٢.٩ العقد على الأختين ونحوهما


المرأة الرابعة من المحرَّمات على التأقيت
يحرم على الرجل أن يجمع بين الأختين، أو بين المرأة وعمَّتها أو خالتها، أو كل من كانت محرمًا لها، وهي كل امرأة لو فُرضت ذكرًا حرمت عليها الأخرى. وذلك سواء أكانت المحرم شقيقة أم لأب, أم لأم، لقول الله تعالى في بيان محرَّمات النساء: ((وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ)) [النساء: ٢٣], ولأن الجمع بين ذوات الأرحام يُفضي إلى قطيعة الرحم بسبب ما يكون عادة بين الضرتين من غيرة موجبة للتحاسد والتباغض والعداوة. وقطيعة الرحم حرام، فما أدى إليه فهو حرام.
والجمع بين المرأة وابنتها حرام أيضًا كالجمع بين الأختين، بل هو أوْلى؛ لأن قرابة الولادة أقوى من قرابة الأخوّة. فالنص الوارد في الجمع بين الأختين وارد هنا من طريق الأوْلى.
وكذلك يحرم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، حرام أيضًا كالجمع بين الأختين؛ لأن العمة بمنزلة الأم لبنت أخيها، والخالة بمنزل الأم لبنت أختها.
وصرحت السنة النبوية الشريفة بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها؛ فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "نهى النبي -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ- أن تُنكح المرأة على عمتها أو خالتها"، وفي رواية الترمذي وغيره: ((لا تُنكح المرأة على عمتها، ولا العمة على بنت أخيها، ولا المرأة على خالتها ولا الخالة على بنت أختها، لا الكبرى على الصغرى ولا الصغرى على الكبرى)).

٢.٩ العقد على الأختين ونحوهما


ولا يخفى -عزيزي الطالب-: أن هذا الحديث خصَّص عموم قوله تعالى: ((وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ)) [النساء: ٢٤].
ولأن الجمع بين ذوات محرم في النكاح سبب لقطيعة الرحم؛ لأن الضرتين تتنازعان وتختلفان ولا تأتلفان عرفًا وعادة، وهو يفضي إلى قطع الرحم، وإنه حرام، والنكاح سبب لذلك فيحرم حتى لا يؤدي إليه. وقد أشار النبي -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ- إلى علة النهي في رواية ابن حبان, وغيره: ((إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم)).

قاعدة الجمع بين المحارم
استنبط الفقهاء من النصين -القرآني والنبوي- قاعدةً لتحريم الجمع بين المحارم, هي: يحرم الجمع بين امرأتين لو كانت إحداهما رجلاً لا يجوز له نكاح الأخرى من الجانبين جميعًا. أو يحرم الجمع بين كل امرأتين أيتهما قُدِّرت ذكرًا حرمت عليه الأخرى.
فلا يحل الجمع بين الأختين لأننا لو فرضنا كلَّ واحدة منهما رجلًا، لم يجز له التزوج بالأخرى لأنها أخته. ولا يحل الجمع بين المرأة وعمّتها؛ لأن كل واحدة لو فُرضت رجلًا كان عمًّا للأخرى، ولا يجوز للرجل أن يتزوج بعمَّته. وكذلك يحرم الجمع بين المرأة وخالتها، إذ لو فرضنا كل واحدة منهما رجلًا كان خالًا للأخرى، ولا يصحّ للرجل أن يتزوج بنت أخته.
فإن فُرِض كون كل منهما رجلًا وجاز له أن يتزوج بالأخرى, كالمرأة وابنة عمِّها، جاز الجمع بينهما؛ لأنها تكون ابنة عمه وللرجل أن يتزوج بابنة عمه.

