11.1 اجتناب النجاسة، حمل المحدث والمستجمر في الصلاة، والصلاة ...


حديث جابر بن سَمُرة: "أصلّي في الثَوْب...؟":
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: عن جابر بن سَمُرة قال: ((سَمِعْت رجلًا سَأل النّبي صلى الله عليه و سلم، قال: أُصَلّي في الثّوب الذي آتِي فيه أهلي؟، قال: نَعَم، إلّا أنْ تَرَى فيه شيئًا فَتَغْسله)) ، رواه أحمد وابن ماجه.
وعن مُعاوية قال: قُلْت لأمّ حَبِيبة: ((هَل كان يُصلِّي النّبي صلى الله عليه و سلم ، في الثّوب الذي يُجامِع فيه؟، قالت: نعَم، إذا لم يَكُن فيه أذًى)) ، رواه الخمسة إلّا الترمذي.
قال الإمام الشوكاني رحمه الله: حديث جابر بن سَمُرة، يَدل على تَجنّب المُصلّي للثّوب المتنجِّس، وهل طهارة ثوب المُصلّي شَرْط لِصِحّة الصّلاة، أم لا؟ فَذَهب الأكثر إلى أنّها شرط في صِحّة الصلاة، ورُوي عن ابن مسعودٍ، وابن عباسٍ, أنّها ليست بواجبة، ونَقل صاحب (النّهاية)، عن مالك قوليْن: أحدُهُما: إزالة النّجاسة سُنّة، وثانِيهما: أنّها فرْضٌ مع الذِّكر - يعني: بهذه النّجاسة- ساقطة مَعَ النّسيان؛ فلا يُعيد الصّلاة إذا صَلّى بها وهو نَاسٍ.
ومن أدلّة الجمهور أيضًا على شّرطية طَهارة الثّوب والبَدَن في صحّة الصّلاة: حديث أبي هريرة مَرْفوعًا بلفظ: "تُعاد الصّلاة من قَدْر الدِّرهم مِنَ الدّم".
وهذا الحديث لو صَحّ لكان صالحًا للاسْتدْلال به على الشّرطيّة المدّعاة، لكنّه غير صَحِيحٍ، بل باطل؛ لأنّ في إسناده: روْح بن غطيف، وهو "ضعيف"، قال البخاري: "حديث باطل".

11.1 اجتناب النجاسة، حمل المحدث والمستجمر في الصلاة، والصلاة ...


قال: ومِن فوائد حَدِيثَيْ الباب: أنّه لا يَجِب العمل بِمُقْتضى المَظنّة؛ فَفِي حديث جابر وفي حديث معاوية أنّ الثّوب الذي يُجامِع المَرْء فيه أهْله قد يُظَنّ أنّ فيه بعض النّجاسة، ولكنّ هذا الظّنّ لا يَجِب العمل به.
إذ الواجب العمل بالْيَقِين دُون الْمَظنّة، والعَمَلُ باليقِين مَعْناه: أنّه يَتيقّن أنّ فيه شَيْئًا, يعني: يَرَى فيه شَيئًا من النّجاسة.
‌ ومِن الفوائد أيضًا: طَهارة رُطوبة فَرْج المرأة؛ لأنه لم يَذْكر هُنا أنّه كان يَغْسل ثَوْبه من الجِماع قَبْل أنْ يُصلّي، ولو غَسَله لَنُقل عنه صلى الله عليه و سلم ، ومِن المعلوم أنّ الذّكر يَخْرج عليه رُطُوبة مِن فرْج المَرْأة. انتهى .
أ. الباب نفسه:
حديث أبي سعيد: ((أنّه صلى الله عليه و سلم صلّى فَخَلع نعْليْه...)) :
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: عن أبي سعيدٍ، عن النّبي صلى الله عليه و سلم: ((أنّه صلّى فَخَلعَ نعْليْه، فَخَلع النّاس نِعالهم، فلمّا انْصَرف, قال لهم: لِمَ خَلَعْتم؟، قالوا: رأيناك خَلَعْتَ فَخلعْنا، فقال: إنّ جِبْريل أتاني فأخْبرِني أنّ بِهِما خَبثًا، فإذا جاء أحَدُكم المسجد فلْيقْلب نعْليْه ولْينْظر فيهما، فإنْ رَأى خَبَثًا، فَلْيمْسحْه بالأرض، ثمّ لْيُصلِّ فيهما)) . رواه أحمد وأبو داود.
الحديث أخرجه أيضًا: الحاكم، وابن خُزيْمة، وابن حبّان، ومعنى ذلك: أنّه صَحيح عندهم.
قوله: ((فأخْبَرني)) ، يعني: جبريل, أتاني فأخْبَرني أنّ بهما خَبثًا.

