٢.٨ تحريم الزوجة المشغولة بحق زوج آخر


وهي التي تعلق بها حق الغير بزواج أو عِدَّة:
وهذا يشمل ما يأتي:
المرأة المتزوجة
لا يحل لأحد أن يعقد عليها ما دامت متزوجة، لتعلُّقِ حق الغير بها، سواء أكان الزوج مسلمًا أم غير مسلم، لقول الله تعالى: ((وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)) [النساء: ٢] أي: المتزوجات.
واستثنى النص: المملوكات بملك اليمين وهن: المَسْبِيَّاتُ في حرب مشروعة. فإذا سُبِيَتِ المرأة، وقعت الفرقة بينها وبين زوجها بسبب اختلاف الدار، فيحل الزواج بها.
وهذا هو مانع الزوجية من أربعة عشر مانعًا عند المالكية.
وحكمة تحريم المتزوجة واضحة وهي: منع الاعتداء على حق الغير، وحفظ الأنساب من الاختلاط.

المرأة المعتدَّة
وهي: التي تكون في أثناء العِدَّة من زواج سابق، سواء عِدَّة طلاق أو وفاة؛ فلا يحل لأحدٍ غير زوجها الأول التزوج بها حتى تنقضي عدتها.
ويشمل ذلك عدة الزواج الفاسد أو بشبهة، لثبوت نسب الولد، لقوله تعالى: ((وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ))...

٢.٨ تحريم الزوجة المشغولة بحق زوج آخر


...[البقرة: ٢٣٥] أي: لا تعقدوا الزواج على المعتدة من وفاة حتى تنتهي عدَّتها، ولقوله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-: ((وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ)) [البقرة: ٢٢٨] أي: أطهار، أو حيضات، على رأيين في التفسير والفقه. أي: يجب على المرأة المطلقة: الانتظار ثلاثة أطهار أو حيضات، فلا يحل الزواج بها.
وقال علي وابن عباس وعبيدة السلماني: "ما أجمعت الصحابة على شيء كإجماعهم على أربعٍ قبل الظهر، وألا تُنكح امرأة في عِدَّة أختها:.
وحكمة تحريم المعتدَّة: بقاء آثار الزواج السابق، ورعاية حقوق الزوج القديم، ومنع اختلاط الأنساب.
وهل يترتب على الدخول بالمعتدة تحريمها على الرجل تحريمًا مؤبدًا؟

اختلف الفقهاء على رأيين:
فقال الجمهور: إن الدخول بالمعتدة لا يُحرِّمها عليه؛ بل إذا انقضت عدتها حلَّ له الزواج بها؛ لأن الرجل لو زنى بامرأة لا يحرم عليه الزواج بها بالاتفاق؛ فكذلك لو دخل بها وهي في العدة أو بعدها لا يحرم عليه الزواج بعد انتهاء العدة، ولأن علي بن أبي طالب -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: "يفرق بينهما، ثم يخطبها بعد العدة إن شاء"، وروي مثله عن ابن مسعود -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

٢.٨ تحريم الزوجة المشغولة بحق زوج آخر


وقال المالكية: الدخول بالمعتدة يحرِّمها على الرجل تحريمًا مؤبَّدًا فيفرّق بينهما، ولا تحل له أبدًا، بدليل ما رواه مالك عن سعيد بن المسيب عن سلمان بن يسار: "أن عمر بن الخطاب -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فَرَّقَ بين طليحة الأسدية، وبين زوجها راشد الثقفي لمّا تزوجها في العدة من زوجٍ ثانٍ. وقال عمر: "أيما امرأة نكحت في عدَّتها، فإن كان زوجها الذي تزوَّجها لم يدخل بها فرّق بينهما، ثم اعتدت بقية عدَّتها من الأول. ثم كان الآخر خاطبا من الخُطَّاب. وإن كان قد دخل بها فرّق بينهما، ثم اعتدت بقيَّة عدتها من الأول، ثم اعتدت من الآخر, ثم لا يجتمعان أبدًا".
قال ابن المسيب: "وله مهرها بما استحل منها".

المرأة الحامل من الزنى عند الحنفية، ومانع الزنى عند المالكية
يحل بالاتفاق للزاني: أن يتزوج بالزانية التي زنى بها، عند جمهور أهل العلم، إلا ما روي عن بعضهم. فإن جاءت بولد بعد مضي ستة أشهر من وقت العقد عليها، ثبت نسبُه منه. وإن جاءت به لأقل من ستة أشهر من وقت العقد، لا يثبت نسبه منه، إلا إذا قال: "إن الولد منه"، ولم يصرح بأنه من الزنى؛ فبهذا الإقرار يثبت النسب منه لاحتمال عقد سابق أو دخول بشبهة، حملًا لحال المسلم على الصلاح، وسترًا على الأعراض.

٢.٨ تحريم الزوجة المشغولة بحق زوج آخر


أما زواج غير الزاني بالمزنيِّ بها:
فقال قوم كالحسن البصري: إن الزنى يفسخ النكاح.
وقال الجمهور: يجوز الزواج بالمزني بها.
ومنشأ الخلاف: آية: ((وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)) [النور: ٣].
فالفريق الأول يأخذ بظاهر الآية، والكلام خرج مخرج التحريم.
والفريق الثاني -الجمهور- حملوا الآية على: الذم لا على التحريم، لما روى أبو داود والنسائي عن ابن عباس قال: :جاء رجل إلى النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقال: ((إِنَّ امْرَأَتِي لَا تَمْنَعُ يَدَ لَامِسٍ)) كناية -عن عدم العفة- عن الزنى، فقال: ((غرِّبها)) أي: أبعدها. قَالَ: "أَخَافُ أَنْ تَتْبَعَهَا نَفْسِي"، قَالَ: ((فَاسْتَمْتِعْ بِهَا)), ولِما أخرجه ابن ماجه عن ابن عمر والبيهقي عن عائشة: "لا يُحرِّم الحرامُ الحلالَ".

