٢.١٦ انتهاء الحرب في الإسلام، معاملة الأسرى في الإسلام


انتهاء الحرب في الإسلام
تنتهي الحرب في الإسلام بأحد طُرق خمس
باعتناق العدو للإسلام، فتُعصم الدماء والأموال، وتُصبح بلاده "دار إسلام".
بالدخول مع المسلمين في صُلح مؤقّت وهو: الهدنة وتمتّع المهَادنين بالأمان على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وذراريهم؛ لأنّ الهُدنة أو الموادعة عقد أمان، أو مؤبّد وهو: عقد الذِّمّة، ويكون لهم ما لَنا وعليهم ما علينا، ويُترَكون وما يَدينون، ويدفعون الجزية صغَارا ً للكف عن قتلهم ومقابل عدم تكليفهم بواجبات الجهاد أو الدفاع عن البلاد.
بالفتح؛ أى: بضم هذه البلاد بأهلها للدولة الإسلامية وتجري عليها أحكام الإسلام، وتُترَك الأرض عادة عقب الفتح بيد أهلها الأصليِّين ويضرب عليها الخراج، ويلاحظ أنه لم يُعتبر الفتح غير مشروع بين الدول إلاّ في السنين الأخيرة من عصرنا الحديث.
بترْك القتال، أو بالانسحاب الجماعي للجيش، إذا رأى القائد مصلحة في الانصراف عن الحرب، كانسحاب المسلمين بقيادة خالد بن الوليد أمام جيش الروم الكثيف في موقعة مُؤتة بالشام.

٢.١٦ انتهاء الحرب في الإسلام، معاملة الأسرى في الإسلام


إنهاء الحرب بالوسائل السلمية كالتحكيم، وهو: اتفاق بين الطرفيْن أو أكثر على إحالة النزاع بينهم إلى طرف آخَر ليحكم فيهم، كمحكمة العدل الدولية، قواعد التحكيم في محكمة العدل الدولية لا تخرج عن كونها: إمّا اتفاقًا دوليًّا، أو عُرفًا عامًا سارت الدول على مقتضاه، أو قاعدة من قواعد العدل والإنصاف. فإذا أضرّت قاعدة ما بالمسلمين، كانوا بالخيار -كما هو المقرّر دوليًّا- في عدم عرض النزاع على محكمة العدل المذكورة.

أثر الحرب في الأشخاص والأموال
أمّا عن أثر الحرب في أموال العدو، فيظهر ممّا وضّحه فقهاؤنا في بحث: الفيء والغنائم.
و"الفيْء" -كما قلنا من قبْل- هو: المال الذي يؤخذ من غير قتال، أي: بطريق الصلح، كالجزية، والخراج.
و"الغنيمة" هي: ما أُخذ من أموال أهل الحرب عنوة، بطريق القهر والغلبة، وقد تناولنا هذا وغيره في كلامنا السابق عن: موارد بيت المال، أو عن النظام المالي في الإسلام.

٢.١٦ انتهاء الحرب في الإسلام، معاملة الأسرى في الإسلام


أمّا عن أثر الحرب في أشخاص العدوّ، فيتجلّى بصفة بارزة في الأسرى؛ لأنّ العادة تقضي بأن يقع عقِب القتال في سلطة المتحاربين بعض أفراد من العدو يُعتبَرون أسرى حرب.
وفي البداية، أُلْفِت انتباهكم إلى ما جاء في "الموسوعة الفقهية الكويتية" من دراسة جيدة مفصّلة عن الأسرى، ابتداءً من تعريف الأسير، والألفاظ ذات الصلة به، كالسّبي، والرهينة، ثم من يجوز أسْرهم ومن لا يجوز، ومعاملة الأسير قبْل نقله لدار الإسلام، وحُكم الإمام في الأسرى من الفداء بالمال، أو بأسرى المسلمين، وماذا لو أسلم الأسير؟ وبمَ يُعرف إسلامه؟ وأموال الأسير، وحكم أسرى البغاة، والذمِّيِّين، والحربيّين، والمرتدّين إذا أعان هؤلاء الأعداء، وما يتعلّق بذلك من أحكام.
ثم انتقلت الموسوعة إلى تفصيل أحكام أسرى المسلمين إذا تترّس بهم الكفار، وكذلك استنقاذهم ومفاداتهم، ومدَى تطبيق بعض الأحكام الشرعية عليهم، كحقّ الأسير في الغنيمة، وفي الإرث والتصرفات المالية، وجنايته، ونكاحه، والاستعانة به، وما ينتهي به الأسر بما يُقرِّره الإمام من قتْل، أو استرقاق، أو منٍّ، أو فداء بمال، أو عن طريق تبادل الأسرى، أو بموت الأسير قبل قرار الإمام فيه، أو بفراره؛ أحكام ومسائل كثيرة، أنصح بالاطّلاع عليها ما دام الوقت لم يتّسع للوقوف عند أهمِّها على الأقل.


