٢.١٥ مفهوم (السيادة) بين القانون الدولي وبين التشريع الإسلام
مفهوم "السيادة" بين القانون الدولي وبين التشريع الإسلامي.
 |
وهذه السيادة فكرة حديثة نسبيًّا؛ فلم تكن معروفة حتى القرن السادس عشر. وهي تعني: مجموعة من الاختصاصات تنفرد بها السلطة السياسية في الدولة، وتجعل منها سلطة آمِرة عُليا. ولعلّ أهمّ هذه الاختصاصات هو: قدرتها على فرض إرادتها على غيرها من الهيئات والأفراد، بأعمال من جانبها وحْدها تكون نافذة من تلقاء نفسها، دون أيّ توقف على قبول المحكومين لها، أو على سلطان آخَر، والمعيار التقليدي للدولة هو: السيادة؛ فالذي يميّز الدولة عن غيرها من الجماعات هو تمتّعها بالسيادة بأن يكون سلطان الدولة أصيلًا غير مستمدّ من دولة أخرى، وأن يكون ذلك السلطان مبسوطًا في كلّ أجزاء الدولة مهما تتعدّد فيها القوميات أو تتسع الأراضي وتتباين أجزاؤها، وأن تكون علاقتها بغيرها قائمة على أساس سلطانها، ولا يكون مستمدًا من سلطان آخَر، إلا أن يكون تنفيذًا لعهد لا يمس الاستقلال، بل يكون منبعثًا منه لا من شيء سوى الوفاء بالعهود الذي تقوم عليه العلاقات الدولية الحرة، وبذلك يكون لسيادة الدولة مظهران: |
|
 |
أوّلهما: سيادة خارجية، وهي مرادفة للاستقلال السياسي. ومقتضاها: عدم خضوع الدولة صاحبة السيادة الخارجية لأية دولة أجنبية. |
|
 |
وثانيهما: سيادة داخلية، أو "النظام العام". ومضمون هذا المصطلح: أن الدولة تتمتّع بسلطة عليا على جميع الرعايا أو الأفراد، والهيئات الموجودة على إقليمها. |
٢.١٥ مفهوم (السيادة) بين القانون الدولي وبين التشريع الإسلام
 |
ولكن أصبحت "نظرية السيادة" في المفهوم الحديث نسبيّة؛ إذ إنّ سيادة الدولة صارت خاضعة داخليًا للخير العام القومي، وخارجيًا للخير المشترك الدولي.
وفي أعقاب الثورة الفرنسية، أصبحت السيادة للشعب. والحُكام يُعبرون عن إرادة الشعب، ويخضعون للرقابة الشعبية بواسطة الهيئات التشريعية والقضائية التي تُدافع عن مبدأ "سيادة الشعب" أو "الأمّة" تحت أي مسمى: "البرلمان"، "مجلس الشعب"، "مجلس الأمّة"، "مجلس الشورى"... إلخ.وحين نبحث عن هذيْن المظهريْن للسيادة في الفكر الإسلامي، فإننا نكتفي بتقرير ما يلي:
|
|
 |
أولًا: السيادة الخارجية، حيث يتّضح مظهر السيادة في المجال الدولي أو الخارجي ممّا يقرّه القرآن الكريم من مبدأ توفير العزة والاستقلال لدولة الإسلام، دون السماح لأية سلطة أخرى بانتقاصه، أو محاولة التسلط عليه، في مثل قوله تعالى: ((وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا)) [النساء: ١٧١]، وقوله سبحانه: ((وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)) [المنافقون: ٨]. |
٢.١٥ مفهوم (السيادة) بين القانون الدولي وبين التشريع الإسلام
|
 |
ثانيًا: السيادة الداخلية، ويكفي أن نعلم أنّ الفكر الإسلامي يقرِّر بخصوص السيادة الداخلية: أن تكون للدولة الهيمنة التامة على جميع الأشخاص والهيئات القائمة في دار الإسلام؛ فتلتزم الرعية بالسمع والطاعة ضمن حدود الشرع، ويخضع الحاكم لأوامر الأمّة ضمن أوامر الشرع، قال الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)) [النساء: ٥٩]، قيل: هم الأمراء، وقيل: هم العلماء. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: {{لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إنما الطاعة في المعروف}}. وقال أيضًا: {{مَن أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومَن يُطِعْ أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يعصِ أميري فقد عصاني}}. |
