٢.١٤ الوفاء بالعهد، المودّة الإنسانية، ومنع الفساد
الوفاء بالعهد
 |
وقد جاء الإسلام داعيًا إلى السلام، وإن كان أشدّ ما يُبغضه الاستسلام. وقد ذكر الله سبحانه أنّ على المسلمين واجبَ الأخذ بالسِّلم أو بالسلام إذا مال أعداء الإسلام له، وَرَد ذلك في قوله تعالى: ((وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ)) [الأنفال: ٦١، ٦٢]. وإن السبيل لاستقرار السلام هو: معاهدات الأمان وعدم الاعتداء. وإن المعاهدات لا تستمدّ قوتها من نصوصها، بل من عزيمة عاقِديها على الوفاء بمتطلّباتها، ولذلك حثّ القرآن على الوفاء بالعهود والمواثيق، واعتبر الوفاء بالعهد والميثاق قوّة، والنكث فيه سبيلٌ إلى الضعف والانهيار. وإن مَن يوثّق عهده بيمين الله، فقد اتخذ الله كفيلًا بوفائه، فإذا غدر بعهده فقد اتّخذ عهد الله للغش وزيف القول.
وقد أثبتت الأيام وحوادث التاريخ أنّ القوة التي تكون من نقض العهود مآلها الزّوال. ومعنى قوله تعالى: ((فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا)) [النحل: ٩٤]، أي: أنّ نقْض العهود يُؤدِّي إلى ضعف القوة. والنقضُ في ذاته زلل للأمم، وما أكثر الحضارات التي تهاوت بسبب هذا الغدر.
|
٢.١٤ الوفاء بالعهد، المودّة الإنسانية، ومنع الفساد
 |
قد حثّ النبي صلى الله عليه وسلّم في طائفة كثيرة من الأحاديث الصحيحة المرويّة عنه على الوفاء بالعهود عامّة، وعلى الوفاء بالعهود التي يعقدها رؤساء الأمم في تنظيم العلاقات الدولية بوجه خاصّ. يقول -عليه الصلاة والسلام- على سبيل المثال: {{ألاَ أخبركم بخياركم؟ خيارُكم: الموفون بعهودهم}}. ويقول: {{أنا أحقّ مَن وفّى بعهده}}. وقد عقد المشركون مع النبي -صلى الله عليه وسلم- عهدًا على ألاّ يقاتلوهم، وأن يوادعوهم مدة من الزمان. فذكَر له بعض المسلمين أنهم على نية الغدر به، وعلى أهبة أن يقاتلوه، فقال -عليه الصلاة والسلام: {{وفّوا لهم. ونستعين بالله عليهم}}. وكان ينهى عن الغدر بمقدار حثِّه على الوفاء. وكان يعتبر أعظم الغدر غدْر الحُكام، فهو يقول: {{لا غادرَ أعظمُ غدرًا من أمير عامّة}}. ويقول -عليه الصلاة والسلام: {{لكل غادر لواء يوم القيامة، وأكبرُ لواء غدْر أمير عامّة}}، وذلك لأنّ غدر المتولِّي أمْر الأمة يؤدّي إلى عدم الثقة بها فتكون غرضًا لأعدائها. |
٢.١٤ الوفاء بالعهد، المودّة الإنسانية، ومنع الفساد
المودّة الإنسانية ومنع الفساد
 |
قد أمَر الله تعالى بأن توصل القلوب بالمودّة والرحمة، وإنّ الإسلام لا ينهى عن بِرّ كلّ من لا يعتدي على المسلمين. ويصرّح بذلك القرآن الكريم في كثير من آياته، فالبر ثابت للمسلم وغير المسلم، يقول الله تعالى: ((لاَ يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ)) [الحشر: ٨، ٩]. ففي أثناء الحرب تنقطع العلاقات بين المسلمين والمحاربين بالفعل، أمّا رعايا الأعداء الذين لا يشتركون في القتال فإنّ مودتهم لا تنقطع، وإن قامت أسبابها، ولذلك لا يمنع قيام الحرب وجود مستأمَنين يقيمون في الديار الإسلامية، ولا يُمسّون في أموالهم ولا أنفسهم، وإذا كانت المودّة موصولةً، فالرحمة تلازمها. بيْد أنها أعمّ شمولًا منها في المنظور الإسلامي، لأنّ الرحمة تحكم حتّى في ميدان القتال، فلا يُجوّع الأسير، ولا يُقتل مقاتل بالعطش، لأنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: {{إذا قتلْتم فأحسنوا القِتْلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة}}.... |
