١.١٥ الكلالة


ورد لفظ الكلالة في القرآن الكريم مرتين، والمرتان في آيتين من سورة النساء:
الآية الأولى: قوله تعالى: ((وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ)) [النساء: ١٢].
الآية الثانية: ((يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)) [النساء: ١٧٦].

معنى الكلالة في اللغة
الكَلَالَة في اللغة لها أكثر من معنى، فهي من: كَلَّ كلًّا بمعنى الإعياء والتعب، يقال: كَلَّ البصر والسيف وغيرهما يَكِلُّ كَلًّا وكِلَّة -بالكسر- وكَلَالَة وكُلَالَة وكَلَّلَ فهو كليل وكَلٌّ: لم يقطع، وكَلَّ لسانه وبصره يكِل: نبا. والإكليل -بالكسر: التاج، جمعه: أكاليل، والإكليل: منزل للقمر أربعة أنجم مصطفّة. والكلالة: من لا ولد له ولا والد، أو هي الإخوة للأم، أو ما خلا الوالد والولد.

١.١٥ الكلالة


معنى الكلالة عند العلماء، وأقوالهم فيها
أورد العلماء من مفسرين وفقهاء كلامًا في الكلالة وأقوالًا أكثر من أن نحصيها، وأوسع من أن نذكرها ههنا، وحسبنا أن نأتي بأهمها وأشهرها والمتفق عليه منها بين جمهورهم، و ما ورد فيها عن الصحابة -رضوان الله عليهم- فنقول: يقول القرطبي: الكلالة مصدر من: تكلّله النسب أي: أحاط به. وبه سُمِّي الإكليل وهي منزلة من منازل القمر لإحاطتها بالقمر وإذا احتل بها. ومنه الإكليل أيضا وهو التاج والعصابة المحيطة بالرأس، فإذا مات الرجل وليس له ولد ولا والد فورثته كلالة، فالأب والابن طرفان للرجل، فإذا ذهبا تكلّله النسب، فسموا القرابة كلالة؛ لأنهم أطافوا بالميت من جوانبه وليسوا منه ولا هو منهم، وإحاطتهم به أنهم ينتسبون معه، فالكلالة كل من لم يرثه أب أو ابن.
وفي اشتقاق الكلالة من الإكليل يقول القرافي: لأنَّ الإنسان ينزل منه أبناؤه فهم تحته؛ ولذلك يقول العلماء: الابن وإن سفل، وينزل من آبائه؛ ولذلك يقولون: الأب وإن علا فهم فوقه، وإخوته حوله مثل الأجنحة، فإذا لم يكن له أبناء تحته ولا آباء فوقه بقي في الوسط وإخوته حوله عن يمينه وشماله فأشبه الإكليل، وفي مسماها ثلاثة أقوال: قيل: اسم للميت، أي: هو مع الورثة كالإكليل، وقيل: للورثة الذين ليس فيهم ولد ولا أب، وقيل: للفريضة التي لا يرث فيها ولد ولا والد. ويقول الجصاص: الميت نفسه يسمى كلالة، وبعض من يرثه يسمى كلالة.وقوله تعالى: ((وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً)) [النساء: ١٢] يدل على أن الكلالة ههنا اسم للميت، والكلالة حاله وصفته، والذي يدل على أن اسم الكلالة قد يقع على بعض الوارثين ما رواه شعبة عن ابن المنكدر قال: "سمعت جابر بن عبد الله يقول: دخل علي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ فصبوا علي من وَضُوئه فعقلت، فقلت: يا رسول الله إنما يرثني كلالة، فنزلت آية الميراث، فقلت لمحمد بن المنكدر:

١.١٥ الكلالة


((يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ)) [النساء: ١٧٦]؟ قال: هكذا أنزلت".
وقد تردد عمر -رضي الله عنه- في معنى الكلالة، فقال لحفصة: إذا رأيت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- طيب نفس فسليه عنها، فرأت منه طيب نفس فسألته عنها، فقال صلى الله عليه وسلم: أبوك كتب لك هذا، ما أرى أباك يعلمها أبدا، فكان عمر يقول: ما أراني أعلمها أبدا، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما قال. وقد روى مسلم في صحيحه أن عمر بن الخطاب خطب يوم جمعة فذكر نبي الله -صلى الله عليه وسلم- وذكر أبا بكر ثم قال: إني لا أدع بعدي شيئًا أهم عندي من الكلالة، ما راجعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شيء ما راجعته في الكلالة، وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيه حتى طعن بأصبعه في صدري، وقال: يا عمر، ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء؟ وإني إن أعش أقضِ فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن، ومن لا يقرآن القرآن. يقول النووي: أما آية الصيف فلأنها نزلت في الصيف، وأما قوله: "وإني إن أعش..." إلى آخره، هذا من كلام عمر لا من كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- وإنما أخر القضاء فيها؛ لأنه لم يظهر له في ذلك الوقت ظهورًا يحكم به، فأخره حتى يتم اجتهاده فيه ويستوفي نظره، ويتقرر عنده حكمه ثم يقضي به ويشيعه بين الناس.
ولعل النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما أغلظ له لخوفه من اتكاله، واتكال غيره على ما نص عليه صريحًا وتركهم الاستنباط من النصوص.
وقد قال الله تعالى: ((وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)) [النساء: ٨٣] فالاعتناء بالاستنباط من آكد الواجبات المطلوبة؛ لأن النصوص الصريحة لا تفي إلا بيسير من المسائل الحادثة، فإذا أهمل الاستنباط فات القضاء في معظم الأحكام النازلة، أو في بعضها.

١.١٥ الكلالة


وبعد أن كثرت أقوال الصحابة في الكلالة، واختلفوا في تفسيرها حيث فسرها عمر بأنها مَنْ سوى الولد، وفسرها أبو بكر الصديق بأنها عبارة عمن سوى الوالدين والولد. يقول الرازي: عن قول أبي بكر الصديق هذا هو المختار والقول الصحيح، وأما عمر -رضي الله عنه- فإنه كان يقول: الكلالة: من سوى الولد. وروي أنه لما طُعن قال: كنت أرى أن الكلالة من لا ولد له وأنا أستحي أن أخالف أبا بكر، الكلالة من عدا الوالد والولد. وعن عمر رواية أخرى هي التوقف، وكان يقول: ثلاثة لأن يكون بيّنها الرسول -صلى الله عليه وسلم- لنا أحب إلي من الدنيا وما فيها: الكلالة والخلافة والربا. وفي رواية أخرى: الكلالة والجد والخلافة. والذي يدل على صحة قول الصديق -رضي الله عنه- أنَّ الكلالة عمن سوى الوالدين والولد، وجوه:

الوجه الأول
التمسك باشتقاق لفظ الكلالة، فيقال: كَلَّت الرحم بين فلان وفلان، إذا تباعدت القرابة، فسُميت القرابة البعيدة كلالة من هذا الوجه.

الوجه الثاني
أن الله تعالى حكم بتوريث الإخوة والأخوات حال كون الميت كلالة، ولا شك أن الإخوة والأخوات لا يرثون حال وجود الأبوين، فوجب ألا يكون الميت كلالة حال وجود الأبوين.

١.١٥ الكلالة


الوجه الثالث
أن الله تعالى ذكر حكمها في الآيات المتقدمة، ثم أتبعهما بذكر الكلالة وهذا الترتيب يقتضي أن تكون الكلالة من عدا الوالدين والولد.
وقال ابن حجر في الفتح: وقد أخرج أبو داود في المراسيل من وجه آخر عن أبي إسحاق، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: «جاء رجل فقال: يا رسول الله، ما الكلالة؟ قال: من لم يترك ولدًا، ولا والدًا فورثته كلالة».
وقد ذكر القرافي -رحمه الله- عن عمر -رضي الله عنه- حكايات في الكلالة ذكرنا بعضها، أما البعض الآخر فهو أنه كتب كتابًا فيها ومكث يستخير الله تعالى فيه، ويقول: اللهم إن علمت فيه خيرًا فأمضه، فلما طُعن دعا بالكتاب فمُحي ولم يعلم ما فيه. كما روي عنه أنه جمع أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال: لأقضين في الكلالة بقضاء تتحدث به النساء في خدورها، فخرجت عليهم حية من البيت وتفرقوا، فقال: لو أراد الله أن يتم هذا الأمر لأتمه.
وبعد، فإن القول الصحيح في تفسير معنى الكلالة هو قول أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- وهو أن الكلالة عبارة عمن سوى الوالدين والولد، وهو أيضًا قول عمر وعلي وابن مسعود -رضي الله عنهم- وهو الذي عليه جمهور أهل العلم، وهو الراجح، والله أعلم.