٣.١٣ المسألة المشتركة


سُمِّيت هذه المسألة بالمشتركة -بفتح كل من التاء والراء- لأنَّ الإخوة الأشقاء يشتركون فيها مع الإخوة لأم في فرضهم وهو الثلث، يتقاسمونه جميعًا بالتساوي بصلة قرابة الأم التي تشملهم جميعًا، بغض النظر عن قرابة الأب، فهم جميعًا إخوة من جهة الأم أيضًا.
وهذه المسألة مشهورة لقوة الخلاف فيها، ومعروفة لدى الفرضيين بأسماء متعددة، كل منها له معناه. فسميت المشتركة لاشتراك الأشقاء مع الإخوة لأم في فرضهم كما ذكرنا.
وتسمى المُشَرَِّكة بدون تاء، وهي بفتح الراء المشددة وبعضهم يكسرها على إسناد التشريك إليها مجازًا، كما تسمى بالعُمَريَّة واليَمِّيّة والحَجَرية والحِمَارية؛ وذلك لأنها وقعت في زمن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وقد قيل له: هب أن أباهم كان حجرا أو حمارا ألقي في اليم، أليست أمهم واحدة؟ كما تسمى بالمنبرية؛ لأن عمر سئل عنها وهو على المنبر، فقضى فيها قضاء آخر غير قضائه الأول.


أركان المشتركة
للمشتركة أركان أربعة لا بد من توافرها، فلو سقط واحد منها لم تكن مشتركة:
زوج.
ذات سدس من أم أو جدة صحيحة.

٣.١٣ المسألة المشتركة


إخوة لأم، اثنان فأكثر.
أخ شقيق فأكثر، سواء كانوا ذكورًا فقط أم ذكورًا وإناثًا، أي: سواء كان مع الشقيق أو الأشقاء أخت شقيقة أو أكثر، أو لم يكن أي: أن يكون الإخوة الأشقاء وارثين بالتعصيب.
ففي هذه المسألة، والحال كذلك استغرقت الفروض التركة بالزوج والأم والإخوة للأم، ولم يبق شيء للأشقاء يرثونه بالتعصيب. ومن هنا كان اختلاف العلماء فيها وتباين أقوالهم على ما سنفصل القول فيه بمشيئة الله، وحل المسألة على كل مذهب بعد ذكر محترزاتها.


محترزات الأركان
أولًا: لو لم يكن فيها زوج، أو لم يكن فيها أم أو جدة، أو كان فيها واحد من ولد الأم، لم تكن مشتركة؛ لأنه يبقى فيها بعد الفروض باقٍ للإخوة الأشقاء يرثونه بالتعصيب، ومن ثَمَّ فلا داعي للمشاركة.
ثانيًا: لو كان بدل الأشقاء إخوة لأب أو إخوة وأخوات لأب، لسقطوا لاستغراق الفروض التركة وعدم مشاركتهم في الأم للإخوة لأم.
ثالثًا: لو كان بدل الأشقاء شقيقة أو أخت لأب، أو أختان شقيقتان أو أختان لأب لفرض للواحدة فرضها وهو النصف، وفرض للثنتين فرضهما وهو الثلثان، وعالت المسألة بالنصف أو الثلثين دون تشريك.

٣.١٣ المسألة المشتركة


مذاهب العلماء في حكم المسألة المشتركة
اختلف فقهاء الصحابة في هذه المسألة وتبعهم اختلاف الأئمة الأربعة وسائر الفقهاء، والمسألة فيها مذهبان:

المذهب الأول
ذهب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في قضائه الأول إلى سقوط الإخوة الأشقاء فلم يعطهم شيئا، وذلك لما عرضت عليه المسألة في أول عام من خلافته. وبهذا قال علي وابن عباس وابن مسعود وأبي بن كعب وأبو موسى الأشعري، وهو إحدى الروايتين عن زيد بن ثابت، وبه قال الشعبي وابن أبي ليلى وشريك وأبو ثور وابن المنذر، وقد أخذ بهذا من الأئمة الأربعة أبو حنيفة وأحمد.

المذهب الثاني
ذهب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في قضائه الأخير إلى تشريك الإخوة الأشقاء مع الإخوة لأم في فرضهم وهو الثلث، حيث جعلهم يتقاسمونه جميعا ذكورا وإناثا بالتساوي.
وذلك لما عرضت عليه المسألة مرة أخرى في العام الثاني من خلافته، فقال له رجل: إنك قضيت فيها في عامك الأول بخلاف هذا، فقال: تلك على ما قضينا وهذه على ما نقضي، ولم ينقض أحد الاجتهادين بالآخر. بيد أن عمر -رضي الله عنه- كاد في أول الأمر أن يقضي فيها بقضائه...

