11.4 ترك استقبال القبلة لعذر الخوف، وتطوع المسافر على ...


أ. باب: تَرْك القِبلة لِعُذر الخوف:
حديث ابن عمر:
وهي الحالة التي أشار إليها الإمام الشّافعي من الحالة التي يُمكن تَرْك استقبال القِبلة فيها. قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: عن نافع عن ابن عمر: أنّه كان إذا سُئل عن صلاة الخوف وَصَفها, ثمّ قال:
((فإنْ كان خوفٌ هو أشدّ من ذلك، صلَّوْا رجالًا قيامًا على أقدامهم، ورُكبانًا مُسْتقبلي القِبلة وغير مُسْتقبليها)) . قال نافع: ولا أرَى ابن عُمر ذَكَر ذلك إلّا عن النّبي صلى الله عليه و سلم. رواه البخاري.
وحديث ابن عمر كما ذَكَره الإمام مسلم، قال: ((صلّى رسول الله صلى الله عليه و سلم صَلاة الخوف في بعض أيّامه, فقامت طائفة مَعَه وطائفة بإزاء العدوّ. فَصَلّى بالذين مَعَه رَكْعة، ثمّ ذَهَبوا. وجاء الْآَخَرُون فصلّى بهم ركعة. ثمّ قَضَت الطّائفتان ركعة ركْعة)) .
وهي صلاة قَصْر. قال: وقال ابن عمر: "فإنْ كان خَوْف أكثر من ذلك، فصلّ راكبًا أو قائمًا تُومئ إيماءً".
قال الإمام الشّافعي رحمه الله بعد أنْ َذكَر هذا الحديث من هذه الطّريق, ومن طريق ابن أبي ذِئْب، عن الزّهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه قال: ولا يجوز في صلاةٍ مكتوبةٍ استقبال غير القِبلة, إلّا عند إطلال العدوِّ على المسلمين, وذلك عند المسايفةِ -يعني: الضّرب

11.4 ترك استقبال القبلة لعذر الخوف، وتطوع المسافر على ...


بالسّيوف- وما أشبهها، وَدُنوّ الزّحف من الزّحف, فَيُجوز أن يُصلّوا الصّلاة في ذلك الوقت رجالًا وركبانًا. فإن قدروا على استقبال القبلة وإلّا صلّوْا مستقبلي القبلة حَيْث يَقْدرون. وإن لّم يَقْدِروا على رُكوع ولا سُجود أوْمَئوا إيماءً.
وكذلك إنْ طَلَبهم العدوّ فأطلّوا عليهم، صلَّوْا مُتوجِّهين على دوّابهم، يُومئون إيماءً. ولا يجوز لهم في واحدٍ من الحاليْن أنْ يُصلّوا على غَيْر وُضوء ولا تيمّم. ولا يُنْقصون من عَدَد الصّلاة شَيْئًا. يعني: إنّما الرُّخصة فقط في عَدَم استقبال القِبلة إذا كان العدوّ تجاههم على غير القِبلة.
قال الإمام الشّوكاني: الحديث ذَكَره البخاري في: تفْسير سورة (البقرة)، وأخرجه مالك في (الموطّأ)، وقال في آَخِره: قال نافع: "لا أرَى عبد الله بن عُمر ذَكَر ذلك إلّا عن النّبي صلى الله عليه و سلم". ورواه ابن خُزَيْمة، وأخرجه مسلمٌ، وَصَرّح بأنّ الزّيادة من قَوْل ابن عمر.
ورواه البيهقي من حَديثِ موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر، وقال النّووي في (شرح المهذّب): هو بيان حُكمٍ من أحكام صلاة الخوف لا تفسير للآية، وقد أخرجه البخاري في: صلاة الخوف بلفظ: وزاد ابن عمر عن النّبي صلى الله عليه و سلم : "وإذا كانوا أكثر من ذلك، فَلْيُصلّوا قِيامًا وَرُكْبانًا".
وقد سَبَق أنْ أشَرْنا إلى أنّ الإمام الشّافعي ذَكَره عن ابن أبي ذئب, عن الزّهري، عن سالم، عن أبيه, وليس فيه فَصْلٌ بين ما هو من قول رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا من قول ابن عمر، كما ذَكَرْنا رواية مسلم عن موسى بن عقبة عن نافع, وفيها: وقال ابن عمر: "فإذا كان خَوْفٌ أكثر من ذلك، فصلِّ راكبًا أو قائمًا، تُومئ إيماءً".

11.4 ترك استقبال القبلة لعذر الخوف، وتطوع المسافر على ...


