10.3 تجريد المنكبين في الصلاة، والصلاة في الثوب


باب: النّهي عن تجريد المنْكبيْن في الصّلاة
حديث أبي هريرة: ((لا يُصلّيَنّ أحدُكم...)) :‌
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: عن أبي هريرة: أنّ رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: ((لا يُصَلّينّ أحدُكم في الثّوب الواحد، ليس على عاتقه منه شيء)) ، رواه البخاري ومسلم. بلفظ "عاتقيه".
وقوله: ((لا يُصلِّينّ)) ، وفي لفظٍ: ((لا يُصلِّي)) ، ليس فيها "نون" التّوكيد.
قال ابن الأثير: كَذا في "الصّحيحيْن" بإثبات الياء: ((لا يُصلّي)) ، وَوجْهه: أنّ ((لا)) نافية، وهو خبرٌ بمعنى النّهي، وكما يقول أصحاب البلاغة: هو هكذا يكون أبلغ؛ لأنّ ((لا)) النّافية: هي خَبَر، والخبر في ثبوته أبلغ من الإنشاء الذي ليس ثابتًا، والذي يَحْدث فيما بعد.
وقوله: ((ليس على عاتقه مِنْه شيء)) :
"العاتق": ما بين المنْكبيْن إلى أصْل العُنُق، والمراد: أنّه لا يتّزر في وَسَطِه, ويشُدّ طَرَفي الثّوب في حِقْويْه -أي: في وَسطِه- بل يتوَشّح بهما على عاتقيْه، فيحصل السّتْر من أعالي البَدََن، لِكَوْن ذلك أمكَن في سَتْر العورة، واحتياطًا لعَدمِ اسْترْخاء الإزار فتنْكشِف العورة.‌
قال العلماء: حِكْمة هذا النّهي: أنّه إذا اتّزر به ولم يَكُن على عاتقه منه شيء؛ لم يُؤمَن أنْ تتَكشّف عوْرته، بخِلافِ ما إذا جعَل بعضه على عاتقه.
ولأنّه في هذه الحالة -في حالة أن يشدّه على وَسطِه فقط- قد يَحتاج إلى إمساكه بِيَده، فيَشْتغِل بذلك وتفوتُه سُنّة وضْع اليُمنَى على اليسرى تَحْت صَدْره، وتفوته أيضًا سُنّة رفْعِهما في حالِ إرادة الرّكوع.‌

10.3 تجريد المنكبين في الصلاة، والصلاة في الثوب


والحديث يدلّ على: جَواز الصّلاة في الثّوب الواحد:
قال النّووي: ولا خِلاف في هذا, إلّا ما حُكي عن ابن مسعودٍ، وقال النووي أيضًا: وأجمعوا على: أنّ الصّلاة في ثوبيْن أفضل.
ويدلّ أيضًا على المنْع من الصّلاة في الثّوب الواحد إذا لم يَكُن على عاتق المُصلّي منه شيء:
وقد حَمَل الجمهور هذا النّهي على التّنْزيه؛ لأنّه زائد عن العورة، وعن أحمد: "لا تصِحّ صَلاة مَن قَدَر على ذلك فَتَرَكه".
يعني: أنّه حَمَل النّهْي هُنا على التّحريم.
ب. "باب: استحباب الصّلاة في ثوبيْن، وجوازها في الثّوب الواحد":
حديث أبي هريرة > :
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: عن أبي هريرة: أنّ سائلًا سأل النّبي صلى الله عليه و سلم عن الصلاة في ثوب واحد، فقال: ((أوَلِكُلِّكُم ثوبان؟)) ، رواه الجماعة إلا الترمذي.
زاد البخاري في رواية: ثمّ سَأَل رَجُل عُمر, فقال: "إذا وسّع الله فأوْسعوا... جمَع رجلٌّ عليه ثيابه... صلّى رجُل في إزار ورِداء... وفي إزار وقميص... في إزار وقباء... في سراويل ورداء... في سراويل وقميص... في سراويل وقباء... في تبّان وقباء... في تبّان وقميص"، قال: وأحسبه قال: "في تبّان ورداء".
الحديث رواه الجماعة، ورواه الإمام أحمد؛ فهو حديث متّفق على صحّته.