٣.١٣ المسألة المشتركة


...الأول ويسقط الإخوة الأشقاء، لكنهم احتجوا عليه قائلين: يا أمير المؤمنين، لنا أب وليس لهم أب، ولنا أم كما لهم أم، فإن حرمتمونا بأبينا فورثونا بأمنا كما ورثتم هؤلاء بأمهم، واحسبوا أن أبانا كان حمارا أو حجرا ألقي في اليم، أليس قد تراكضنا في رحم واحدة؟
فقال عمر عند ذلك: صدقتم، وأشرك بينهم وبين إخوة الأم في الثلث. ووافقه على ذلك جماعة من الصحابة منهم: عثمان وابن مسعود، وإحدى الروايتين عن زيد وابن عباس، وهو قول شريح وسعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز وابن سيرين ومسروق وطاوس والثوري، وأخذ به من الأئمة الأربعة مالك والشافعي.

وجهة كل فريق:
وجهة أصحاب المذهب الأول
أما وجهة نظر أصحاب المذهب الأول القائل بعدم التشريك وهو القضاء الأول لعمر بسقوط الإخوة الأشقاء، والذي أخذ به الحنفية والحنابلة، فهو أن الأشقاء عصبة، والمعروف أن العصبة يأخذون ما بقي بعد أصحاب الفروض إن بقي شيء، وإلا فلا شيء لهم. وهنا في مسألتنا لم يبق شيء؛ لأن النصف للزوج والسدس للأم والثلث للإخوة لأم، فاستغرقت الفروض التركة فماذا يكون للأشقاء إذًا؟ لا شيء، فيسقطون. والدليل على هذا قوله -صلى الله عليه وسلم: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأوْلى رجل ذكر". فقد حدد صلى الله عليه وسلم استحقاق أولى رجل ذكر بوجود باقٍ بعد إلحاق الفروض بذويها، فمعناه: أنهم يسقطون إذا لم يكن باقٍ، وهذه هي مسألتنا.

٣.١٣ المسألة المشتركة


وجهة أصحاب المذهب الثاني
أما وجهة نظر أصحاب المذهب الثاني القائل بتشريك الأشقاء مع إخوة الأم في الثلث وهو القضاء الأخير لعمر -رضي الله عنه- والذي أخذ به المالكية والشافعية، فهو كما يقول الباجي:
واستدل من قال بالتشريك بما استدل به مالك، من قول الله -تبارك وتعالى: ((وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً...)) الآية [النساء: ١٢]. قال مالك: فلذلك شُوركوا في هذه الفريضة؛ لأنَّهم كلهم إخوة المتوفى لأمِّه، وهو سبب ميراث جميع الإخوة، ولا يخرج الإخوة للأب والأم مناسبتهم المتوفى بالأب عن أن يكونوا إخوته لأمه، فتحمل الآية على عمومها في كل أخ لأم، سواء كان أخا لأب أو لم يكن، والأب لا يزيد ما بينهما ضعفًا، بل يزيده قوة وتأكيدًا. وهذا هو ما قاله زيد بن ثابت لعمر -رضي الله عنهما- لما أراد أن يقضي فيها مثل قضائه الأول، حيث قال له: أليست الأم تجمعهم؟ ما زادهم الأب إلا قربا.

الرأي الراجح
والذي أرى ترجيحه هو المذهب الثاني للمالكية والشافعية القائل بتشريك الأشقاء مع إخوة الأم في الثلث، يتقاسمونه جميعًا بالتساوي، لا فرق بين الذكر والأنثى؛ وذلك لقوة وجهتهم من أن الإخوة الأشقاء يشتركون مع الإخوة لأم في الأم ويزيدون عليهم ببنوة الأب، فالأم جمعتْهم والأب زادهم قربًا وقوة، ولا يعقل أن يرث الميت من يدلي إليه بجهة واحدة ولا يرث من يدلي إليه بجهتين، فالأشقاء إن لم يرجحوا بزيادة جهة الأبوة...

٣.١٣ المسألة المشتركة


...الأبوة فلا أقل من أن يتساووا ويعتبروا جميعا إخوة لأم، ويشتركوا في الثلث بالتساوي بعد إلغاء قرابة الأب. هذا، وإلغاء قرابة الأب هنا عن الأخ الشقيق أمر اعتباري لا يزيل صفته الحقيقية وهي كونه شقيقا، وإنما كان هذا الإلغاء مراعاة لمصلحته حتى لا يحرم الميراث. ونرجح مذهب المالكية والشافعية أيضا؛ لما روى الشافعي من أن الأشقاء قالوا لعمر -رضي الله عنه- لما أراد إسقاطهم: يا أمير المؤمنين، هب أن أبانا كان حجرا ملقى في اليم -وفي رواية: كان حمارًا- أليست أمنا واحدة؟ فاستحسن ذلك، وقضى بينهم بالتشريك.