11.1 اجتناب النجاسة، حمل المحدث والمستجمر في الصلاة، والصلاة ...


فيه: جَواز تَكْليم المُصلّي، وإعلامه بما يَتعلّق بمصالح الصّلاة.
وفيه أيضًا، في قوله: ((أتاني جبريل فأخْبرني)) ، فيه: أنّه لا يجوز تَأخِير البيان عن وَقْت الحاجة؛ لأنّه أخبره مُباشرة وهو في الصّلاة.
وقوله: ((خَبَثًا)) ، في رواية أبي داود: ((قَذَرًا)) ، وهو ما تَكْرهه الطّبيعة من نَجاسة, وغير نَجاسة من مُخاط ومَنِيّ وغير ذلك, على اختلاف في المنيّ.
قال المصنِّف ابن تيمية رحمه الله، بعد أنْ ساق الحديث، ما لفظه: وفيه أنّ دَلْك النِّعال يُجْزئ في طَهارتها لو كان فيها شَيْء من النّجاسة؛ لأنّه قال: ((فإنْ رَأى خبثًا فَلْيمْسحْه بالأرض، ثمّ ليصلِّ فيهما)) . فَدَلْك النِّعال على هذا يُجْزئ, كما ذَكَر صلى الله عليه و سلم ، أو كَما يُفْهم من قوله صلى الله عليه و سلم .
قال الإمام ابن تيمية أيضًا: أنّ الأصل أنّ أمّته صلى الله عليه و سلم أُسْوته في الأحكام, يعني: يَقْتدون به في الأحكام, وأنّ الصّلاة في النّعليْن لا تُكْره، وأنّ الْعَمل الْيَسير مَعْفُوٌّ عنه. انتهى.
فَرسول الله صلى الله عليه و سلم خَلَع نَعْليْه وهو في الصّلاة, ثمّ اسْتَمرّ في صلاته؛ فهذا عَمَل يَسِير مَعْفُوٌّ عنه.
قال الإمام الشوكاني، مُعقِّبًا على اسْتِنْباط المُصنِّف هذا قد تَقَدّم الكلام على أنّ دَلْك النِّعال مُطهِّر لها في أبواب تَطْهير النّجاسة، وأمّا أنّ أمّته أُسْوته فهو الحق, وفيه خِلاف في الأصل مشهور.

11.1 اجتناب النجاسة، حمل المحدث والمستجمر في الصلاة، والصلاة ...