10.3 تجريد المنكبين في الصلاة، والصلاة في الثوب


ورُوي عن جابر: أنّه صلّى في إزار قد عقده من قبل قفاه, وثيابه موضوعة على المِشْجب، والمشجب : أعواد توضع عليها الثياب ومتاع البيت، يعني: له أكثر من ثوْب، ومع ذلك صلّى في ثوْب واحد.
وعن أبي هريرة: أنّ النّبي صلى الله عليه و سلم قال: ((لا يُصلِّينّ أحدُكم في الثّوب الواحد ليس على عاتقيْه منه شيء)) ، وهذا حديث متّفق على صحّته، وقد تعرّضنا له.
قال الإمام البغوي: وهذا نهْي أدَب، واتّفق أهل العِلْم على أنّه إذا غَطّى ما بيْن سُرّته ورُكْبته صحّت صلاته، والسّنّة: أنْ يُصلّي في إزارٍ ورداء إذا وجدَهما.
وقوله: "أنّ سائلًا"، ذَكَر شَمس الأئمّة السّرخسي الحَنفي في كتابه (المبسوط): أنّ السّائل، هو: ثوبان. وقوله: ((أوَلِكلِّكم ثوبان؟)) عن الخطّابي: لفظه: استخبار، ومعناه: الإخبار على ما هم عليه من قِلّة الثّياب، وَوَقع في ضِمْنه الفَتْوى من طريقِ الفَحْوى -أي: المعنى- كأنّه يقول: إذا علِمْتم أنّ سَتْر العورة فَرْض, والصّلاة لازمة، وليس لكلّ أحَد مِنْكم ثوبان, فكيْف لم تَعْلموا أنّ الصّلاة في الثّوب الواحد جائزة؟، أي: مع مُراعاة سَتْر العورة.
وقوله: "ثمّ سَأل رَجُل عُمر": يُحْتمل أنْ يكون ابن مسعود؛ لأنهّ اخْتَلف هو وأبيّ بن كعب، فقال أبيّ: "الصلاة في الثوب الواحد غير مكروهة"، وقال ابن مسعود: "إنّما كان ذلك وفي الثياب قلّة"، فقام عُمر على المِنْبر فقال: "القول ما قال أبيّ، ولم يَألُ ابن مسعود"، أي: لم يقصِّر. أخرجه عبد الرّزاق.

10.3 تجريد المنكبين في الصلاة، والصلاة في الثوب


وقوله: "جمَعَ رجلٌ"، هذا من قول عمر، وأورده بصيغة الخبر، ومراده: الأمر، يعني: على طَريق الاسْتحْسان، أنّه لوْ جَمَع ثوبيْن كان أفضل.
قال ابن بطّال: يعني: لِيجْمعْ ولْيُصلّ في هذيْن الثَّوبيْن.
وقوله: "في سراويل"، قال ابن سِيدَة: "السّراويل": فارسيّ معرّب، يُذَكَّر ويؤنّث.
وقوله: "وَقَبا" بالقَصْر والمَدّ، يعني: و"قَبَا" و"قَباءْ"، قِيل: هو فارسيّ مُعرّب أيضًا، وقيل: هو عربيّ مُشْتقٌّ من: "قَبَوْتَ" الشّيء، إذا ضَمَمْت أصابِعَك، سُمّي بذلك لانْضِمام أطرافه؛ لأنّه مفْتوحٌ ويُضمّ طَرَفاه أو أطرافه.
وقوله: "في تبّان": "التّبان" بضَمّ المثنّاة وتشْديد المُوحّدة -: "تُبّان"، وهو: على هَيْئة السّراويل، إلّا أنّه ليس له رِجْلان، وهو يُتّخذ من جِلْد.
وقوله: "وأحْسَبه قال: في تبّان ورداء"، القائل: أبو هريرة، والضّمير في أحْسَبه راجع إلى عُمَر.‌
ومجموع ما ذكره عمر من الملابس ستّة:
ثلاثة للوَسَط، وثلاثة لغيره؛ فَمِن الوَسَط: الإزار، السّراويل، والتُّبان، وما عَدَاها للْجَميع؛ فَقَدّم مَلابِس الوَسَط؛ لأَنّها مَحلُّ العورة، وقدّم أسْتَرها وأكثرها اسْتِعْمالًا لهُم.
وعلَى كلّ حال؛ فالحديث يدلّ على أنّ الصّلاة في الثّوب الواحد صَحِيحة، ولم يُخالف في ذلك إلّا ابن مسعود.
صَرّح بذلك القاضي عِياض, والقُرْطبي، والنّووي.

10.3 تجريد المنكبين في الصلاة، والصلاة في الثوب


واسْتَحبّ بَعْضُهم الصّلاة في ثوْبيْن إشعارًا بالخِلاف، أي: خُروجًا مِنَ الخِلاف في ذلك, وإنْ كانَ ما عَدا ما نُقِل عن ابن مسعود قال: الصّلاة في الثّوب الواحد تُجْزئ.