والحديث يدلّ على أنّ صلاة الخوف، لاسيما إذا كَثُر العدوّ، تَجوز حَسَب الإمكان، فَيَنْتقل عن القيام إلى الرّكوع، وعن الرّكوع والسُّجود إلى الإِيمَاء. ويجوز تَرْك ما لا يقدر عليه من الأركان. وبهذا قال الجمهور، لكن قالت المالكية: لا يَصْنعون ذلك إلّا إذا خُشي فَوات الوقت. ويُمكن أن يُتعقّبوا على ذلك بأنّهم لا يَدْرون إذا انْتَظروا حتّى يُخشى فَوات الوقت، أنْ يكونوا في حَرَج أشدّ ممّا هم فيه في ذلك الوقت الذي يُريدون أنْ يُصلّوا فيه.
وسيأتي المصنّف في باب: الصّلاة في شِدّة الخوف، نَحْو ما هُنا، ويأتي شَرْحه هُنالك, -إنْ شاء الله عز و جل.

ب. باب: تطوّع المسافر على مركوبه حَيْث تَوجّه به:
حديث ابن عمر:
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: عن ابن عمر قال: ((كان النّبي صلى الله عليه و سلم يُسبِّح على راحلته قِبل أيِّ وِجْهة تَوجّه، ويُوتر عليها، غَيْر أنّه لا يُصلّي عليها المكتوبة)) . متّفق عليه.
وفي رواية: ((كان يُصلِّي على راحلته وهو مُقْبل من مكّة إلى المدينة, حَيْثما تَوجّهت به. وفيه نَزَلت: أَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه )) . ورواه أحمد ومسلم, والتّرمذي وصحّحه.

11.4 ترك استقبال القبلة لعذر الخوف، وتطوع المسافر على ...


والحديث قد تَقدّم شَرْحه في المحاضرة السّابقة، وتقدّم الكلام على فِقْهه في باب: صلاة الفرض على الرّاحلة، لأنّ المصنّف رحمه الله ذَكَره هُنالك بِنَحو ما هُنا مِنْ حديث عامر بن ربيعة. ولفظ الرِّواية الأخْرى: أنّ النّبي صلى الله عليه و سلم: ((صَلّى إلى بَعِيره أو راحلته، وكان يُصلِّي على راحلته حَيْثما تَوجّهت به)) . ولم يَذْكر نُزُول الآية.
وقوله: ((حَيْثما تَوَجّهت به)) قَيّدت الشّافعية الحديث بالمذهب، فقالت: إذا تَوجَّهت به نَحْو مَقصِده. وأمّا إذا تَوجّهت به إلى غير مَقْصده، فإنْ كان إلى جِهَة القبلة لم يَضرَّه, وإن كان إلى غيرها بَطَلت صلاته.
وقد تَقَدّم في أوّل أبواب: الاستقبال، ما يدلّ على أنّ الآية نَزَلت في صلاة الفريضة, ولكنّ الصّحيح ما هُنا كما تقدّم. والله تعالى أعلم
جـ. الباب نفسه:
حديث جابر:
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: وعن جابر قال: ((رأيت النبي صلى الله عليه و سلم يُصلّي وهو على راحلته النّوافل في كلّ جِهَة, ولكن يَخْفض السّجود من الرّكوع، ويُومئ إيماءً)) . رواه أحمد. وفي لفظ: ((بَعَثني النّبي صلى الله عليه و سلم في حاجة, فَجِئْت وهو يُصلّي على راحلته نَحْو المشرق، والسّجود أخْفَض من الرُّكوع)) . رواه أبو داود والتّرمذي.

11.4 ترك استقبال القبلة لعذر الخوف، وتطوع المسافر على ...


قال الإمام الشّوكاني: الحديث أخرجه البخاري عن جابر، وفي لفظ: ((كان يُصلّي على راحلته نَحْو المشرق, فإذا أراد أنْ يُصلِّيَ المكتوبة نَزَل فاستقبل القبلة)) . وأخرجه أيضًا مُسْلم بِنَحو ذلك، وفي الباب عن جَمَاعة من الصّحابة.
قال الإمام الشّوكاني: وقد قَدّمنا في باب: صلاة الفرض على الرّاحلة: أنّه يَجُوز التّطوع عليها للمسافر بالإجماع. وقدّمنا الخِلاف في جَواز ذلك في الحضر، وفي جَواز صَلاة الفريضة.
والحديث يدلّ على أنّ سُجود مَنْ صلّى على الرّاحلة يكون أخفض من ركوعه، ولا يَلْزمه وَضْعُ الْجَبْهة على السّرج، ولا بَذْل غاية الوُسْع في الانْحِنَاء, بَلْ يَخْفض سُجوده بمقدارٍ يَفتَرِق به السّجود عن الرّكوع.
د. الباب نفسه:
حديث أنس:‌
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: وعن أنس بن مالك قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا أراد أنْ يُصلّي على راحلته تَطَوُّعًا استقبل القبلة فَكبّر للصّلاة, ثُمّ خَلّى عن راحلته، فَصَلّى حَيْثما تَوَجّهتْ به)) . رواه أحمد وأبو داود.
قال الإمام الشّوكاني: الحديث أخرجه أيضًا الشّيْخان بِنَحْو ما هُنا، وأخرجه أيضًا النّسائي من رواية يَحْيى بن سعيدٍ عن أنس، وقال: حديث يحيى بن سعيد عن أنسٍ، الصّواب: مَوْقوف. يعني: كان أنس إذا أراد أنْ يُصلِّي على راحلته تطوّعًا استقبل القبلة... إلى آخِر الحديث. وأمّا أبو داود فأخرجه من رواية الجارود ابن أبي سبرة عن أنس.

