٢.١٣ مشروعية المضاربة، ودليل هذه المشروعية وحكمتها، وصفة عقد المضاربة


اتفق الفقهاء على مشروعية المضاربة أو القراض وجوازها، وذلك على وجه الرخصة أو الاستحسان، فالقياس أنّها لا تجوز، ولكن الفقهاء تركوا القياس وأجازوها ترخصًا واستحسانًا؛ لأدلة قامت عندهم على مشروعيتها وهي أدلة من الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فالله تعالى: يقول: ((وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ)), [المزمل: ٢٠]، والمضارب يضرب يبتغي من فضل الله.
وأما السنة فقد روى ابن عباس رضي الله عنها أنه قال: كان العباس إذا دفع مالًا مضاربة اشترط على صاحبه ألا يسلك به بحرًا، ولا ينزل به واديًا ولا يشتري به ذات كبد رطبة، فإن فعل فهو ضامن، فرفع شرطه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجازه، رواه البيهقي وضعف إسناده.
وكذا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس يتعاقدون عليها فلم ينكر عليهم، وهذا إقرار منه على مشروعيتها، والإقرار أحد أوجه السنة بل إن كتب السيرة تروي لنا أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم خرج قبل البعثة بمال خديجة مضاربة.

٢.١٣ مشروعية المضاربة، ودليل هذه المشروعية وحكمتها، وصفة عقد المضاربة


وأما الإجماع: فقد روي عن جماعة من الصحابة رضوان عليهم أنّهم دفعوا مال اليتيم مضاربة، منهم: عمرو وعثمان وعلي وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وعائشة وغيرهم، ولم ينقل أنه أنكر عليهم، وعلى هذا تعامل الناس من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير إنكار من أحد وإجماع أهل كل عصر حجة ترك به القياس.
والحق أنَّ المضاربة أصل، وما جاء على أصل لا يقال: إنه مخالف للقياس.
قالوا في حكمة مشروعيتها: شرعت للضرورة؛ لأن الضرورة دعت إليها، لحاجة الناس إلى التصرف في أموالهم وتنميتها بالتجارة بها، وليس كل أحد يقدر على ذلك بنفسه فاضطر إلى استنابة غيره، ولعله لا يجد من يعمل له فيها بإجارة.
قال الإمام الكاساني الحنفي: إنّ الإنسان قد يكون له مال لكنه لا يهتدي إلى التجارة.
وقد يهتدي إلى التجارة، لكنه لا مال له، فكان في شرع هذا العقد دفع الحاجتين والله تعالى ما شعر العقود إلا صالح العباد ودفع حوائجهم.