![]() |
اتفق جمهور الفقهاء من حنفية ومالكية وشافعية على أنَّ الأجل الذي يضرب للمفقود حتى يحكم القاضي بموته ويوزِّع ماله بين ورثته هو أن يأتي عليه من الزمان ما لا يعيش إلى مثله غالبًا، وهو سن التعبير أي: بوفاة أقرانه المولودين معه؛ بحيث لا يبقى أحد من جيله لغلبة الظن بوفاته حينئذٍ. |
![]() |
وعند كلٍّ من الحنفية والشافعية وأحمد في رواية عنه قول بأن هذا يُترك إلى تقدير الحاكم واجتهاده؛ لأنَّ الأصل بقاء الحياة فلا يخرج عن هذا الأصل إلا بيقين، أو ما في حكمه وهو حكم القاضي بموته. |
![]() |
كذلك فإنه عند بعض فقهاء المذهب الثلاثة اختلاف في تحديد هذا بالسن من تاريخ يوم مولده عند الأحناف، قدَّره بعضهم بمائة وعشرين سنة، وقيل مائة سنة، وقيل تسعون سنة، وعليه الفتوى في المذهب الحنفي، وعند المالكية والشافعية يقدر هذا بسبعين سنة، وقيل ثمانين، وقيل تسعين، وقيل مائة، وقيل مائة وعشرين، لكن الصحيح عند المالكية هو سبعون سنة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، فأقلًُّهم من يجاوز ذلك). |
![]() |
يقول المالكية وهذا إخبار عما يتعلق به الحكم من الأعمار، وما زاد على ذلك فليس فيه دليل يتحرر لكل قول، وإنما هو على حسب ما يتغلب في الظن من طول المدة وقصرها. |
![]() |
والصحيح عند الشافعية: أنَّ المدة لا تُقدَّر بشيء؛ لأنَّ الأصل بقاء الحياة فلا يخرج عن هذا الأصل إلا بيقين، أو ما نزل منزلته وهو حكم القاضي. |
![]() |
فالأولى: غيبة ظاهرها السلامة كمن خرج للتجارة أو السياحة أو طلب العلم ونحو ذلك، فهذا يُنتظر تمام تسعين سنة من يوم مولده لأنَّ الأصل الحياة، والغالب أنه لا يعيش أكثر منها. |
![]() |
والثانية: غيبة ظاهرها الهلاك، كالذي ذهب إلى الحرب ولم يعُدْ، أو غرقت به سفينة فنجا بعض الناس دون بعض، أو فقد بين أهله كمن خرج للصلاة ونحو ذلك، فهذا ينتظر أربع سنوات؛ لأنها مدة يعود فيها التجار والمسافرون غالبًا، ولأنها هي مدة عدة زوجة المفقود، والتي تحلّ بعدها للأزواج، كما اتفق عليه جمهور الفقهاء من الصحابة والتابعين وأئمة المذهب الأربعة، يقول عمر رضي الله عنه: أيُّما امرأة فقدت زوجها فلم تدرِ أين هو، فإنها تنتظر أربع سنين ثم تعتدُّ أربعة أشهر وعشرًا، فإذا لم يَعُدْ فيها السنوات الأربع حُكم بموته، ووُزِّع ماله بين ورثته. |
![]() |
والذي أرى ترجيحه من بين هذه الآراء هو الرأي القائل بترك هذا الأمر للحاكم القاضي يقدِّره حسبما يؤديه إليه اجتهاده بعد السؤال والتحري عنه في كل مكان يتصور وجوده فيه، وهذا أمر ميسور في هذا الزمان خاصة بعد التقدم العلمي في جميع أنواع الاتصالات السلكية واللاسلكية على تعدُّد أنواعها وسرعة إفادتها بالمطلوب في وقت قياسي فاق كل تصور واحد. |
![]() |
أمَّا القول بأن مدة الانتظار تكون إلى سن التعمير أي: بوفاة أقرانه؛ بحيث لا يبقى أحد من جيله المولودين معه، فإن الوقف على هذا عسير؛ فضلًا عما يكون في البحث بهذه الطريقة من حرج ظاهر. |
![]() |
وأما القول بأن مدة الانتظار تكون إلى سن السبعين كما قال المالكية، واستدلوا عليه بقوله صلى الله عليه وسلم: ((أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين))، فنقول: إن تمام الحديث فأقلهم من يجاوز ذلك، إذا هناك من يجاوز السبعين فنعتبر المفقود من هذا الأقل الذي يجاوز السبعين مراعاة لحقه في حفظ ماله، وإلا فإذا فقد وهو ابن سبعين، أو ما فوقها فإن تركته تُوزَّع يوم فقده، وكذلك من باب أولى من فقد وهو ابن ثمانين أو تسعين أو مائة فقد فاتت مدة الانتظار. |
![]() |
وأما القول بانتظاره أربع سنوات كما قال الحنابلة إذا كانت غيبته ظاهرها الهلاك، فلماذا ننتظره أربع سنوات إذا فقد وهو ابن مائة وعشرين سنة، إذا فالذي تطمئنّ إليه النفس هو القول بترك هذا الاجتهاد وتقديره للقاضي، والله أعلم. |