٣.٩ المرأة الخامسة التي تحرم تحريمًا مؤقتًا، ومانع الإحرام


الخامسة التي تحرم تحريمًا مؤقتًا
حرمة الزواج بخامسة
لا يجوز للرجل في مذهب أهل السنة: أن يتزوج أكثر من أربع زوجات في عصمته في وقت واحد، ولو في عدة المطلقة. فإن أراد أن يتزوج بخامسة، فعليه أن يطلق إحدى زوجاته الأربع، وينتظر حتى تنقضي عدتها، ثم يتزوج بمن أراد؛ لأن النص القرآني لا يبيح للرجل أن يجمع بين أكثر من أربع في وقت واحد، وهو قوله تعالى: ((وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا)) [النساء: ٣].
والمعنى: إن علمتم الوقوع في ظلم اليتامى فلا تعدلوا في مهورهن أو في نكاحهن, أو تحرَّجتم من الولاية عليهم، فخافوا أيضًا من ظلم النساء عامة، وقلَّلوا عدد الزوجات، واقتصروا على أربع منهن. فإن خفتم الجور في الزيادة على الواحدة، فاقتصروا على زوجة واحدة.
ويلاحظ أن لفظ ((مَثْنَى)) معدول به عن "اثنين اثنين". تقول: "جاءني القوم مثنى"، أي: اثنين اثنين، وهكذا ((ثَلاثَ ورُبَاع))، بيانًا لأنواع الزيجات وفئات النساء، وما يُباح لهم أثناء تعدُّد الزوجات. فالعطف بـ"الواو" في الآية للتخيير لا للجمع.
ويوضّح مدلول الآية: حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "أسلم غيلان الثقفي وتحته عشر نسوة في الجاهلية فأسلمن معه، فأمره النبي -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ-: أن يختار منهن أربعاً".

٣.٩ المرأة الخامسة التي تحرم تحريمًا مؤقتًا، ومانع الإحرام


وروى أبو داود وابن ماجه عن قيس بن الحارث قال: "أسلمت وعندي ثماني نسوة، فأتيت النبي -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ-، فذكرت ذلك له فقال: ((اختَرْ منهنَّ أربعاً))".
وروى الشافعي عن نوفل بن معاوية: "أنه أسلم وتحته خمس نسوة، فقال له النبي -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ-: ((أمْسَك أربعًا, وفارقِ الأخرى))".
ولم يُنقل عن أحد من السلف في عهد الصحابة والتابعين: أنه جمع في عصمته أكثر من أربع؛ فدل العمل وفق السنة على: أنه لا يجوز الزواج بأكثر من أربع نسوة. والأحاديث في مجموعها لا تقتصر عن رتبة الحسن لغيره، فتنتهض بمجموعها للاحتجاج, وإن كان كل واحد منها لا يخلو عن مَقَال، كما ذكر الشوكاني رحمه الله.
وذهب الظاهرية والإمامية إلى: أنه يجوز للرجل أن يتزوج تسعًا أخذًا بظاهر الآية: ((مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ))، فـ"الواو" للجمع لا للتخيير، أي: يكون المجموع: تسعًا.
وأجيب عن ذلك: بأن الآية محمولة على عادة العرب في خطاب الناس على طريق المجموعات، وأريد بها: التخيير بين الزواج باثنتين وثلاث وأربع، كما في قوله تعالى: ((جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ)) [فاطر: ١] أي: إنهم فئات؛ فمنهم: ذو الجناحين، ومنهم: ذو الثلاثة الأجنحة، ومنهم: ذو الأربعة الأجنحة؛ لأن "المثنى" ليس عبارة عن الاثنين، بل أدنى المراد بالمثنى: مرتان من هذا العدد، وأدنى ما يراد بالثلاثة: ثلاث مرات من العدد، وكذا الرباع.