ومن فوائد الحديث جَواز الْمشْيِ إلى المسجد بالنّعل، مع مُراعاة ما كانت عليه المساجد قَبْل ذلك، وما هي عليه الآن. والله تعالى أعلم.
"باب: حمل المُحدِث والمُسْتجْمِر في الصّلاة":
حديث أبي قتادة:
‌ قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: عن أبي قتادة: ((أنّ رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يُصَلِّي وهو حاملٌ أُمامة بِنْتَ زَيْنَب، فإذا رَكَع وَضَعها، وإذا قام حَمَلها)) . مُتّفق عليه.
‌ قوله: ((وهو حاملٌ أُمامة)) ، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: المشهور في الرّوايات: التّنْوِين، ونَصْب ((أمامة)) ، كما قَرَأنا.
وزاد عبد الرّزاق عن مالك بإسناد حديث الباب: ((على عاتِقِه)) أي: وهو حامل أمامة بِنْت زَيْنب على عاتقه.
و ((أُمامةُ)) بضَمِّ الهَمْزة وتَخْفيف الْمِيميْن, كانت صَغِيرة على عَهْد رسول الله صلى الله عليه و سلم ، وتَزوّجها عليّ بعد مَوْت فاطمة، بِوَصيَةٍ منها، أي: من فاطمة } أجمعين.
وقوله: ((فإذا رَكَع وَضَعها، وإذا قام حَمَلها)) .
وهذا صَريح في أنّ فِعْل الحَمْل والوَضْع كان منه صلى الله عليه و سلم وليس من زَيْنب، وهو يردّ تَأويل الخطّابي حَيْث قال: يُشْبه أنْ تَكون الصّبية قَدْ أَلِفَتْه، فَإذا سَجَدَ تَعَلّقت بِأطْرافه والْتَزَمتْه، فَيِنْهض من سُجوده فَتَبْقى مَحْمولة كذلك إلى أنْ يَرْكع فَيُرْسِلها.

11.1 اجتناب النجاسة، حمل المحدث والمستجمر في الصلاة، والصلاة ...


فالحديث يَدلُّ على أنّ مِثْل هذا الفِعْل مَعْفوٌّ عنه، من غير فرقٍ بين الفريضة والنّافلة، والمُنْفرد والمُؤْتمّ والإمام.
أو نَقُول: إنّ مِثْل هذا الْفِعْل يُخصِّص ما وَرَد مِن أنّ العمل الكثير يُبْطل الصّلاة لِمَن يقول بذلك.
وقال القاضي عياض: إنّ ذلك كان من خصائصه صلى الله عليه و سلم ، ورُدّ هذا بأنّ الأصل عدمُ الاخْتصاص.
قال النّووي بعد أنْ ذَكَر هذه التّأويلات: "وكلّ ذلك دَعاوٍ باطلةٌ مَرْدودةٌ لا دَلِيل عليها؛ لأنّ الآَدَمِيَّ طاهر، وما في جَوْفه معْفوٌّ عنه، وثِياب الأطفال وأجسادهم مَحْمولة على الطّهارة حتّى تَتَبَيّن النّجاسة، والأعمال في الصّلاة لا تُبْطِلها إذا قلّت أو تَفرّقت.
قال الحافظ: وحَمَل أكثر أهل العِلْم هذا الحديث على أنّه عَملٌ غير مُتوالٍ، لِوُجود الطّمأنِينَة في أركان الصّلاة، وخاصّةً منه صلى الله عليه و سلم.
‌ ومن فوائد الحديث: جَواز إدخال الصّبيان في المسجِد، وأنّ مَسّ الصّغيرة لا ينْتقِض به الوُضوء، والله تعالى أعلم.
وأنّ الظّاهر، طَهارة ثِياب مَن لا يَحْترز من النّجاسة كالأطفال، وقال ابن دَقِيق العيد: يُحتمل أنْ يكون ذلك وَقَع حال التّنْظِيف؛ لأنّ حِكايات الأحوال لا عُمُوم لها، يعني: هذه حالة لا ينْبغي أنْ تُطبّق على عُموم الأحوال؛ وهو حَمْل الصّغيرةِ بدون النّظر إلى ما إذا كان في ثِيابها نَجاسة أو غير نَجاسة.
جـ. الباب نفسه:
‌ حديث أبي هريرة: ((كنّا نُصلِّي مع النبي...)) : ‌‌

11.1 اجتناب النجاسة، حمل المحدث والمستجمر في الصلاة، والصلاة ...