٢.٩ العقد على الأختين ونحوهما


وإن كان تحريم الزواج على فرض واحد من أحد الجانبين دون الآخر، فلا يحرم الجمع بينهما كالمرأة وابنة زوج كان لها من قبل من غيرها، وكالمرأة وزوجة كانت لأبيها؛ لأنه لا رحم بينهما، فلم يوجد الجمع بين ذوات رحم. إذ لو فرضنا في المثال الأول البنت رجلًا، لم يجز له أن يتزوج بهذه المرأة لأنها زوجة أبيه. أما عند فرض المرأة زوجة أبي رجل تزول عنه صفة زوجة الأب, فيجوز له الزواج بالبنت إذ هي أجنبية عنه.
وقد جمع عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بين زوجة عمِّه علي -وهي: ليلى بنت مسعود النهشلية- وبين ابنته من غيرها -وهي: أم كلثوم بنت السيدة فاطمة رضي الله عنها-، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة.
ويجوز الجمع بين ابنتي العم، وابنتي الخال بالاتفاق، لعدم النص فيهما بالتحريم، ودخولهما في عموم قوله تعالى: ((وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ)), ولأن إحداهما تحلُّ له الأخرى لو كانت ذكرًا.

وفي كراهة زواجهما رأيان
رأي بالكراهة: خوف قطيعة الرحم، وهو مروي عن ابن مسعود والحسن البصري وأحمد في روايةٍ عنه.
ورأي بعدم الكراهة: إذ ليست بينهما قرابة تحرِّم الجمع؛ وهو منقول عن الشافعي والأوزاعي.

٢.٩ العقد على الأختين ونحوهما


فإذا تزوج رجل بامرأتين بينهما محرمية، كالأختين، وكالبنت وخالتها، والبنت وعمتها، ففي حكم الزواج تفصيل:
إن تزوجهما معًا في عقد واحد، فسد زواجهما معًا، ولم يبطل لأن إحداهما ليست أوْلى بفساد الزواج من الأخرى؛ فيفرق بينه وبينهما.
ثم إنه إن كان التفريق قبل الدخول فلا شيء لهما، أي: لا مهر لهما ولا عِدَّة عليهما لأن الزواج الفاسد لا حكم له قبل الدخول وكذلك بعد الخلوة.
وإن كان قد دخل بهما، فلكل واحدة منهما عند الحنفية مهر بالمثل على ألا يزيد عن المسمَّى برضاها به، كما هو حكم الزواج الفاسد، وعليهما العدة لأن هذا هو حكم الدخول في الزواج الفاسد.
وإن تزوج كلٌّ منهما بعقد مستقل الواحدة بعد الأخرى، صحّ زواج الأولى، وفسد زواج الثانية؛ لأن الجمع حصل بزواج الثانية، فاقتصر الفساد عليه. ويُفرق بينه وبين الثانية.
فإن تم التفريق قبل الدخول، فلا شيء لها ولا عدة عليها.
وإن تم التفريق بعد الدخول، وجب لها مهر المثل، على ألا يزيد عن المسمَّى لرضاها به؛ لأن الوطء في دار الإسلام لا يخلو عن عَقْر -أي: حدٍّ زاجر- أو عُقْر -أي: مهر جابر-. وقد سقط الحد بشبهة العقد؛ فيجب مهر المثل دون زيادة على المسمى، وعليها العدة.

٢.٩ العقد على الأختين ونحوهما


ويحرم على الزوج: أن يطأ الأولى -أي: قربان زوجته الأولى- حتى تنقضي عدَّة الثانية لئلا يكون جامعًا بينهما، والجمع بين المحارم حرام.
وإن تزوج كلًّا منهما بعقدين -لا يدري أيهما الأول-، يفرّق بينه وبينهما؛ لأن زواج إحداهما فاسد بيقين -وهي مجهولة-، ولا يتصور حصول مقاصد الزواج من المجهولة، فلا بد من التفريق.
فإن ادّعت كل واحدة منهما: أنها هي الأولى، ولا بيِّنة لها، يقضى بنصف المهر؛ لأن الزواج الصحيح أحدهما، وقد حصلت الفرقة قبل الدخول لا بسبب المرأة، فكان الواجب نصف المهر. ويكون بينهما لعدم الترجيح؛ إذ ليست إحداهما بأولى من الأخرى.
وقال الجمهور: إنْ جمَع بين الأختين ونحوهما من رضاع أو نسب بعقد واحد، بطل نكاحهما، وإن كان مرتبًا بطل الثاني، ولِمن دخل بها مهر المثل.