٣.٩ المرأة الخامسة التي تحرم تحريمًا مؤقتًا، ومانع الإحرام


السبب في الاقتصار على أربع
ولعلك تتساءل -عزيزي الطالب- عن السبب في الاقتصار على أربع؛ فأقول:
إن إباحة الزواج بأربع فقط قد يتفق في رأينا مع مبدأ تحقيق أقصى قدرات وغايات بعض الرجال، وتلبية رغباتهم وتطلعاتهم مع مرور كل شهر بسبب طروء دورة العادة الشهرية بمقدار أسبوع لكل واحدة منهن، ففي المشروع غنًى وكفاية، وسد للباب أمام الانحرافات وما قد يتَّخذه بعض الرجال من عشيقات أو خدينات أو وصيفات.
ثم إن في الزيادة على الأربع: خوف الجور عليهن بالعجز عن القيام بحقهن؛ لأن الظاهر: أن الرجل لا يقدر على الوفاء بحقوقهن؛ وإلى هذا أشار القرآن الكريم بقوله -عز وجل-: ((فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً)) [النساء: ٣] أي: لا تعدلوا في القَسم والجِماع والنفقة في زواج المثنى والثلاث والرباع، فواحدة؛ فهو أقرب إلى عدم الوقوع في الظلم.
وإذًا الاقتصار على أربع: عدل وتوسط، وحماية للنساء من ظلم يقع بهن من جراء الزيادة. وهو بخلاف ما كانت عليه العرب في الجاهلية والشعوب القديمة؛ حيث لا حد لعدد الزوجات وإهمال بعضهن. وهذه الإباحة أضحت أمرًا استثنائيًّا نادرًا، فلا تعني أن كل مسلم يتزوج أكثر من واحدة، بل أصبح مبدأ وحدة الزوجة هو الغالب الأعظم.

٣.٩ المرأة الخامسة التي تحرم تحريمًا مؤقتًا، ومانع الإحرام


قيود إباحة التعدد
اشترطت الشريعة لإباحة التعدد شرطين جوهريين, هما:
توفير العدل بين الزوجات، أي: العدل الذي يستطيعه الإنسان ويقدر عليه، وهو: التسوية بين الزوجات في النواحي المادية من نفقة وحسن معاشرة ومبيت. وقوله تعالى: ((فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا)) [النساء: ٣]؛ فإنه تعالى أمَر بالاقتصار على واحدة إذا خاف الإنسان الجَوْر وعدم العدل بين الزوجات. وليس المراد بالعدل كما بيَّنَّا في أحكام الزواج الصحيح: التسوية في العاطفة والمحبة والميل القلبي، فهو غير مراد لأنه غير مستطاع ولا مقدور لأحد، والشرع إنما يكلف بما هو مقدور للإنسان، فلا تكليف للأمور الجِبِلِّية الفطرية التي لا تخضع للإرادة مثل: الحب والبغض. ولكن خشية سيطرة الحب على القلب أمر متوقع؛ لذا حذَّر منه الشرع في الآية الكريمة: ((وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ)) [النساء: ١٢٩].

٣.٩ المرأة الخامسة التي تحرم تحريمًا مؤقتًا، ومانع الإحرام


الحكمة من تعدد الزوجات
ولعلنا نتساءل -عزيزي الطالب- عن الحكمة من تعدُّد الزوجات في الشريعة الإسلامية.
إن نظام وحدة الزوجة هو: الأفضل والغالب، وأما تعدد الزوجات فهو: أمر نادر استثنائي، لا يلجأ إليه إلا عند الحاجة الملحَّة. ولم توجبْه الشريعة الإسلامية على أحَد، بل ولم تُرغِّبْ فيه، وإنما أباحته الشريعة لأسباب عامة وخاصة.

الأسباب العامة
أما الأسباب العامة فمنها:
معالجة حال قلّة الرجال وكثرة النساء، سواء في الأحوال العادية بزيادة نسبة النساء كشمال أوروبا، أم في أعقاب الحروب كما حدث في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى حيث أصبحت نسبة الرجال للنساء واحداً إلى أربع أو إلى ست. فقامت النساء الألمانيات بمظاهرات يطالبن بالأخذ بنظام تعدد الزوجات بعد أن قتلت الحرب معظم رجال ألمانيا، وبعد أن كثر اللقطاء في الشوارع والحدائق العامة. وحينئذٍ يصبح نظام التعدد: ضرورة اجتماعية وأخلاقية تقتضيها المصلحة والرحمة، وصيانة النساء عن التبذل والانحراف، والإصابة بالأمراض الخطيرة. والإيواء في...