عن أبي هريرة > قال: ((كُنّا نُصلِّي مع النّبي صلى الله عليه و سلم العشاء، فإذا سَجَد وَثب الحسن والحُسيْن على ظَهْره، فإذا رَفَع رأسه أخَذَهما مِنْ خَلْفِه أخذًا رفيقًا, ويَضَعُهما على الأرْض. فإذا عادَ عادَا حتّى قَضَى صَلاته، ثمّ أقْعد أحَدهُما على فَخِذيْه، قال: فَقُمت إليه فَقُلت: يا رسول الله، أرُدّهما؟ فَبَرقت بَرْقةٌ فقال لهما: اِلْحَقَا بأمِّكُما، فَمَكث ضَوْؤها حتّى دخلا)) . رواه أحمد.
وهذا الحديث، على الرّغم من أنّه ضَعيف، إلّا أنّ العَمَل فيه ليس كالعمل في الحديث السّابق، فإذا كنّا قد بَيّنا أنّ في الحديث السّابق أنّ الرّسول صلى الله عليه و سلم , كان يَرْفع أمامة ويَضعُها، فَهُنا كان الحسن والحسيْن هُما اللّذان يَرْتفِعان على ظَهْره الشّريف صلى الله عليه و سلم.
وفقط يَضعُهما رسول الله صلى الله عليه و سلم, حِين يَرْفع رأسه من السّجود؛ فالْعَمل أقلّ من العمل في الحديث السّابق.
الحديث رواه الإمام أحمد، والحديث أيضًا أخرجه ابن عَسَاكر، وفي إسناد الإمام أحمد: كامل بن العلاء، وفيه مَقال معروف.
‌ وهو يدلّ على أنّ مِثْل هذا الفعل الّذي وَقَع منه صلى الله عليه و سلم ,في أخْذِ الحسن والحُسيْن أخذًا رفيقًا، وَوَضْعِهما على الأرض، هذا الْفِعل الذي وَقَع منه صلى الله عليه و سلم غَيْر مُفْسِدٍ للصّلاة.
وفيه: التّصريح بأنّ ذلك كان في الفريضة؛ لأنّه قال: ((كُنا نُصلّي مع النّبي صلى الله عليه و سلم العشاء)) . فَفِيه التّصريح بأنّ ذلك كان في الفريضة، وقد تقدّم الكلام في شَرْح الحديث الذي قَبْل هذا الذي انْتهيْنا منه مُنْذ بُرْهة قَلِيلة.

11.1 اجتناب النجاسة، حمل المحدث والمستجمر في الصلاة، والصلاة ...


وفي الحديث أيضًا: جَواز إدْخال الصِّبْيان المساجد.
وقد أخْرَج الطبراني من حديث مُعاذ بن جَبَل قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: "جَنِّبوا مَساجدَكم صِبْيانكم، وخُصوماتِكم، وحُدودَكم، وشِراءكم وبيْعَكم، جَمّروها يَوْم جُمعِكم، واجْعَلوا على أبوابها مَطاهِرَكم"، ولكنّ الرّاويَ لَه عن معاذ: مكحول، وهو لم يَسْمع من معاذ، يعني: أنّه منْقطع.
وأخرج ابن ماجه من حديث واثلة بن الأسْقع: أنّ النّبي صلى الله عليه و سلم قال: "جَنِّبوا مَساجدَكم صِبْيانَكم, ومَجَانِينَكم، وشِراءَكم, وبيْعَكم، وخُصوماتِكم, ورَفْعَ أصواتِكُم، وإقامةَ حُدودكم, وسَلّ سُيوفِكم، واتّخذوا على أبوابها الْمَطاهر، وجَمّروها في الجُمَع"، وفي إسناده: الحارث بن شِهاب، وهو ضعيف.
والرّسول صلى الله عليه و سلم يأمرُ بِتَجْنِيب المساجد كلّ هذا؛ لأنّها كما قال صلى الله عليه و سلم : ((إنّ المساجد لا تَصْلح إلّا لِذِكْر الله, وإقام الصّلاة، وقِراءة الْقُرْآن)) .
وفي هذه الأمور تَشْويش على المُصلّين، وإخراجٌ للمساجدِ عن وَظِيفَتها، على كلّ حال، فَفِي إسناد هذا الحديث الحارث بن شهاب وهو ضعيف، والحديث الآخَر أيضًا ضَعيف؛ لأنّه مُنْقطع، فالحدِيثان ضعِيفان.
وقد عارض هذيْن الحدِيثَيْن الضّعِيفَيْن حَديث أمامة المُتقدِّم أنّ الرسول صلى الله عليه و سلم كان يَحْملها في الصّلاة، وهو متّفق عليه؛ فمعنى ذلك: أنّ رسول الله صلى الله عليه و سلم , لم يجنِّب أمامة المسجد، وهي صَبِيّة، وحَدِيث أمامة متّفق عليه، وحديث الباب وحديث أنس أنّ