 |
وطاعة الحاكم تكون ضمن حدود الشرع، لا لِشخْصه، وإنما لِما يتمثّل فيه من تطبيق أحكام الشريعة، واحترام قواعدها، وتنفيذ حدودها، وتحقيق أهدافها؛ لأن المُعوّل عليه في الإسلام هو: سيادة الشريعة الإلهية المستمَدة من الوحي الإلهي المتمثِّل في القرآن الكريم والسُّنّة المطهرة، وما يئول إليها من إجماع الفقهاء أُولي الحَلِّ والعقد، واجتهاداتهم وفْق مبادئ الشرع وقواعده وروحه التشريعية العامة. |
٢.١٥ مفهوم (السيادة) بين القانون الدولي وبين التشريع الإسلام
 |
ومن المعلوم: أنّ النصوص القرآنية قد تضافرت على بيان استقلال الله تعالى بالسلطة في تشريع الأحكام، كقوله تعالى: ((فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِير)) [غافر: ١٢]، وقوله: ((وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِين)) [الأعراف: ٨٧]، وقوله: ((أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)) [المائدة: ٥٠]، وقوله: ((وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ)) [المائدة: ٤٤]، أو ((الْكَافِرُون))، أو ((الْفَاسِقُون))، وقوله: ((وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ)) [المائدة: ٤٩]، ونحو هذا كثير في القرآن الكريم. |
 |
فسيادة الدولة لا ترتبط بشخص الحاكم، وإنما بوصفه ممثِّلًا للدولة. فإذا مات أو خُلع أو استقال، ظلّت الأنظمة في الداخل والخارج سائدة ونافذة، سواء في تعيين موظف، أم في الالتزام بموجب معاهدة مع دولة أخرى، وسيادة الدولة الإسلامية شاملة لجميع أراضيها، والأشخاص الذين يقيمون في ديارها، سواء أكانوا مسلمين، أو ذميين، أو مستأمَنين. ويدخل في ذلك ما هو معروف حديثًا من امتداد السيادة على الجو الإقليمي والمياه الإقليمية، بحسب الأعراف السائدة. |
٢.١٥ مفهوم (السيادة) بين القانون الدولي وبين التشريع الإسلام
 |
والشريعة الإسلامية هي القانون الوحيد الواجب التطبيق على المسلمين وغير المسلمين في دار الإسلام، إلاّ في مسائل الزواج أو الأسرة بالنسبة لغير المسلمين؛ فإنهم -من منطلق السماحة الدينية، وعملًا بالمبدأ الشرعي: أُمِرْنا بتَرْكهم وما يَدينون-، فيحكِّمون شريعتهم حيث يُترك للمجالس المِلِّيّة مثلًا الحكمُ بأنظمتهم بين الذميِّين في مسائل الأحوال الشخصية، فيما عدا المواريث، والأوقاف، والولاية على المال؛ وذلك إذا كان الخصوم متّحدِين في الملة والطائفة، فإن اختلفوا في ذلك، كانت الولاية للمحاكم الشرعية الإسلامية، وإذا أُسيء استخدام هذا الامتياز، يمكن إلغاؤه، فالأصل العام المقرّر لدى جماهير علماء المسلمين: أنّ السلطة السياسية في جميع بلاد الإسلام في المشرق والمغرب واحدة؛ لأن الإسلام دين الوحدة، ولأنّ المسلمين أمّة واحدة، رائدها التعاون والتضامن، وعدوّها التفرق والتنازع. قال تعالى: ((إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً))، وقال: ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة)) [الحجرات: ١٠]، كما أن سلطات الدولة الإسلامية تشمل مختلف جوانب الحياة الدينية والدنيوية؛ لأن الإمامة أو الخلافة هي موضوعة لخلافة النبوّة في حراسة الدين وسياسة الدنيا. |