٣.٩ المرأة الخامسة التي تحرم تحريمًا مؤقتًا، ومانع الإحرام


...ظل بيت الزوجية الذي تجد فيه المرأة الراحة والطمأنينة بدلًا من البحث عن الأصحاب الوقتيين أو حمل لافتات في مواطن إشارات المرور يُعلن فيها عن الرغبة في الاتصال الجنسي، أو العرض الرخيص في واجهات بعض المحلات في الشوارع العامة.
ومن هذه الأسباب: احتياج الأمة أحيانًا إلى زيادة النسل، لخوض الحروب والمعارك ضد الأعداء, أو للمعونة في أعمال الزراعة والصناعة وغيرهما. وقد أباحت اليهودية تعدد الزوجات، ولم يرد في المسيحية نص يمنع التعدد، وأذنت به الكنيسة في عصر الأفارقة المسيحيين.
ومن هذه الأسباب: الحاجة الاجتماعية إلى إيجاد قرابات ومصاهرات لنشر الدعوة الإسلامية، كما حدث للنبي -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ-؛ فإنه عدَّد زوجاته التسع بعد سن الرابعة والخمسين من أجل نشر دعوته, وكسب الأنصار لدين الله الجديد، وبقي إلى هذه السن على زوجة واحدة هي: السيدة خديجة -رضي الله عنها-.
والخلاصة -عزيزي الطالب-: أن إباحة تعدد الزوجات مقيَّدة بحالة الضرورة أو الحاجة، أو العذر، أو المصلحة المقبولة شرعًا.

٣.٩ المرأة الخامسة التي تحرم تحريمًا مؤقتًا، ومانع الإحرام


الأسباب الخاصة
وأما الأسباب الخاصة فكثيرة:
عقم المرأة أو مرضها, أو عدم توافق طباعها مع طباع الزوج. فقد تكون المرأة عقيمًا لا تلد، أو أن بها مرضًا منفِّرًا يحول بينها وبين تحقيق رغبات الزوج، أو أن طبعها لم ينسجم مع طبع الزوج؛ فيكون من الأفضل والأرحم ومن المروءة: أن تظل هذه الزوجة في رباط الزوجية؛ لأنه أكرم لها وأحب إلى نفسها، وتعطي الفرصة بالزواج من ثانية تحقق له السعادة بإنجاب الأولاد، وإرواء غريزة حب الأولاد. وقد يزول مرض المرأة وتتحسن طبائعها وأخلاقها مع مرور الزمن ونضوج العقل، فتجد في زوجها الأمل، وتنأى به عن الحرمان واليأس والعُقد النفسية، وذلك في حدود أربع نسوة تتناسب مع طاقة الرجل وقدرته في الحياة على تحمل أعباء الحياة الزوجية. وقد بينا أن سبب الاقتصار على أربع هو: كونه أقرب إلى تحقيق العدل والرحمة للمرأة التي ينقطع عنها زوجها ثلاث ليالٍ ثم يعود إليها.

٣.٩ المرأة الخامسة التي تحرم تحريمًا مؤقتًا، ومانع الإحرام


الدعوة إلى جعل تعدد الزوجات بإذن القاضي
ظهرت دعوات جديدة في عصرنا تمنع تعدُّد الزوجات إلا بإذن القاضي، ليتأكد من تحقق ما شرطه الشرع لإباحة التعدد وهو: العدل بين الزوجات، والقدرة على الإنفاق؛ لأن الناس -وخصوصًا الجهلة- أساؤوا استعمال رخصة التعدد المأذون بها شرعًا لغايات إنسانية كريمة؛ لكن تولى المخلصون دحض مثل هذه الدعوات لأسباب معقولة هي ما يأتي:
إن الله -سبحانه وتعالى- أناط بالراغب في الزواج وحده تحقيق شرطي التعدد؛ فهو الذي يقدِّر الخوف من عدم العدل لقوله تعالى: ((فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً)) [النساء: ٣]، فإن الخطاب فيه لنفس الراغب في الزواج لا لأحدٍ سواه من قاضٍ أو غيره؛ فيكون تقدير مثل هذا الخوف من قِبَل غير الزوج مخالفًا لهذا النص. وكذلك البحث في توافر القدرة على الإنفاق؛ فإنه منوط بالراغب في الزواج، لقوله -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ-: ((يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءَةَ فليتزوَّجْ))، فهو خطاب للأزواج لا لغيرهم.