ثم اختلف الجمهور في التفصيل:
فقال الحنفية: إذا كانت المزنيّ بها غير حامل، صحّ العقد عليها من غير الزاني. وكذلك إن كانت حاملًا يجوز الزواج بها عند أبي حنيفة ومحمد، ولكن لا يطؤها -أي: لا يدخل بها- حتى تضع حملها، للأدلة الآتية:

٢.٨ تحريم الزوجة المشغولة بحق زوج آخر


أولًا: لم تذكر المزنيّ بها في المحرَّمات؛ فتكون مباحة لقوله تعالى: ((وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ)) [النساء: ٢٤].
ثانيًا: لا حرمة لماء الزنى, بدليل: أنه لا يثبت به النسب للحديث السابق: ((الولد للفراش، وللعاهر الحِجْرُ)) وفي رواية أخرى: ((وللعاهر الحَجَرُ)). وإذا لم يكن للزنى حرمة، فلا يكون مانعًا من جواز النكاح. وإنما امتنع الدخول بالحامل من الزنى حتى تضع حملها، لقوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فلا يسقيَنَّ مَاءَهُ زرعَ غيره)) يعني: وطء الحوامل.
وقال أبو حنيفة وزفر: لا يجوز العقد على الحامل من الزنى؛ لأن هذا الحمل يمنع الوطء، فيمنع العقد عليها، كما يمنع الحمل الثابت النسب. أي: فكما لا يصحّ العقد على الحامل من غير الزنى, لا يصح العقد على الحامل من الزنى.
وقال المالكية: لا يجوز العقد على الزانية قبل استبرائها من الزنى بحيضات ثلاث أو بمضي ثلاثة أشهر. فإن عقد عليها قبل الاستبراء؛ كان العقد فاسدًا، ووجب فسخه، سواء ظهر بها حمل أم لا.
أما الأول -ظهور الحمل-، فللحديث السابق: ((فلا يسقيَنَّ مَاءَهُ زرعَ غيره)). وأما الثاني، فللخوف من اختلاط الأنساب.
وقال الشافعية: إن زنى بامرأةٍ لم يحرم عليه نكاحها، لقوله تعالى: ((وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ)) [النساء: ٢٤], ولحديث عائشة السابق: "لا يُحَرِّم الحرامُ الحلالَ".

٢.٨ تحريم الزوجة المشغولة بحق زوج آخر


وقال الحنابلة: إذا زنت المرأة، لم تحلّ لمن يعلم نكاحها إلا بشرطين:
أحدهما: انقضاء عدّتها، فإن حملت من الزنى فقضاء عدتها بوضعه, ولا يحل نكاحها قبل وضعه، للحديث السابق: ((فلا يسقيَنَّ مَاءَهُ زرعَ غيره))، والحديث الصحيح: ((لا توطأ حامل حتى تضع))؛ وهذا هو رأي مالك.
والثاني: أن تتوب من الزنى للآية السابقة: ((وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)) [النور: ٣]، وهي قبل التوبة في حكم الزنى، فإذا تابت زال التحريم، لقول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ)). ولم يشترط باقي الأئمة هذا الشرط.

زنا أحد الزوجين
سبق وأن أشرت إلى ذلك عند حديثنا عن مانع الزنى كمانع من الموانع التي اختلف فيها أهل العلم: هل هو مانع على التأبيد أم غير؟ ولكن أزيد ذلك إيضاحًا فأقول: اتفق عامة أهل العلم على: أنه إن زنت امرأة رجل أو زنى زوجها، لم ينفسخ النكاح، سواء أكان قبل الدخول أم بعده؛ لأن دعواه الزنى عليها لا يبينها، ولو كان الزواج ينفسخ به لانفسخ بمجرد دعواه كالرضا، ولأنها معصية لا تُخرٍج عن الإسلام فأشبهت السرقة.
أما اللعان, فإنه يقتضي الفسخ بدون الزنى، بدليل: أنها إذا لاعنته فقد قابلته فلم يثبت زناها، وقد أوجب النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الحد على من قذفها، والفسخ واقع باللعان.

٢.٨ تحريم الزوجة المشغولة بحق زوج آخر


ولكن استحب الإمام أحمد للرجل: مفارقة امرأته إذا زنت، وقال: "لا أرى أن يمسك مثل هذه، وذلك أنه لا يؤمن أن تُفسد فراشه، وتلحق به ولدًا ليس منه". وقال أحمد أيضًا: "ولا يطؤها الزوج حتى يستبرئها بثلاث حيضات"، للحديث السابق: ((فلا يسقين مَاءَهُ زرعَ غيره)) يعني: إتيان الحبالى, ولأنها ربما تأتي بولد من الزنى فينسب إليه. وقال العلامة ابن قدامة: "والأوْلى: أنه يكفي استبراؤها بالحيضة الواحدة؛ لأنها تكفي في استبراء الأَمَة".