ومِن هذا الذي لا يجوز: نَظَر الرّجل إلى عوْرة الرّجل، ونَظر المرأة إلى عوْرة المرأة.
وكَما دلّ مفهوم الاستثناء على ذلك، فقد دلّ عليه مَنْطوق قوله: ((فإذا كان القوم بعضهم في بعض)) ، أي: رجالًا مع رجال أو نساءً مع نساء.
ويدلّ على أنّ التّعري في الخَلاء غير جائزٍ مُطلقًا في قوله: ((فالله -تبارك وتعالى- أحقّ أنْ يُسْتَحيا منه)) ، أي: لم يسْتثْنِ أنْ يكون خاليًا.
قال: ((فإذا كان أحُدنا خاليًا؟ قال: فالله -تبارك وتعالى- أحقّ أنْ يُستحْيا منه)) أي: لا تكْشِف عوْرتك أيضًا وأنت خالٍ.
والحديث يدلّ على وجوب ستر العورة, كما ذَكَر المصنِّف في التّرجمة فقال: "باب: وجوب سترها".
والحديث يدلّ على ذلك في قوله: ((احفظ عورَتَك!)) ، وفي قوله: ((فلا يرَيَنّها)) .
وقد ذَهب قوْم إلى عدَم وُجوب ستْر العورة، وتمسّكوا بأنّ تعليق الأمر بالاستطاعة قرينة تصْرِف الأمر إلى معناه المجازي, الذي هو النّدب، حيث قال: ((إن اسْتَطعْت)) .
ورُدّ هذا بأنّ ستْر العوْرة مُستطاعٌ لكلّ أحد؛ فهو من الشّروط التي يُراد بها التّهييج والإلهاب, كما عُلِم ذلك في عِلْم البيان من البلاغة.
قال الإمام الشوكاني: والحقّ وُجوب ستْر العورة في جميع الأوقات، إلّا في وقت قضاء الحاجة، وفي وقت إفضاء الرّجل إلى أهله، وعند الغُسلِ على الخلاف, بين من يُجِيز ذلك ومن لا يُجيز، ومِن جميع الأشخاص إلّا في الزّوجة والأَمَة, وكذلك يُسْتثنى الطّبيب، والشّاهد، والحاكم؛ لأنّ هذه ضَرورات، على نِزاعٍ في هذه الأمور. والله تعالى أعلم.