن لّم يَكُن في هَوْدج، إلّا أنْ يَمْنع من ذلك إجماعٌ، ولا إجماع.
وقوله: ((والسّماء مِنْ فَوْقهم)) ، المراد بالسّماء هُنا: المطر، قال الشّاعر:
إذا نَزَل السّماءُ بأرضِ قَوْم      رَعَيْناه وإنْ كانوا غِضابَ

قال الجوْهري: يُقال: "ما زِلْنا نَطَأ في السّماء حتّى أتَيْناكم"، يعني: ما زِلْنا نَطَأ في المطر حَتّى أتَيْناكم.

11.2 المواضع المنهيّ عنها والمأذون فيها للصلاة، وصلاة الفرض ...


قوله: ((والبِلّة مِنْ تَحْتِنا)) -بِكسْر الباء الموحّدة، وَتشْديد اللّام، قال الجوهري: ((البلّة)) بالكسر: النّداوة. قال المصنِّف رحمه الله وهو مجد الدّين ابن تيمية: وإنّما ثَبَتَت الرُّخصة إذا كان الضّرر بذلك بيِّنًا، فأمّا اليسير فَلا. رَوَى أبو سعيد الخُدْري قال: ((رَأيْت رسول الله صلى الله عليه و سلم يَسْجد في الماء والطِّين, حَتّى رَأيْت أَثَر الطِّين في جبْهتِه)) . مُتّفق عليه.
قُول الشّافعي في (الأم): ولا يَجوز في صلاةٍ مَكْتوبة اسْتقْبال غَيْر القبلة، إلّا عند إطلال العدوّ على المسلمِين، وذلك عند الْمُسايفة وما أشبهها.
هذه هي الشّروط التي وضَعها, وَدُنوّ الزّحْف من الزّحف، فَيجُوز أنْ يُصلّواالصّلاة في ذلك الوقت رجالًا وَرُكْبانًا، فإنْ قَدروا على اسْتقبال القبلة، صَلّوْا مُسْتقبِلِي القبلة حَيْث يَقْدرون، وإن لّم يَقْدروا على رُكوع ولا سُجود, وأوْمَئوا إيماءً، وكذلك إنْ طَلَبهم الْعَدُوُّ فَأطَلُّوا عَليْهم، صَلّوْا مُتوجِّهِين على دَوابِّهم، يُومِئُون إِيمَاءً.
ولا يَجُوز لهم في واحد مِنَ الحاليْن أنْ يُصلّوا على غير وُضوء ولا تَيمُّم, ولا يَنْقصون من عَدَد الصّلاة شَيْئًا.
ويَجُوز لهم أنْ يُصلُّوا بِتيمُّم وإن كان الماء قَريبًا؛ لأنّه مَحُولٌ بَيْنهم وبيْن الماء، وَسَواء أيّ عَدُوٍّ أطلّ عليهم, أكفّار أمْ لُصوص أم أهل بَغْي أم سِباع أم فُحول إبِل؛ لأنّ ذلك يُخاف إتْلافه.
ثمّ قال: ودلّت سنّة رسول الله صلى الله عليه و سلم على أنّ لِلْمُسافر إذا تَطوّع راكبًا أنْ يُصلّي راكبًا حَيْث تَوجّه، قال: وإذا كان الرّجل مُسافرًا متطوّعًا راكبًا، صَلّى النّوافل حَيْث توجَّهت به راحلته، وصلّاها على أيّ دابّة قَدَر على رُكوبها، حمارًا أو بعيرًا أو غيره، وإذا أراد الرّكوع أو السّجود، أوْمَأ إيماءً، وَجَعَل السّجود أخْفَض من الرّكوع.

11.2 المواضع المنهيّ عنها والمأذون فيها للصلاة، وصلاة الفرض ...


وَليْس له أنْ يُصلّي إلى غَيْر القبلة، مُسافرًا ولا مقيمًا، إذا كان غير خائف، صلاةً وَجَبت عليه بحال، مَكْتوبة في وَقْتها أو فائتة أو صلاةَ نَذْر, أو صلاةَ طَوافٍ أو صلاةً على جنازة.
ثُمّ رَوَى عن مالك عن عبد الله بن دينار, عن ابن عُمَر قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يُصلّي على راحلته في السّفر حَيْثما تَوَجّهت به)) .
وَرَوَى عن مالك أيضًا عن عمر بن يَحْيى، عن أبي الْحُباب سعيد بن يَسار, عن ابن عمر أنّه قال: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يُصلّي على حِمارٍ وهو مُتوجِّهٌ إلى خَيْبر)) .
قال الشّافعي رحمه الله بَعْد رواية هذا الحديث والذي قَبْله, يعني: في النّوافل؛ لِيُبيِّن أنّ الرّوايات التي جاءت غير مُقيّدة إنّما هي مُقيّدة بالنّوافل.
ثُمّ قال: أخبرنا عبد المجيد عن ابن جُرَيْج, قال أخبرني أبو الزّبير أنّه سَمِع جابرًا يقول: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو يُصلّي وهو على رَاحلتِه، النّوافل في كُلِّ جِهَة)) .
ثمّ قال: أخبرنا محمّد بن إسماعيل، عن ابن أبي ذِئْب, عن عُثمان بن عبد الله ابن سُراقة, عن جابر: ((أنّ النّبي صلى الله عليه و سلم فِي غَزْوة بَنِي أنْمار كان يُصلّي على راحلته، مُتوجِّهًا قِبَل الْمَشْرق)) .
‌ ثُمّ قال: وَسُجود القرآن والشُّكر والْوِتْر وَرَكْعتا الفجر نَافلةً, فَلِلرّاكب أنْ يُومئ به إيماءً، وعلى الماشِي أنْ يَسْجُد به إذا أراد السّجود، وهذه كُلُّها لَيْست من الفريضة في شَيْء.