11.1 اجتناب النجاسة، حمل المحدث والمستجمر في الصلاة، والصلاة ...


النّبي صلى الله عليه و سلم قال: ((إنِّي لأسْمع بُكاء الصّبيّ وأنا في الصّلاة، فأخِّفف مَخافة أنْ تُفْتَتَن أمُّه)) . متّفق عليه.
فَمَعْنى ذلك: أنّ النّساء كُنّ يأتِين بِصِبْيانِهنّ في المسجد؛ فهذا يُعارِض, أو هذه الأحاديث حَديث أمامة، وحديث الحسَن والحسيْن هذا الّذي نَحْن بِصَدَد التّعليق عليه, وحديث أنس: ((إنّي لأسْمَع بُكاء الصّبي)) ، هذه الأحاديث كلّها تَتَعارض مع هذيْن الحديثيْن الضّعيفيْن اللذيْن يقولان: ((جَنّبوا مساجدَكم صبيانَكم)) .
فَيُجْمع بين الأحاديث بِحمْل الأمر بالتّجْنِيب على النّدْب، كما قال العراقي في: (شرح الترمذي)، أو بأنّها تُنزّه المساجد عَمّن لا يُؤْمن حَدثُه فيها، وخاصّة إذا كان الصّبي صغيرًا لا يَحْترِز بِنَفْسه عن النّجاسة.
ولَعَلّ ما يُوجد الآن من الحفّاظات, ما يُمْكن أنْ تُتَنزّه المساجد عن النّجاسة, بِوُجود هؤلاء الأطفال أو الصِّبْية والصّبِيات فيها. والله تعالى أعلم.

"باب: الصّلاة على الفِراء والبُسُط وغيرهما من المفارش":
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: عن ابن عبّاس: ((أنّ النّبي صلى الله عليه و سلم صلّى على بِساط)) . رواه أحمد وابن ماجه.
وهذا الحديث في إسناده: زمْعة بن صالح، ضعّفه: أحمد، وابن معين، والنسائي.
وهذا الحديث قد أخْرجه ابن أبي شيْبة في (المصنّف)، قال: حدّثنا وكيع عن زمعة، عن عمْرو بن دينار وسَلمة، قال أحدُهما: عن عِكرمة، عن ابن عبّاس فَذَكره، والحديث في ابن أبي شَيْبة لَفْظه: ((أنّ رسول الله صلى الله عليه و سلم : صلّى على بِسَاط)) .

11.1 اجتناب النجاسة، حمل المحدث والمستجمر في الصلاة، والصلاة ...