٢.١٦ انتهاء الحرب في الإسلام، معاملة الأسرى في الإسلام


معاملة الأسرى في الإسلام
فلقد اتّسمت معاملة المسلمين لأسرى العدو بالرفق، والرحمة، والإنسانية، والتكريم، والبِر، والإحسان من الناحيتيْن: النظرية والواقعية.
قال النبي -صلى الله عليه وسلم: {{استَوصُوا بالأسارى خيرًا}}، وقال تعالى: ((وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا، إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا)) [الإنسان: ٧، ٨].
وبناءً عليه قال الفقهاء: لا يجوز تعذيب الأسرى بالجوع والعطش وغيرهما من أنواع التعذيب؛ لأنّ ذلك التعذيب من غير فائدة.
وقد ثبت أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في بني قريظة، بعد أن احترق النهار في يوم صائف: {{لا تجمعوا عليهم حرّ هذا اليوم، وحرّ السلاح! قيلوهم حتى يبردوا}}. يا لها من رحمة!
واستمرّ هذا المنهاج في تاريخ المسلمين على مدى العصور، بالإحسان إلى الأسرى، عملًا بوصية الرسول الأعظم فيهم. فكان يربط الأسير في المسجد -في مبدأ الأمر- حتى يتقرّر مصيره، إما باعتناق الإسلام، أو المن عليه بدون مقابل، أو بالمفاداة ومبادلة الأسرى. ويُقدّم له الطعام والشراب، والكسوة الملائمة، والعلاج الناجع. ولا يُكرَه الأسير على الإدلاء بالأسرار العسكرية.


٢.١٦ انتهاء الحرب في الإسلام، معاملة الأسرى في الإسلام


وقد دخل عمر بن العزيز في مفاوضات مع البيزنطيِّين أو الرومان للبحث في مشكلة الأسرى المسلمين وغير المسلمين، ومفاداتهم عقب الحملات التي توجّهت إلى آسيا الصغرى طوال حُكم الخلفاء السابقين.
وكانت معاملة الأسرى في الحروب الصليبية من قبل صلاح الدين الأيوبي مَثَلًا أعلى للتسامح، والترفّع، والسمو؛ إذ توسّل إليه رهط من النساء وناشَدْنه أن يفكّ سراح أزواجهنّ وأولادهن، فتأثّر صلاح الدين بتوسّلاتهن، وأمر بردِّ الأسرى إلى أقاربهم. ووزّع الصدقات على اليتامى والأرامل، وعمل على إسعاف الجرحى، ومعالجة المرضى بحجّاج المسيحيِّين. وكان الصليبيون على العكس، يقتلون الأسرى، كما فعل (ريتشارد) الذي قتل من المسلمين أمام بيت المقدس ثلاثة آلاف. وقتل الصليبيون في الحملة الصليبية الأولى من الأهالي ما يزيد عن سبعين ألْفًا، وقد حكى القانون الدولي هذه المعاملة الرحيمة بالأسرى في ظل الإسلام؛ فأوجب صيانة حياة الأسرى، وأوصى بحسن معاملتهم بما تقتضيه الإنسانية المتمدِّنة، ونظّم معاملتهم في لائحة "لاهاي" في الحرب البرية سنة (١٩٠٧ م)، وفي اتفاقية "جنيف" الثانية (١٩٢٩ م، ١٩٤٩ م).