الجمع بين الأختين ونحوهما في العدة
اتفق الفقهاء على: أنه يجوز الجمع بين المرأة ومحارمها بعد الفرقة بسبب وفاة إحداهما. فلو ماتت زوجة رجل، جاز له أن يتزوج بأختها أو عمّتها مثلًا من غير انتظار مدّة بعد الوفاة.

٢.٩ العقد على الأختين ونحوهما


واتفقوا أيضًا على: عدم جواز الجمع بين المرأة ومحارمها في أثناء العِدَّة من طلاق رجعيّ. فلو طلَّق زوجته طلاقًا رجعيًّا، فلم يجز له الزواج بواحدة من قريباتها المحارم إلا بعد انقضاء العدة؛ لأنها باقية في حكم الزواج السابق.
واختلفوا في الجمع بين المحارم إذا كانت إحداهن معتدة من طلاق بائن:
فقال الحنفية والحنابلة: يحرم الجمع بين الأختين -ومَن في حكمهما- إذا كانت واحدة منهما في أثناء العدة من طلاق بائن بينونة صغرى أو كبرى، لقوله -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ-: ((مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يجمع ماءه في رحم الأختين)). ولأن البائن ممنوعة من الزواج في العدة لحق الزوج، فأشبهت الرجعية. ولأن الزواج بالأخت ونحوها من المحارم في العدة يؤدِّي إلى قطيعة الرحم التي أمر الله بوصلها؛ وهذا هو الرأي الراجح.
وقال المالكية والشافعية: يصح الزواج بأخت المطلقة -ومَن في حكمها من المحارم- في أثناء العدة من طلاق بائن بينونة صغرى أو كبرى، لانقطاع أثر الزواج السابق؛ فلا تحلّ لمن طلقها إلا بعقد جديد، وحينئذٍ لا تجتمع المرأتان في حكم فراشٍ واحد.
وذكر الحنابلة: أنه لو أسلم زوج المجوسية أو الوثنية، أو انفسخ النكاح بين الزوجين بخلعٍ أو رضاع, أو فُسخ بعين أو إعسار أو غيره، لم يكن له أن يتزوج أحدًا ممّا يحرم الجمع بينه وبين زوجته حتى تنقضي عدتها.

٢.٩ العقد على الأختين ونحوهما


وإن أسلمت زوجته فتزوج أختها في عدتها ثم أسلم في عدة الأولى، اختار منهما واحدة كما لو تزوجهما معًا.
وإن أسلم الرجل بعد انقضاء عدة الأولى، بانت منه وثبت نكاح الثانية.
وإن زنى الرجل بامرأة، فليس له أن يتزوج بأختها حتى تنقضي عدتها.
وحكم العدة من الزنى والعدة من وطء الشبهة كحكم العدة من النكاح.
فإن زنى بأخت امرأته، قال أحمد: يمسك عن وطء امرأته حتى تحيض المزنيّ بها ثلاث حيضات. وقد ذُكر عن أحمد في المزنيّ بها: أنها تستبرئ بحيضة واحدة؛ لأنه وَطْء من غير نكاح ولا أحكامه أحكام النكاح.
وإذا ادّعى الزوج: أن امرأته أخبرته بانقضاء عدَّتها في مدة يجوز انقضاؤها فيها وكذبته، أُبيح له نكاح أختها وأربع سواها في الظاهر. أما في الباطن، فيبني على صدقه في ذلك لأنه حق فيما بينه وبين الله تعالى, فيُقبَل قوله فيه.