وفي الباب عن أنس بن مالك عند البخاري ومسلم, والنسائي والترمذي وصحّحه، وابن ماجه بلفظ: ((كان صلى الله عليه و سلم يقول لأخٍ لي صَغِير: يا أبا عُميْر، ما فعل النُّغيْر؟)) ، أي: طائر مِثْل العصفور الصّغير، قال في الحديث: ((ونُضِح بساطٌ لنا، فصلّى عليه صلى الله عليه و سلم )) .
‌ وقوله: ((بِساط)) بِكسْر الباء، جَمْعه: بُسُط، بضمِّها, وتَسْكين السّين وضمّها: بُسْط وبُسُط، وهو ما يُبْسط، أي: يُفْرش.
والحديث يدُلّ على جَواز الصّلاة على البُسُط، وقد حكاه التّرمذي عن أكثر أهل العلْم من الصّحابة ومَن بَعْدهم، وجُمهور الفقهاء.
وقد كَرِه ذلك جَماعة من التّابعين مِمّن بعْدهم، فَرُوى عن سعيد بن المسيَّب ومحمّد بن سِيرِين أنّهما قالا: الصّلاة على الطِّنْفسة-وهي: البساط الذي تَحْته خَمَل- مُُحْدثة، يعني: لم تَكن على عَهْد رسول الله صلى الله عليه و سلم، ولا عَهْد الصّحابة من بَعْده.
كَما رَوى ابن أبي شيْبة عن عُرْوة بن الزّبير: أنّه كان يَكْره أنْ يَسْجُد على شيءٍ دُون الأرض.
وإلى كَراهة الصلاة على الْبُسط، ذَهَب الهادي ومالك، وكَرِه مالك أيضًا الصّلاة على ما كان من نَبات الأرض, فَدَخلتْه صِناعة أُخْرى كَالْكتّان والقطن.
فائدة: حديث أنَس الذي ذُكر بلفظ: ((الْبُسط)) أخرجه الأئِمّة السِّتة بلفظ:
((الحَصِير)) ، قال العراقي في (شَرْح التّرمذي): فَرّق المُصنّف, -يعني التّرمذي- بَيْن حَديث أنس في الصّلاة على البُسط, وبين حديث أنس في الصّلاة على الْحَصِير، وعقد لكلٍّ منهما بابًا، قال الحافظ العراقي: إنّ ابن أبي شَيْبة رَوَى في "سُنَنه" ما يَدُلّ على أنّ المرادَ بـ"البساط": الحصير،

11.1 اجتناب النجاسة، حمل المحدث والمستجمر في الصلاة، والصلاة ...


بلفظ: ((فَيُصلِّي أحيانًا على بساطٍ لنا، وهو حَصِيرٌ ننْضَحُه بالماء)) .
قال العراقي بَعْدما قال ذلك؛ فَتَبيّن أنّ مُراد أنَس بـ"البساط": الحصير، ولا شكّ أنّه صادِقٌ على الحصير لِكَوْنه يُبْسط على الأرض، أي: يُفْرش. انتهى.
وهذه الرِّواية إنْ صلحَت لِتقْيِيد حديث أنس، لم تَصْلح لِتقْيِيد حديثِ ابن عبّاسٍ >، وهو ((أنّه صلى الله عليه و سلم صلّى على بِساط)) . والله أعلم.
وعَلى كلّ حالٍ، فَقد رَوَى الإمام ابن تيمية، عن المغيرة بن شُعْبة قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يُصلّي على الحصير والفَروة الْمَدْبوغة)) . رواه أحمد وأبو داود، والحديث في إسناده: أبوعون، وهو ثِقَة احْتجّ به الشّيخان.
ولكنّ صَلاته صلى الله عليه و سلم على الحصير ثابتة من حديثِ أنسٍ عند الجماعة، ومن حديث أبي سعيد وسيأتي، ومن حديث أمّ سَلَمة عن الطّبراني في (الكبير)، ومن حَديث ابن عُمَر عند أبي حاتم في (العلل).
وهذا يدُلّ على جَواز الصّلاة على البُسُط, كَحَديث أنس السّابق, الذي قال فيه: ((فَيُصلّي أحيانًا صلى الله عليه و سلم على بساطٍ لَنا, وهو حصيرٌ ننْضَحُه)) .
ويدلّ الحديث وسائر الأحاديث الّتي ذَكَرْناها على أنّه صلى الله عليه و سلم صلّى على الحصِير.

11.1 اجتناب النجاسة، حمل المحدث والمستجمر في الصلاة، والصلاة ...


