10.2 ستر العورة، وحكم الفخذ، وعورة المرأة الحرة


أبواب: سَتر العورة:

"باب: وجوب ستْرها":
حديث بَهْز بن حَكِيم عن أبيه عن جدّه: ((قلت: يا رسول الله...)) :
فعن بهز بن حَكيم عن أبيه عن جدّه قال: ((قلت: يا رسول الله، عوْراتنا ما نأتي منها وما نذَر؟ قال: احفظْ عورتَك إلّا من زوجتك أو ما ملكتْ يمينُك، قُلْت: فإذا كان القوم بعْضُهم في بعض؟ قال: إنِ اسْتطعتَ ألّا يَراها أحد فلا يرَينّها، قلت: فإذا كان أحدُنا خاليًا؟ قال: فالله -تبارك وتعالى- أحقّ أنْ يُسْتحْيَا منه)) ، رواه الخمسة أصحاب "السّنن" الأربع, وأحمد، إلّا النّسائي.
قال الإمام الشوكاني: وقد علّقه البخاري، يعني: ذَكَره غير كامل الإسناد، أو محْذوف الإسناد أو بعضه من أوّله كتعليقات البخاري.
وحسّنه الترمذي، وصحّحه الحاكم.
وقد عُرف من السياق: أنّه وارد في كشْف العورة -أي: هذا الحديث- بخِلاف ما قال أبو عبد الله البونيّ: إنّ المراد بقوله: ((أحقّ أنْ يُستحيا منه)) ، أي: فلا يُعصَى.
ومفهوم قوله: ((إلّا مِن زوجتك أو ما مَلَكت يمينُك)) ، يدلّ على أنّه يجوز لهما النّظر إلى ذلك، وقياسه: أنه يجوز له أيضًا النّظر إلى ذلك منهما.
ويدلّ أيضًا على أنّه لا يجوز النّظر لغير مَنِ اسْتثنَى, وهو: ((زوجتكَ أو ما ملكَتْ يمينُك)) .

10.2 ستر العورة، وحكم الفخذ، وعورة المرأة الحرة


ومِن هذا الذي لا يجوز: نَظَر الرّجل إلى عوْرة الرّجل، ونَظر المرأة إلى عوْرة المرأة.
وكَما دلّ مفهوم الاستثناء على ذلك، فقد دلّ عليه مَنْطوق قوله: ((فإذا كان القوم بعضهم في بعض)) ، أي: رجالًا مع رجال أو نساءً مع نساء.
ويدلّ على أنّ التّعري في الخَلاء غير جائزٍ مُطلقًا في قوله: ((فالله -تبارك وتعالى- أحقّ أنْ يُسْتَحيا منه)) ، أي: لم يسْتثْنِ أنْ يكون خاليًا.
قال: ((فإذا كان أحُدنا خاليًا؟ قال: فالله -تبارك وتعالى- أحقّ أنْ يُستحْيا منه)) أي: لا تكْشِف عوْرتك أيضًا وأنت خالٍ.
والحديث يدلّ على وجوب ستر العورة, كما ذَكَر المصنِّف في التّرجمة فقال: "باب: وجوب سترها".
والحديث يدلّ على ذلك في قوله: ((احفظ عورَتَك!)) ، وفي قوله: ((فلا يرَيَنّها)) .
وقد ذَهب قوْم إلى عدَم وُجوب ستْر العورة، وتمسّكوا بأنّ تعليق الأمر بالاستطاعة قرينة تصْرِف الأمر إلى معناه المجازي, الذي هو النّدب، حيث قال: ((إن اسْتَطعْت)) .
ورُدّ هذا بأنّ ستْر العوْرة مُستطاعٌ لكلّ أحد؛ فهو من الشّروط التي يُراد بها التّهييج والإلهاب, كما عُلِم ذلك في عِلْم البيان من البلاغة.
قال الإمام الشوكاني: والحقّ وُجوب ستْر العورة في جميع الأوقات، إلّا في وقت قضاء الحاجة، وفي وقت إفضاء الرّجل إلى أهله، وعند الغُسلِ على الخلاف, بين من يُجِيز ذلك ومن لا يُجيز، ومِن جميع الأشخاص إلّا في الزّوجة والأَمَة, وكذلك يُسْتثنى الطّبيب، والشّاهد، والحاكم؛ لأنّ هذه ضَرورات، على نِزاعٍ في هذه الأمور. والله تعالى أعلم.