11.2 المواضع المنهيّ عنها والمأذون فيها للصلاة، وصلاة الفرض ...


فَمِن هذا تَبَيّن لنا أنّ هذه هي الشّروط التي اشترطها الإمام الشّافعي, وهو أنْ تَكون هذه الصّلاة في خَوْف لا يَسْتطيع مَعَها أنْ يَنْزل عن راحلته، ولا يَسْتطيع أنْ يَتوجّه إلى القبلة؛ لأنّه تجاه العدوّ، والله تعالى أعلم.
وقال الإمام ابن تيمية: إنّما ثَبَتَت الرُّخصة إذا كان الضّرَر بذلك بَيِّنًا، فأمّا الْيَسِير فَلا.
‌ رَوَى أبو سعيد الخدري قال: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يَسْجد في الماء والطِّين، حَتّى رأيت أَثَر الطِّين في جَبْهته)) . مُتّفق عليه.
وَحِديث أبي سَعِيد سَيأتي بِطُوله في باب: الاجتهاد في العشر الأواخر، من كتاب: الاعتكاف.
فَهُو في عَلامات لَيْلة القدر في العشر الأواخر، واسْتِدْلالُ المصنِّف على تَقْيِيده لِجَواز الفريضة على الرّاحلة بالضّرر البيِّن بحديث أبي سعيد غير مُتَّجه، هذا ما قاله الشّوكاني، وَسُجوده على الماء والطِّين كان في الْحَضَر، وَكَان صلى الله عليه و سلم مُعْتكفًا، على أنّه لا نِزاع أنّ السُّجود على الأرض مَعَ المطر عَزِيمة, فَلَا يَكُون صالحًا لِتَقْيِيد هذه الرُّخْصة؛ لأنّه مَعَ الرُّخْصة يَجُوز ذَلِك.
ح. الباب نفسه:
حديث عامر بن ربيعة:
يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله: عن عامر بن ربيعة قال: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو على راحلته يُسبِّح، يُومئ برأسه قِبل أيِّ جِهَة تَوَجَّه، ولم يَكُن يَصْنع ذلك في الصّلاة المكتوبة)) . متّفق عليه.

11.2 المواضع المنهيّ عنها والمأذون فيها للصلاة، وصلاة الفرض ...


أمّا منِ ْحَيْث أحكام الحديث، فالحديث يدلّ على: جَواز التّطوع على الرّاحلة لِلْمُسافر قِبَل جِهَة مَقْصده؛ وهو إجماعٌ كَما قال النّووي، والعراقيُّ، والحافظ ابن حجر، وغيرهم...
وإنّما الْخِلاف في جَواز ذلك في الحضَر، فَجَوّزه أبو يُوسف، وأبو سَعيدٍ الإصْطَخْري من أصحاب الشّافعي، وأهل الظّاهر.
قال ابن حَزْم: وقد رَوَيْنا عن وَكيعٍ، عن سُفْيان، عن مَنْصور بن الْمُعتمِر, عن إبراهيم النّخعي, قال: ((كانوا يُصلّون على رِحالهم ودوابِّهم حَيْثُما تَوَجَّهت)) .
قال -أي: ابن حزم-: "وهذه حِكاية عن الصّحابةٍ والتّابعين } عُمومًا في الْحَضر والسّفر"، قال النّووي: "وهو مَحْكي عن أنس بن مالك".
قال العراقي: اسْتَدلّ مَنْ ذَهَب إلى ذلك بِعُموم الأحاديث التي لَمْ يُصرَّح فيها بِذِكْر السّفر وهو ماشٍ, على قاعدتهم في أنَّه لا يُحْمل الْمُطْلق على الْمُقيّد؛ وعلى ذلك يُعْمل بالمقيَّد دُون الْمُطْلق.
قال الشّوكاني: وهو ماشٍ على قاعدتهم في أنّه لا يُحْمل الْمُطلق على المقيّد بل يُعْمل بكلٍّ منهما، فأمّا مَن يَحْمل المطلَق على المقيَّد فَيَعْمل بالمقيَّد فقط، وهو هُنا التّقَيِيد بالسّفر، والذين يَقولون بذلك هُم جُمْهور العلماء، فَحَمَل الرّوايات المُطْلقة على المُقَيّدة بالسّفر. انتهى كلام العراقي.
وَظَاهر الأحاديث الْمُقيّدة بالسّفر: عَدَم الفَرْق بَيْن السّفر الطّويل والقصير؛ وإليه ذَهَب: الشّافعي وَجُمهور الْعُلماء، وَذَهب مالك إلى: أنّه لا يَجُوز إلّا في سَفَرٍ تَقْصر فيه الصّلاة.