وأخْرَج أبو يَعْلى المَوْصِلِي عن عائشة بِسَندٍ قال العراقي: "رجاله ثقات" : أنّها سُئِلت: أكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يُصلِّي على الحصير؟ قالت: ((لم يَكُن يُصلِّي عليه)) .
وَكَيْفِية الجَمْع بين حديثها هذا وسائر الأحاديث: أنّها إنّما نَفَت عِلْمَها، ومَن عَلِم صلاته على الحصير مُقدّم على النّافي، وأيضًا فإنّ حَديثها وإنْ كان رجاله ثِقَات، فإنّ فيه شذوذًا أو نَكارةً، كما قال العراقي.
وقد ذَهب إلى اسْتِحْباب الصّلاة على الحصير أكْثَر أهل الْعِلْم, كما قال التّرمذي. قال: إلّا أنّ قومًا مِن أهْل الْعِلْم اخْتاروا الصّلاة على الأرض اسْتِحبابًا. انتهى.
وقد رُوي عن زيد بن ثابت، وأبي ذَرّ, وجابر بن عبد الله، وغيرهم: اسْتِحْباب الصّلاة على الحصير، وصرّح ابن المسيّب بأنّها سُنّة.
ومِمّن اختار مُباشرة المُصلِّي لِلْأرض من غير وقاية: عبد الله بن مسعود؛ فَرَوى الطّبراني عنه أنّه كان لا يُصلِّي ولا يَسْجد إلّا على الأرض.
وعن أبي سعيدٍ: أنّه دَخلَ على رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: ((فَرأيْته يُصلِّي على حَصيرٍ يَسْجد عليه)) . رواه مسلم.
فَهذا كُلّه يُقوّي أنّ الصّلاة على الحصير جائزة، وغير مَمْنوعة ولا مَكْروهة.
هـ. الباب نفْسه:
حديث مَيْمونة: ((كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يُصلّي على الخُمْرة)) :

11.1 اجتناب النجاسة، حمل المحدث والمستجمر في الصلاة، والصلاة ...


قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: عن ميمونة قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يُصلّي على الخُمرة)) . رواه الجماعة إلّا الترمذي، لكنّه له من رواية ابن عبّاسٍ>.
وحديث ميْمونة هذا حديثٌ صحيحٌ رواه الإمام البخاري ورواه الإمام مسلم، ورواه الإمام البخاري عن أبي الوليد، عن شُعْبة، عن سُلَيْمان الشّيباني، عن عبد الله بن شدّاد، عن ميمونة <.
ولفْظ الحديث -حديث ابن عبّاس- في (سنن التّرمذي): ((كان رسول اللهصلى الله عليه و سلم يصلّي على الخُمرة)) ، وقال: "حديث حَسَن صَحيح".
وفي الباب عن أمّ حَبِيبة عند الطّبراني، وعن أمّ سَلَمة عند الطّبراني أيضًا، وعن عائشة عند مُسْلم، وأبي داود، والتّرمذي، والنّسائي، وعن ابن عُمر عند الطّبراني في: (الكبير) و(الأوسط)، وأحمد، والبزّار.
وعن أنسٍ عند الطّبراني في: (الصّغير) و(الأوسط), والبزّار بإسنادٍ رجاله ثِقات، وعن أبي هُريرة عند مسلمٍ والنّسائي.
‌ فَكُلّ هذه تَدلّ دِلالَة قَوِية على أنّه تَجوز الصّلاة على الخُمرة، ولكنْ ما هي الخُمْرة؟ قال أبو عُبَيْد: هي بِضَمِّ الخاء: سجّادة من سَعَف النّخل على قَدْر ما يَسْجد عليه الْمُصلِّي، فإنْ عَظُم بِحَيْث يكْفي لِجَسَده كُلِّه في صَلاة أو اضْطجاع فهو حَصير، وليس بِخُمْرة.
وقال الجَوْهري: الْخُمْرة بالضّمِّ: سِجادة صَغِيرة تُعْمل من سَعَف النّخل، وتُرْمل بالخُيُوط، أي: تُنْسج بالخيوط.
وقال البَغوي: الْخُمْرة السّجادة يَسْجد عليها المُصلِّي، سُمّيت خُمْرة؛ لأنها تُخَمّر وَجْه المصلّي عن الأرض، أي: تَسْتُره.