٢.١٤ الوفاء بالعهد، المودّة الإنسانية، ومنع الفساد
|
... الإسلام يعتبر الرحمة والمودّة قائمةً حتّى في حال الحرب. وإنّ من مظاهر الرحمة والعدالة والمودّة: العمل على نصر الضعفاء، وذلك لأنّ الإسلام دينٌ سماوي، لا يمكن أن يسكت عن ظلم الأقوياء للضعفاء، فإن العدالة والرحمة توجبان معاونة الضعفاء. وقد صرح القرآن الكريم بأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يمنّ على الضعفاء بأسباب القوة، وذلك ليتمكّنوا من إقامة العدل في الأرض، فقال تعالى في ذلك: ((وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ)) [القصص: ٤].وأنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يبارك حِلْفًا كان أساسه نصر الضعيف رحمةً به، وإقامة العدل، فإن العدل لا تظهر آثاره في نصرة الأقوياء بمقدار ما يظهر في أخذ حقّ الضعيف من القويّ. وإنّ الإسلام لا ينظر فقط إلى حماية الدولة الضعيفة من الدول القوية، بل إنه يعمل على حماية الشعوب التي أرهقها الطغيان، وأضعف النخوة فيها الاستبداد. ونحن نذكر بالفخر والإعجاب هنا ما قرأناه وسمعناه عن كتب النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الملوك والرؤساء، تلك التي كانت متضمّنة دعوتهم إلى الإسلام، ومتضمّنة أيضًا النصّ على أنّ عليهم التّبعات فيما يتعلّق برعاياهم، وأنّ عليهم أن يُطلقوا حرياتهم ليفهموا الإسلام وليعتنقوه إن أرادوا مختارين.
|
٢.١٤ الوفاء بالعهد، المودّة الإنسانية، ومنع الفساد
 |
أمّا بخصوص منع الفساد، فإنه من المعلوم أنّ مِن أجْل الرحمة العامّة بالإنسانية، ومن أجْل تحقيق الخلافة الإنسانية في هذه الأرض، فقد منع الإسلام كلّ مظاهر الفساد والإفساد فيها، ودعا إلى تعاون الإنسانية على إصلاحها، وعمل على حماية كلّ ما هو مصلحة مقررةٌ ثابتة ومعتبَرة شرعًا.
فمن هذه المصالح حفظ النفس والدين من الطعن فيه ومن الإعاقة عن إقامته فى حياة الأفراد والشعوب على الوجه الذي يرضي الله تعالى، فإذا امتنعت الدولة غير الإسلامية عن الاستجابة للحقّ، وفتنوا المسلمين في دينهم، فإنه يكون حقّ على الدولة الإسلامية أن تقاتل تلك الدولة المعتدية. وقد أمَر القرآن بقتالهم حتّى يمتنعوا عن الفتنة الدينية، ومن هذه المصالح لمحافظة على النّسل أو العِرض، فحرّم الإسلام كلّ صوَر الاعتداء عليه بالفعل أو بالقول، حيث حرّم الزنى، والقذف بالزنى ونحوه... وعمل على منع إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا. وإنّ هذا النوع من الحماية يكون على رعاية الدولة الإسلامية من مسلمين وغير مسلمين، وكذلك المحافظة على العقل، بمنْع كلِّ أمر يستر العقل كالخمر وسائر المخدِّرات والمسكرات، تلك التي تفسد العقول، وتمنعها من الإدراك السليم، أخيرًا: المحافظة على المال، وهذا النوع من المحافظة يعمّ رعايا المسلمين ورعايا غيرهم، فإتلافه لا يجوز في الأرض الإسلامية وغيرها، لأنّ إفساد خيرات الأرض يتجافى عن خلافة الإنسان في هذه الأرض التي سخّرها الله عز وجل للإنسان.
|