٣.٩ المرأة الخامسة التي تحرم تحريمًا مؤقتًا، ومانع الإحرام


ونتساءل: هل هناك علاج لمساوئ التعدد؟

الجواب: نعم؛ علاج مساوئ التعدد يكون بأمرين:
أولًا: تربية الجيل تربية دينية وخُلُقية حصينة؛ بحيث يدرك الزوجان خطورة رابطة الزوجية المقدسة, وارتكازها على أساس الود والرحمة، كما قال تعالى: ((وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً)) [الروم: ٢١].
ثانيًا: معاقبة من يظلم زوجته، أو يقصِّر في حقوقها، أو يهمل تربية أحد أولاده؛ فمن فرّط في واجبه يؤاخذ في الدنيا والآخرة.

مانع الإحرام
وبالإضافة إلى ما سبق من حديثنا عن الموانع المؤقتة الخمسة, نضيف مانعًا سادسًا محل خلاف بين أهل العلم، ألا وهو: مانع الإحرام.
واختلفوا في نكاح المحرم:
فقال مالك والشافعي والليث والأوزاعي وأحمد: لا يَنكح المحرم ولا يُنكح، فإن فعل فالنكاح باطل.
والراجح في هذه المسألة: أن الإحرام مانع من موانع النكاح المؤقتة، كما فعل وذهب إلى ذلك جمهور الفقهاء، لصحة الحديث الوارد الذي استدلوا به، والذي أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه": ((لا يَنكح المُحرِم ولا يُنكِح)).
وأجابوا عن حديث ميمونة الذي يقول: "إن النبي -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ- تزوَّجها وهو مُحرم" والذي رواه البخاري بأنه اختلف في الواقعة كيف كانت، ولا تقوم الحجة، ولأنها تحتمل الخصوصية، فكان النهي في الحديث عن ذلك أوْلى.
هذا, وبالله التوفيق، والله تعالى أعلى وأعلم.

٣.٩ المرأة الخامسة التي تحرم تحريمًا مؤقتًا، ومانع الإحرام


إذًا الإحرام عند هؤلاء مانع من موانع النكاح المؤقتة؛ وهو قول عمر بن الخطاب، وعلي، وابن عمر، وزيد بن ثابت.
وقال أبو حنيفة: لا بأس بذلك, أي: إن الإحرام ليس مانعًا من موانع النكاح عند أبي حنيفة.
وسبب اختلاف العلماء في هذه المسألة هو: تعارض النقل في هذا الباب. فمنها حديث ابن عباس: "أن رسول الله -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ- نكح ميمونة وهو مُحْرِم"، وهو حديث ثابت نقلي خرجه أهل الصحيح. وعارضه أحاديث كثيرة عن ميمونة: "أن رسول الله -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ- تزوجها وهو حلال".
قال ابن عبد البر أبو عمر: "رويت عنها من طرق شتى: من طريق أبي رافع، ومن طريق سلمان بن يسار وهو مولاها،
عن يزيد بن الأصم".
وروى مالك من حديث عثمان بن عفان مع هذا أنه قال: قال رسول الله -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ-: ((لا يَنكَح المُحْرِم ولا يُنكِح،
ولا يَخطب))
.
فمن رجح حديث ابن عباس قال: لا يَنكح المُحْرِم ولا يُنكح.
ومن رجح حديث ابن عباس, أو جمع بينه وبين حديث عثمان بن عفان بأن حمَل النهي الوارد في ذلك على الكراهة، قال: يَنكح ويُنكِح، وهذا راجع إلى تعارض الفعل والقول، والوجه الجمع أو تغليب القول.