٢.١٦ انتهاء الحرب في الإسلام، معاملة الأسرى في الإسلام


مصير الأسرى في رأي الفقهاء
مصير الأسرى يتحدّد بحسب رأي الإمام. يفعل ما يراه مصلحة ملائمة من اختيار أحد أمور هي عند الحنفية: القتل، أو الاسترقاق، أو ترْكهم أحرارًا ذمّة للمسلمين، إلا مشركي العرب والمرتدّين، فإنهم لا يُسترَقُّون، ولا يكونون ذمة، بل الإسلام أو القتل. وهي أربعة عند غير الحنفية: القتل، الاسترقاق، المنّ، والفداء بمال أو أسرى، وأضاف المالكية أمرًا خامسًا هو: عقْد الذِّمّة معهم، وتكليفهم بالجزية.
لتخيير بين هذه الأمور الأربعة أو الخمسة أو الأقل، كان مراعىً فيه العرف القائم بين الأمم قبل بزوغ فجر الإسلام. واستمر الحال لفترة ما بعد الإسلام على سبيل المعاملة بالمثْل. ولكن لم يلجأ المسلمون إلى قتل الأسير إلاّ في حالات نادرة وبقدر محدود، كقتل اثنيْن يوم بدر، وواحد يوم أُحُد، وقتْل بني قريظة بالتحكيم، والأمر بقتل ثمانية يوم فتح مكة بظروف خاصة مشدّدة أملَتْها ضرورة العداوة والإمعان في الأذى من قِبَل هؤلاء، أو لنقض العهد المتكرر والاستخفاف بالمسلمين، حسْمًا لمادة الفساد، واستئصالًا لجذور الشر وشرايين الفتنة التي تستمر لولا التخلص منهم الذي تلجأ إليه الضرورة.


٢.١٦ انتهاء الحرب في الإسلام، معاملة الأسرى في الإسلام


والإسلام يحترم جثث القتلى، فلا يمنع من تسليمها للعدو، كما حصل في تسليم جثة نوفل بن عبد الله عقِب الخندق، ويحرم التمثيل بالقتلى، ويُدفَنون ولا يتركون على ظهر الأرض، كما دفن قتلى المشركين في القليب -أي: البئر- بعد بدر، ويجوز وقف القتال لنَقْلهم، ويعالج الجرحى والمرضى، ولا يُجهز عليهم.
وأمّا الاسترقاق، كان أيضًا معاملة بالمثْل، لقوله تعالى: ((فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ)) [البقرة: ١٩٤]، وقوله تعالى: ((وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ)) [البقرة: ١٩٤]، وفي حالات محدودة، حيث استرقاق الأعداء بالفعل أسرى المسلمين، فلو لم يعامَلوا بالمثْل لاستمرّ العدو في فعْله. ولم يُحرّم الإسلام الرِّقّ؛ لأنه كان عماد الحياة الاقتصادية والاجتماعية؛ وإنما كان دوره أفعل وأقوى في إيقاظ الضمير البشري، حينما أوصى بضرورة الإحسان إلى الأرقّاء، وتنبيه الناس إلى أنّ الأصل في الإنسان الحرية والرق عارض.
وهذا ما مهّد لتحرير الأرقّاء وتحريم الرق، فأيّدت الدولة العثمانية -الممثِّلة للخلافة الإسلامية- مشروعَ إلغاء الرقيق، وأظهرت ارتياحًا حسَنًا نحو ذلك؛ لأن دين الإسلام يأمر بالحرية.

وهكذا يتّضح لنا مدى عناية الشريعة الإسلامية بأمْر أسرى الحرب منذ أربعة عشر قرنًا؛ بل ما أكثر مظاهر الرأفة والرحمة بهم، وهذه أحكام الحرب في الإسلام، وفيها نرى الرحمة، والفضيلة، والكرامة الإنسانية، والله سبحانه بكل شيء عليم.

٢.١٦ انتهاء الحرب في الإسلام، معاملة الأسرى في الإسلام


وإذا كان مؤتمر "فينّا" سنة (١٨١٥ م) قد حرّم الاتّجار بالرقيق، واتّفاقية جنيف سنة (١٩٤٩ م) قد منعت الاسترقاق، إلاّ أنّ أكثر الدول المعاصرة في أوربا وأمريكا لا تزال تميِّز بين الجنس الأبيض والجنس الملوّن، وتظل مشكلة التفرقة العنصرية تشجب السياسة الاستعمارية في إفريقيا، وفي فلسطين، وأيضًا في العراق، ويعامَل الزنوج في أمريكا معاملة سيِّئة تمتد إلى إهدار كرامة الإنسان نفسها، وكان
النازيون وغيرهم من المستعمِرين في الحرب العالمية الثانية يقتلون الآلاف المؤلّفة من الأسرى، ويذيقونهم قبل القتل
أشدّ العذاب.