٢.١٣ دليل ميراث الأخت الشقيقة


قد دل على ميراث الأخت الشقيقة كلٌّ من الكتاب والسنة


أولا: الكتاب
قوله تعالى: ((يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ)) [النساء: ١٧٦].
وجه الدلالة من الآية:
قد دلت هذه الآية الكريمة على بيان ميراث أربع حالات من الخمس الخاصة بالأخت الشقيقة، وهذه الحالات الأربع هي الثلاثة الأولى والحالة الخامسة والأخيرة وهي حالة الحجب، وبيانها كالتالي:

الحالة الأولى
وهي: استحقاق الواحدة للنصف فرضًا، دل عليه قوله تعالى: ((وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ)) [النساء: ١٧٦].

٢.١٣ دليل ميراث الأخت الشقيقة


الحالة الثانية
وهي: استحقاق الثنتين فأكثر للثلثين فرضًا، دل عليه قوله تعالى: ((فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ)) [النساء: ١٧٦]. فإذا كان فرض الثنتين هو الثلثان أقصى فرض الأخوات، فيكون الثلثان فرض الأكثر من الثنتين كذلك، فهذا يستفاد من هذه الآية كما يستفاد بالقياس على ما فوق الثنتين من البنات في الآية الخاصة بهن، وهي قوله تعالى: ((يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ)) [النساء: ١١].
فحكم الثنتين من البنات يؤخذ من آية الأخوات، وحكم ما فوق الثنتين من الأخوات يؤخذ من آية البنات.
وقد ذكرناه وبينا ما فيه من خلاف بين ابن عباس والجمهور في موضعه وهو (ميراث البنت).

الحالة الثالثة
وهي: إرث الأخت الشقيقة بالتعصيب بالغير وهو الأخ الشقيق، دل عليه قوله سبحانه: ((وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ)) [النساء: ١٧٦].

٢.١٣ دليل ميراث الأخت الشقيقة


الحالة الرابعة
وهي: حجب الأخت عن الميراث بالفرع الوارث المذكر وهو الابن وابن الابن مهما نزل، والأصل الوارث المذكر وهو الأب. أما حجبها بالفرع المذكر الذي هو الابن وابنه مهما نزل، فقد دل عليه من الآية قوله تعالى: ((إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ)) [النساء: ١٧٦].
فقد شرط سبحانه استحقاقها النصف بعدم الولد. فإذا قيل: إن لفظ الولد يشمل الذكر والأنثى، فجوابه: إن المراد بالولد هنا خصوص الذكر؛ لأن الأخت ورثت مع الفرع الوارث المؤنث وهو البنت وبنت الابن بالتعصيب، وقد ثبت ذلك بالسنة كما سنقرره بمشيئة الله الآن.
وأما حجبها بالأصل الوارث المذكر وهو الأب، فقد دل عليه من الآية قوله سبحانه: ((يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ)) [النساء: ١٧٦]، ومعنى الكلالة: من لا والد له ولا ولد، والآية نزلت في إرث الإخوة والأخوات الأشقاء.
فمعناها: أنهم لا يرثون إلا في حالة الكلالة، أي: عند عدم الوالد والولد.
يقول القرطبي في قوله تعالى: ((إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ)) [النساء: ١٧٦]: أي: ليس له ولد ولا والد، فاكتفى بذكر أحدهما.
قال الجرجاني: لفظ الولد ينطلق على الوالد والمولود، فالوالد يسمى والدا لأنه وَلَدَ -بفتح الواو- والمولود يسمى ولدا لأنه وُلِدَ -بضم الواو- كالذرية فإنها من ذرا ثم تطلق على المولود وعلى الوالد، قال الله تعالى: ((وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ)) [يس: ٤١].