هذا، وبالرغم من ترجيحنا لمذهب المالكية والشافعية القائلين بالتشريك، فإننا نقوم بحل المسألة على المذهبين لمعرفة الفرق بين كلٍّ.
أولًا: حل المسألة على مذهب الحنفية والحنابلة:

٣.١٣ المسألة المشتركة




أخذ الجد في كل من الصورتين سهما واحدا من ستة أسهم؛ فتساويا (التعصيب والفرض).

٣.١٣ المسألة المشتركة




نماذج في المسألة المشتركة وجوابها: تأكيدا لهذه المسألة، فإننا نعيدها ضمن هذه

٣.١٣ المسألة المشتركة


النماذج بالرغم من ذكرنا لها ابتداء
ماتت عن: زوج، أم، أخوين أو إخوة لأم، أخ شقيق، أخت شقيقة.
للزوج النصف فرضًا لعدم وجود فرع وارث بطريق الفرض أو التعصيب، وللأم السدس فرضا لوجود جمع من الإخوة، وللأخوين أو الإخوة لأم الثلث فرضا لأنهم أكثر من واحد، وللأخ الشقيق وأخته الشقيقة الاشتراك مع الإخوة لأم في فرضهم الثلث، ويقسم بين الجميع بالسوية.

ماتت عن: زوج، أم، أخوين لأم أو إخوة، أخ شقيق.
للزوج النصف فرضا لعدم وجود الفرع الوارث بطريق الفرض أو التعصيب، وللأم السدس لوجود جمع من الإخوة، وللأخوين أو الإخوة لأم فرضهم وهو الثلث لأنهم أكثر من واحد، وبهذا تكون أنصباء ذوي الفروض قد استغرقت التركة كلها ولم يبق شيء للأخ الشقيق، ومراعاة لعدم حرمانه من الميراث فإن قرابته لأبيه تلغى ويعتبر أخًا للأم فيشترك مع الأخوين لأم في فرضهما وهو الثلث يقسم بينهم بالسوية. وهنا لم توجد أخت شقيقة مع الأخ الشقيق، لكن الحكم لم يختلف لاستغراق الفروض التركة قبل الأخ الشقيق.

٣.١٣ المسألة المشتركة


ماتت عن: زوج، أم أب، أختين لأم، أخ شقيق، أخت شقيقة
للزوج النصف فرضا لعدم وجود الفرع الوارث بطريق الفرض أو التعصيب، ولأم الأب السدس فرضا، وللأختين لأم فرضهما وهو الثلث، وهنا استغرقت الفروض التركة ولم يبق شيء للأخ الشقيق وأخته الشقيقة، ومراعاة لمصلحتهما ألغيت قرابة أبيهما واعتبرا ولديْ أم، ومن هنا اشتركا في ثلث الأختين لأم يقسم بينهم جميعا بالسوية دون تفضيل ذكر على أنثى، وهنا لم توجد (أم) بل وجدت (أم أب) ولم يختلف الحكم؛ لأنه كما ذكرنا ابتداء أن يكون ضمن الورثة صاحب سدس فرضًا وليس بشرط أن يكون هو الأم.

ماتت عن: زوج، أم أم، أخ لأم، أخت لأم، أخوين شقيقين، ثلاث أخوات شقيقات
للزوج النصف فرضا لعدم وجود الفرع الوارث بالفرض أو التعصيب، وأم الأم تأخذ فرضها وهو السدس، والأخ لأم ومعه الأخت لأم يأخذان فرضهما وهو الثلث.وبهذا تكون التركة قد استغرقت بسهام ذوي الفروض ولم يبق شيء للأخوين الشقيقين والأخوات الشقيقات لأنهم يرثون بالتعصيب، فلا حق لهم في الميراث إلا بعد استيفاء أصحاب الفروض لأنصبائهم. لكن مراعاة لمصلحتهم فإنهم يشتركون مع أولاد الأم، وتلغى قرابتهم للأب ويعتبرون أولاد أم، ومن ثم اشتركوا في ثلث أولاد الأم، ويوزع بينهم بالسوية دون تمييز للذكر على الأنثى. وفي هذه المسألة لم توجد (أم) بل وجدت (أم أم)، ومع ذلك لم يختلف الحكم في المسألة المشتركة؛ لأنه كما قررنا ابتداء أن الشرط وجود صاحب سدس فرضا بغض النظر أن يكون هو (الأم) أو غيرها.