11.1 اجتناب النجاسة، حمل المحدث والمستجمر في الصلاة، والصلاة ...


والحديث يدلّ على أنّه لا بأس بالصّلاة على السّجادة, سَواء أَكانت من الْخِرَق أمِ الخُوص أو غير ذلك، وسَواء أكانت صَغِيرة -كالقَوْل بأنّها: لا تُسمّى خُمْرة إلّا إذا كانت صَغِيرة-أمْ كانت كَبِيرة كالحصير والبساط, لِما تَقَدّم مِنْ صَلاته صلى الله عليه و سلم على الحصير والبساط والفَرْوة.
وقد أخرج أحمد في (مُسْنده) من حديث أمّ سَلَمة: أنّ النّبي صلى الله عليه و سلم قال لأفْلَح: ((يا أفْلَح، تَرِّب وَجْهك)) أي: في سُجوده.
فمعنى: ذلك أنّ هذا الحديث يَتَعارض مع الصّلاة على الخُمْرة ونحوها؛ لأنّه لا يُباشر الأرض بِسُجوده كَما أَمَر رسول الله صلى الله عليه و سلم أفْلَح هُنا.
لكن بيّن العراقي: أنّه ليس هُناك تَعارض بين هذا الحديث وهذه الأحاديث السّابقة؛ فقال: والجواب عنه: أنّه لم يأمُرْه أنْ يُصلّيَ على التّراب، وإنّما أراد به تَمْكين الجبهة من الأرض, وكأنّه رَآه يُصلّي ولا يُمَكّن جَبْهته من الأرض فَأمَره بذلك، لا أنّه رَآه يُصلِّي على شَيء يَسْتره من الأرض فَأمَره بِنَزْعه. انتهى.
وقَدْ ذَهَب إلى أنّه لا بأس بالصّلاة على الْخُمْرة: الجمهور، قال التّرمذي: وبه يَقُول بعض أهل الْعِلْم. وقد نَسَبه العراقي إلى الجمهور مِن غير أنْ يُفَرِّق بين ثِياب الْقُطن والكتّان والجلود وغيرها من الطّاهرات. وقد تَقَدّم ذِكْر مَنِ اخْتار مُباشَرَة الأرض، ومِنْهم ابن مسعود كَما رُوي عنه.
و. الباب نفسه:
حديث أبي الدّرداء: "ما أُبالي لَوْ صلّيْت على خَمْس...":
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: عن أبي الدرداء قال:

11.1 اجتناب النجاسة، حمل المحدث والمستجمر في الصلاة، والصلاة ...


"مَا أباليٍ لو صلّيت على خَمْس طَنافس". رواه البخاري في "تاريخه"، وكأنّه يقول: إنّ هذه الخمس طنافس تبْعد كثيرًا عن الأرض, فلا أبالي بذلك، تأكيدًا على جَواز الصّلاة على الطّنافس، وعلى جواز ألّا يكون مباشرًا للأرض في سُجوده.
هذا الحديث رواه ابن أبي شيبة عنه بلفظ: "سِتِّ طَنافس بَعْضها فَوْق بَعْض"، وَرَوَى ابن أبي شيبة عن ابن عبّاسٍ: أنّه صلّى على طِنْفسة، وعن أبي وائل أنّه صلّى على طِنْفسة، وعن الحسن قال: لا بَأس بالصّلاة على الطِّنفسة.
وعنه: أنّه كان يُصلّي على طِنْفسةٍ: قَدَماه ورُكْبتاه عليها، ويَداه ووجهُه على الأرض.
قال الإمام الشّوكاني: وإلى جَواز الصّلاة على الطّنافس، ذَهَب جُمْهور العلماء والفقهاء.
وقوله: "طَنافس": جَمْع طِنْفسة، وفي ضَبْطها لُغات عدة.