٢.١٣ دليل ميراث الأخت الشقيقة


وهذه الآية تسمى بآية الصيف؛ لأنها نزلت في زمن الصيف. قال عمر: إني والله لا أدع شيئا أهم إليَّ من أمر الكلالة، وقد سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عنها فما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيها، حتى طعن بأصبعه في جنبي أو في صدري، ثم قال: "يا عمر، ألا تكفيك آية الصيف التي أنزلت في آخر سورة النساء؟". ويقول الرازي: إن قوله تعالى: ((وَلَهُ أُخْتٌ)) [النساء: 176] المراد منه الأخت من الأب والأم أو من الأب؛ لأن الأخت من الأم والأخ من الأم قد بين الله حكمه في أول السورة بالإجماع.


ثانيا: السنة
أما السنة فقد دلت على ميراث الأخت الشقيقة بالتعصيب مع الغير، وهو الفرع الوارث المؤنث وهو البنت وبنت الابن مهما نزل.
فقد روى البخاري في صحيحه عن هزيل بن شرحبيل قال: سئل أبو موسى عن ابنة وابنة ابن وأخت، فقال: للابنة النصف وللأخت النصف وأْت ابن مسعود فسيتابعني. فسئل ابن مسعود وأخبر بقول أبي موسى فقال: لقد ضللت إذًا وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى النبي -صلى الله عليه وسلم: للابنة النصف ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين وما بقي فللأخت، فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم". وجه الدلالة من الحديث:
دل الحديث على أن الأخت ترث مع البنت الصلبية وبنت الابن ولا يمنعانها من الميراث، لكن إرثها هنا ليس بطريق الفرض المقدر لها وهو النصف، بل إرثها هنا بطريق التعصيب حيث أخذت الباقي، ومعروف أن الباقي هنا هو الثلث.

٢.١٣ دليل ميراث الأخت الشقيقة


وقد أخبر ابن مسعود -رضي الله عنه- أن هذا هو قضاء النبي -صلى الله عليه وسلم.
وأيضا فقد أورد البخاري في صحيحه عن الأسود قال: "قضى فينا معاذ بن جبل على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- النصف للابنة والنصف للأخت، فالنصف الذي أخذته الأخت هنا ليس فرضا بل تعصيبا؛ لأنها مع البنت فهي عصبة مع الغير. ينقل ابن حجر عن ابن بطال قوله: أجمعوا على أن الأخوات عصبة البنات فيرثن ما فضل عن البنات، فمن لم يخلف إلا بنتا وأختا فللبنت النصف وللأخت النصف الباقي على ما في حديث معاذ، ومعنى النصف الباقي أي: تعصيبا. وإن خلف بنتين وأختا فلهما الثلثان وللأخت ما بقي، وهذا تأكيد على أن إرث الأخت هنا بطريق التعصيب؛ لأنَّها هنا تأخذ الباقي وهو الثلث وليس هذا فرضها، فلا يكون إلا تعصيبًا".


نماذج في ميراث الأخت الشقيقة وجوابها
مات عن: أربع أخوات شقيقات، ثلاثة إخوة أشقاء.
التركة لهم جميعًا، للذكر مثل حظ الأنثيين.
مات عن: زوجة، بنت، أختين شقيقتين، أخ شقيق.

٢.١٣ دليل ميراث الأخت الشقيقة


للزوجة فرضها وهو الثمن لوجود الفرع الوارث، وللبنت فرضها وهو النصف، والباقي وهو ثلاثة أثمان التركة للأخ الشقيق مع أختيه الشقيقتين، يوزع بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين.
ماتت عن: زوج، أم، أخت شقيقة، أخ شقيق.
للزوج النصف فرضا، وللأم السدس فرضا، والباقي وهو الثلث يأخذه الأخ الشقيق مع أخته الشقيقة، يوزع بينهما للذكر ضعف الأنثى.
ماتت عن: زوج، بنتين، أم، أخت شقيقة، أخ شقيق.
للزوج فرضه وهو الربع، وللبنتين الثلثان، وللأم السدس.
وهنا استغرقت الفروض التركة كلها، فلم يبق شيء للأخ الشقيق وأخته الشقيقة.