11.2 المواضع المنهيّ عنها والمأذون فيها للصلاة، وصلاة الفرض ...


ويدلّ لِما قالوه: ما في روايةِ رَزينٍ، من حديث جابر بزيادة: ((في سَفَر القصر)) ، يعني: قَيّده هُنا بِسَفر القصر، فإنْ صَحّت هذه الزّيادة، وَجَب حَمْل ما أطْلَقتْه الأحاديث عَلَيْها.
‌ وَظاهر الأحاديث: أنّ الجواز مُختصٌّ بالرّاكب؛ وإليه ذَهَب أهل الظّاهر، وأبو حَنِيفة وأحمد.
وقال الأوزاعي والشّافعي: إنّه يجوز للرّاجل، قال المهدي في (البحر): "وهو قياس المذهب"، واسْتَدلّوا بالقياس على الرّاكب، فَما يَجُوز للرّاكبِ يجوز للماشي؛ لأنّ الْعُذر واحد؛ ولأنّ الرُّخصة واحدة، ولا فَرْق بَيْنهما.
وَظَاهر الأحاديث: اخْتِصاص ذلك بالنّافلة كَما صَرَّح في حديث الباب، وغيره بأنّه صلى الله عليه و سلم لم يَكُن يَفْعل ذلك في المكتوبة، وقد تَقّدّم الْخِلاف في ذلك في الحديث الذي قَبْل هذا، وَنَفَى هُنا فِعْل ذلك في الْمَكْتوبة.
وهذا، وإنْ كان ثابتًا في "الصّحيحيْن" وغيرهما, لكن غاية ما فيه: أنَّه أخبرنا النّافي بما عَلِم- يعني: بما عَلِم عن رسول الله صلى الله عليه و سلم، أنّه لم يَكُن يَفْعل ذلك في المكتوبة- وَعَدم عِلْمه بذلكَ لا يَسْتلزم العدم؛ لأنّه قد يَكون فَعَله رسول الله صلى الله عليه و سلم, لكِنْ لم يَصِل عِلْمُه إلى الذي نَفَى.
قال الإمام الشوكاني: فالواجب عَليْنا العمل بِخَبر من أخبرنا بشرعٍ لم يَعْلمه غيره، أي: الواجب علينا أن نعملَ بكوْنِ جَواز الصّلاة على النّافلة في الفريضة هُنا؛ لأنّ الذي نَفَى لا يُحتِّم عَليْنا أن نّفْعل بِنَفْيه، بل نَفْعل بِخبر من أخبرنا إذا ثَبَت ذلك عِنْدنا؛ لأنّ مَنْ عَلِم حُجّة على مَنْ لم يَعْلم.

11.2 المواضع المنهيّ عنها والمأذون فيها للصلاة، وصلاة الفرض ...


قال الإمام الشّوكاني: وكثيرًا ما يرجِّح أهل الحديث ما في "الصّحيحيْن" كما في هذا الحديث مثلًا، على ما في غَيْرهما في مثل هذه الصّورة؛ وهو غلطٌ أوْقَع في مِثْله الجمود. فَلْيكُن مِنْك هذا على ذُكر، والله تعالى أعلم.
‌ وقوله: ((يُسبِّح)) ، أيْ: يَتَنفَّل، يعني قَوْله: يُسبّح على الرّاحلة، أيْ: يَتَنَفّل ويُصلّي على الرّاحلة، و"السُّبحة"، بِضمِّ السّين وإسكان الباء: النّافلة؛ قاله النّووي.
وإطْلاق التّسبيح على النّافلة: مَجَاز مُرْسل عَلاقَتُه الجزئية والكليّة، يعني: أطلَقَ التّسبيح وهو جُزْء من الصّلاة، على الكلِّ وهو الصّلاة، أو العلاقة اللّزوم؛ لأنّ الصّلاة الْمُخْلِصة يَلْزمها التّنْزيه، أو الصّلاة يَلْزمها التّسبيح كَما نَعْلم في الرُّكوع وفي السُّجود.