11.4 ترك استقبال القبلة لعذر الخوف، وتطوع المسافر على ...


والحديث يدلّ على جَواز التّنفّل على الرّاحلة، وقد تَقَدّم الكلام على ذلك في الأحاديث السّابقة.
-وهذأ. ما زاده هذا الحديث -يدلّ على أنّه لا بدّ من الاستقبال حال تكبيرة الإحرام, ثمّ لا يضرّ الخروج بعد ذلك عن سَمْت القبلة، كما أسْلفْنا، والله تعالى أعلم.
‌ وبهذا تَتِمُّ أحاديث استقبال القبلة. وبهذا يتبيّن لنا أنّه لا يجوز التّخلِّي عن استقبال القبلة, إلّا في الحالتيْن اللّتيْن ذَكَرهما الإمام الشّافعي رحمه الله.
والحالة الأولى: هي حالة الخوف التي بيّنها حديث عبد الله بن عمر > حِين قال: ((فإن كان خوْف أشدّ)) -يعني: من الخوف الذي صلّى فيه رسول اللهصلى الله عليه و سلم بالطّائفتَيْن, واستقبلوا فيه القبلة- "فإنْ كان خَوْف أشدّ من ذلك، صلُّوا رجالًا وركبانًا مُستقبلي القبلة وغير مُستقبليها". ونافع قال: "ما أرى عبد الله ذَكَر ذلك إلّا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم "، ولذلك قال الإمام الشّافعي: "ولا يَجُوز في صلاة مكتوبة استقبال غير القبلة, إلّا عند إطلال العدوّ على المسلمين, وذلك عند الْمُسايفة وما أشْبَهها كَما ذَكرْنا".
وأما الحالة الثّانية التي يجوز فيها استقبال غير القبلة: فَهُو ما دلّت عليه الأحاديث التي قرأناها أخيرًا. قال الشّافعي: ودلّت سُنّة رسول الله صلى الله عليه و سلم على: أنّ المسافر إذا تطوّع راكبًا أنْ يُصلِّيَ راكبًا حَيْث توجّه.

11.4 ترك استقبال القبلة لعذر الخوف، وتطوع المسافر على ...


قال: وإذا كان الرّجل مُسافرًا متطوِّعًا راكبًا، صَلّى النّوافل حَيْث توجّهت به راحلته، وصلّاها على أيّ دابّة قَدَر على رُكوبها، حمارًا أو بعيرًا أو غيره. وكذلك نَقول: سَواء كان في سيارة أو في قطار أو نحو ذلك, أو في طائرة أو نحو ذلك من وسائل المواصلات الأخرى، وإذا أراد الرّكوع والسُّجود، أوْمَأ إِيماءً وَجَعَل السُّجود أَخْفض من الرُّكوع وما عَدَا ذلك.
قال الإمام الشّافعي: وليس له أنْ يُصلّي إلى غير القبلة مُسافرًا أو مُقيمًا، إذا كان غير خائف صلاةً وَجَبت عليه بحال, مَكْتوبةً في وَقْتها أو فائتةً، أو صلاةَ نَذْر أو صلاةَ طوافٍ أو صلاةً على جنازة.
قال: وبهذا فَرّقنا بين الرّجل يُوجب على نَفْسه الصّلاة قَبْل الدّخول فيها. وَقُلنا: لا يُجزيه فيها إلّا ما يُجزيه في المكتوبات من القِبلة وغيرها، وَبَيْن الرّجل يَدْخل في الصّلاة مُتطوِّعًا. ثمّ زَعمنا أنّه غَلَط من زَعَم أنّه إذا دَخَل فيها بلا إيجابٍ لها، فَحُكمها حُكم الواجب. وهو يَزْعم كما نَزْعم أنّه لا يُصلِّي واجبًا لنفسه، إلّا واجبًا أوجبه على نفسه مسافرًا إلّا إلى القبلة, وأن المتطوِّع يُصلِّي إلى غير القبلة.