10.2 ستر العورة، وحكم الفخذ، وعورة المرأة الحرة


"باب: مَن لم يَرَ الفخِذَ مِن العوْرة":
حديث عائشة في كشْف رسول الله صلى الله عليه و سلم فخِذَه:
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: عن عائشة: ((أنّ رسول الله صلى الله عليه و سلم كان جالسًا، كاشفًا عن فخِذِه، فاستأذن أبو بكر، فأذِن له وهو على حاله. ثمّ استأذن عُمر، فأذِن له وهو على حاله. ثمّ استأذن عثمان، فأرْخَى عليه ثِيابه، فلمّا قاموا، قلت: يا رسول الله، استأذن أبو بكر وعمر فأذنت لهما وأنت على حالك, فلمّا استأذن عثمان أرْخَيْت عليك ثيابك، فقال: يا عائشة ألاَ أسْتحْيي مِن رَجُلٍ، واللهِ إنّ الملائكة لَتَستحْيي منه)) ، رواه أحمد.
الحديث استَدلّ به مَن قال: إنّ الفخذ ليست بعورة.
واحتجّوا بهذا الحديث الذي معَنا، الذي فيه: أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان كاشفًا فخِذَه, ودَخل أبو بكر وعمر ولم يسْترْهما، قال الإمام الشوكاني في شرْح حديثٍ قبل هذا عن علي > قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ((لا تُبْرِز فخذك، ولا تنْظر إلى فخذِ حيٍّ ولا ميِّت)) .
قال الإمام الشوكاني: والحقّ: أنّ الفخذ من العورة، وحديث عليٍّ هذا، وإن كان غير مُنْتهضٍ على الاستقلال, ففي الباب من الأحاديث ما يصْلحُ للاحْتِجاج به على المطلوب.

10.2 ستر العورة، وحكم الفخذ، وعورة المرأة الحرة


وأمّا حديث عائشة -الذي معنا- فوارد في قضايا معيّنة مخْصُوصة, يتطرّق إليها من احتمال الخُصوصية، أي: خُصوصية هذا برسول الله صلى الله عليه و سلم أو البقاء على أصْل الإباحة ما لم يتطرّق غيره من أحاديث الباب؛ لأنّها تَتَضمّن إعطاء حُكمٍ كليٍّ وإظهار شرعٍ عام، فكان العَمل به أوْلى، كما قال القرطبي.
وقال الشوكاني: الحديث أخرجه البخاري أيضًا في (صحيحه) تعليقًا.

"باب: أنّ المرأة الحرّة كلّها عورة، إلّا وجهها وكفّيْها":
حديث عائشة:
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: عن عائشة: أنّ النّبي صلى الله عليه و سلم قال: ((لا يَقْبَل الله صَلاة حائضٍ إلّا بِخِمار)) ، رواه الخمسة إلّا النّسائي.
وأعلّه الحاكم بالإرسال، ورواه الطبراني في "الصغير" و"الأوسط" من حديث أبي قتادة بلفظ: ((لا يقْبَل الله مِنِ امْرأة صلاةً حتّى تُواري زينَتَها، ولا من جارية بَلَغت الحَيْض حتّى تَخْتَمِر)) .‌
وقوله: ((لا يَقبل الله صلاة حائضٍ إلّا بخِمار)) : لَفْظ "القَبُول", قد يُطْلَق على: الصحّة، وقد يُطْلق على: القَبول، بمعنى: الإثابة.
فقد يكون العَمَل صحيحًا، ولكنّ صاحبه قد لا يثاب عليه لأمرٍ خارجٍ عن هذا العمل، والمراد هنا: القبول بمعنى: الصِّحّة.

10.2 ستر العورة، وحكم الفخذ، وعورة المرأة الحرة


والحائض": مَن بلَغَت سِنّ المَحيض، لا مَن هي مُلابِسَة للْحيْض؛ فإنّها مَمْنُوعة من الصّلاة، وهو مُبَيَّن في رواية ابن خزيمة في (صحيحه) بلفظ: ((لا يقبل الله صَلاة امرأة قد حاضت إلّا بِخِمار)) .
وقوله: ((إلّا بِخِمار)) هو بِكسْر الخاء: ما يُغَطّى به رأس المرأة، قال صاحب (المُحْكم): "الخِمار": النّصيف، وجَمْعه: أخْمِرَة وخُمُر.‌
والحديث استُدِلّ به على: وجوب سَتْر المرأة لِرَأْسِها حال الصّلاة، واسْتَدلّ به مَن سَوّى بين الحُرّة والأَمَة في العَوْرة؛ لِعُموم ذِكْر الحائض, ولم يفرِّق بين الحرّة والأمَة, وهو: قَوْل أهل الظّاهر.
وفرّقت العِتْرة والشّافعي, وأبو حنيفة والجمهور, بين عَوْرة الحُرّة والأَمَة؛ فَجَعلوا عَوْرة الأَمَة ما بين السُّرّة والرّكبة كالرّجل.
وقال مالك: الأمَة عورتها كالحرّة، إلا شَعْرها فليس بعورة.
وقد اختُلف في مقدار عورة الحُرّة:
فقيل: جميع بدنِها ما عدا الوجه والكفّين.
وقيل: والقدميْنِ وموضعَ الخلخال، يعني: ما عدا الوجه والكفّين والقدميْن.
وقيل: بل جميعها إلّا الوجه، ولم يستثنِ حتّى الكفّيْن، وإليه ذهب: أحمد بن حنبل، وداود.
وقيل: جميعها بدون استثناء، وإليه ذهب: بعض أصحاب الشافعي، وسبب اختلاف هذه الأقوال: ما وقعَ من المفسِّرين من الاختلاف في تفسير قوله تعالى: ((إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا)) [النور:31].‌ وقد استدِلّ بهذا الحديث على:

10.2 ستر العورة، وحكم الفخذ، وعورة المرأة الحرة


أنّ ستْر العورة شرطٌ في صحّة الصلاة؛ لأنّ قوله صلى الله عليه و سلم : ((لا يَقبَل الله صلاةَ حائضٍ إلّا بخمار)) ، صالحٌ للاستدلال به على الشرطيّة، يعني: أنّ ستْر العورة شرطٌ في صحّة الصّلاة.
وقد اختُلِف في ذلك: فقال الحافظ في (الفتح): ذهب الجمهور إلى أنّ ستْر العورة من شروط الصلاة، ومنهم من أطلق كونَه سُنّة لا يُبطل تركُها الصلاة.

أم سلمة: "أتُصلِّي المرأة في درع وخمار؟"
عن أم سلمة < أنّها سألت النبي صلى الله عليه و سلم: "أتُصلِّي المرأة في درعٍ وخمار، وليس عليها إزار؟"، قال: ((إذا كانََ الدِّرع سابغًا يغطَّي ظهورَ قدميْها)) ، رواه أبو داود.
وأخرجه الحاكم وقال : إنّ رفْعه صحيح على شرط البخاري. انتهى.
وقد استُدِلّ بحديث أم سلمة:
فإن في بعض ألفاظه: أنّ النبي صلى الله عليه و سلم قال لها: ((إذا كان الذّراع سابغًا)) ، كما في (تلخيص الحبير) لابن حجر؛ حيث استُدِلّ به على:

10.2 ستر العورة، وحكم الفخذ، وعورة المرأة الحرة


أنّ ستْر بدن المرأة من شروط صحّة الصلاة؛ لأن تقييد نفْي البأس بتغطية القدميْن مشعِرٌ أنّ البأس فيما عداه، وليس إلّا فساد الصّلاة.
وفي هذا الحديث دليل لِمن لم يَستثْنِ القدميْن من عورة المرأة:
لأن قوله: ((يُغطِّي ظهور قدميْها)) ، يدلّ على عدم العفو.
وفي الحديث أيضًا حجّة لِمن قال: إنّ قدَمَي المرأة عورة:
فقد نفى الشوكاني أن يكون ستْر العورة شرطًا للصّلاة، وإنّما هو واجبٌ في جميع الأحوال في الصّلاة وفي غيرها، إذ النتيجة واحدة وهو: أنّه إذا كان الواجب هو ستْر العورة في جميع الأحوال، فسترها في الصّلاة من باب أوْلى، والله تعالى أعلم.‌
وقول أم سلمة <: "أتُصلِّي المرأة في درعٍ وخمار؟":
"الدّرع" هو: قميص المرأة الذي يغطِّي بدنَها ورجليْها، ويقال له: "سابغ" إذا طال من فوقٍ إلى أسفل.