١.٨ المحرَّمات على وجه التأقيت


المطلقة ثلاثًا: المبتوتة، أو البائن بينونة صغرى بالنسبة لمن طلقها

فمن طلق زوجته ثلاث طلقات، فلا يحلّ له
أن يعقد عليها مرة أخرى إلا إذا تزوَّجت بزوجٍ آخرَ ودخل بها، وانقضت عِدَّتها منه بأن طلقها باختياره، أو مات عنها. فتعود للزوج الأول بزوجية جديدة، ويملك عليها ثلاث طلقات جديدة، بعد أن اختبرت المرأة زوجًا آخَر، وقامت بتجربة أخرى، وأحس الزوج الأول بصعوبة الفراق، فيعودان إلى الحياة المشتركة بروحٍ وصفحةٍ جديدة، وتسارع المرأة في إرضاء زوجها وتجنب أسباب تصدع الزوجية السابقة.
قال تعالى مبيِّنًا طريق حل المبتوتة: ((الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ...)) [البقرة: ٢٢٩]، إلى أن قال سبحانه: ((فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ)) [البقرة: ٢٣٠].
والدليل على اشتراط دخول الزوج بالمرأة المطلقة ثلاثًا: حديث العسيلة الذي رواه الجماعة عن عائشة قالت: "جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقالت: "كنت عند رفاعة فطلَّقني فَبَتَّ طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزُّبَيرِ". وفي رواية أخرى للحديث: "الزُّبِير، وإنَّ معه مثل هدبة الثوب" أي: طرف الثوب الذي لم يُنسج، وأرادت: أن ذكَره يُشبه الهدب في الاسترخاء وعدم الانتشار. فقال لها النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لَا؛ حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ)), والحديث رواه الجماعة عن عائشة.

١.٨ المحرَّمات على وجه التأقيت


وتصغير "العُسيلة": إشارة إلى أن القدْر القليل كافٍ في تحصيل المطلوب، بأن يقع تغييب الحَشَفَة في الفرج. ففيه دليل على: أن وطء الزوج الثاني لا يكون محللًا ارتجاع الزوج الأول للمرأة إلا إذا كان حال وطئه منتشرًا، فلو لم يكن كذلك أو كان عنينًا أو طفلًا لم يكفِ في الأصح من قول أهل العلم.

شروط حِلّ المطلقة ثلاثًا لزوجها الأول
يشترط لحل المطلقة ثلاثًا للزوج الأول: ثلاثة شروطٍ:
أحدها: أن تنكح زوجًا غيره، لقول الله تعالى: ((حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ)).
الثاني: أن يكون النكاح صحيحًا. فإذا كان فاسدًا لم يحلَّها الوطء فيه, باتفاق المذاهب الأربعة، لقوله تعالى: ((حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ))، وإطلاق النكاح يقتضي: الصحيح.
الثالث: أن يطأها في الفَرْج، فلو وطئها دونه أو في الدبر لم يحلَّها؛ لأن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- علَّقَ الحِلَّ في الحديث المتقدم على: ذوق العسيلة منهما، ولا يحصل ذلك إلا بالوطء في الفرج، وأدناه: تغييب الحَشَفَة في الفرج؛ لأن أحكام الوطء تتعلق به. ولو أولج الحشفة من غير انتشار لم تحلّ له؛ لأن الحكم يتعلق بذوق العسيلة، ولا تحصل من غير انتشار. ويجزئ قدر الحشفة من مقطوع...

١.٨ المحرَّمات على وجه التأقيت


...الذَّكَر، وتحل بوطء الخصِيِّ؛ لأنه يطأ كالفحل ولم يفقد إلا الإنزال، وهو غير معتبر في الإحلال.
وذكر الحنفية أنها لو تزوجت بمَجْبُوبٍ -مقطوع الذَّكر كله- فإنها لا تحلّ حتى تحبل، لوجود الدخول حكمًا حتى إنه يثبت النسب من الثاني.
واشترط الحنابلة والمالكية: شرطًا رابعًا وهو: أن يكون الوطء حلالًا. فإن وطئها في حيض أو نفاس أو إحرام من أحدهما أو منهما، أو أحدهما صائمٌ فرضًا، لم تحلّ؛ لأنه وطْءٌ حرام لحق الله تعالى، فلم يحصل به الإحلال كوطءِ المرتدّة لا يحلّها, سواء وطئها في حال عِدَّتها أو رِدَّتِها. ولم يشترط الحنفية والشافعية هذا الشرط.
قال ابن قدامة الحنبلي: "وهذا أصح -إن شاء الله تعالى-، لظاهر قوله تعالى: ((حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ)), وهذه قد نكحت زوجًا غيره، وأيضًا قوله -عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ- ((حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ))، وهذا قد وُجد، ولأنه وطء في نكاح صحيح في محل الوطء على سبيل التمام, فأحلّها كالوطء الحلال. وكما لو وطئها وقد ضاق وقت الصلاة, أو وطئها مريضة يضرّها الوطء.

١.٨ المحرَّمات على وجه التأقيت


هل نكاح التحليل المؤقت يُحِلُّ المطلقة ثلاثًا لزوجها؟
قال الحنفية والشافعية: تحلّ المطلقة ثلاثًا لزوجها الأول بنكاح التحليل، لكن يُكره عند الحنفية تحريمًا التزوج الثاني إن كان بشرط التحليل. مثل: "تزوجتك على أن أحلَّك"، لحديث: ((لعَن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ له)). ويصح الزواج، ويبطل الشرط. فلا يجبر الثاني على الطلاق. فإن أضمر الزوج الأول والثاني التحليل، أو كان الثاني مأجورًا بقصد الإصلاح لا مجرد قضاء الشهوة ونحوها, لا يكره.
وذكر الشافعية: أن نكاح المحلِّل باطل إن نكحها على أنه إذا وطئها فلا نكاح بينهما، أو أن يتزوجها على أن يحلَّها للزوج الأول، لِما رواه زيد عن عبد الله قال: ((لعن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الواصلة والموصولة، والواشمة والموشومة، والمحلِّل والمحلَّل له، وآكلَ الربا ومُطعِمَهُ))، ولأنه نكاح شرط انقطاع دون غايته، فأشبه نكاح المتعة.
وأما إن تزوجها واعتقد أنه يطلقها إذا وطئها، فيكره ذلك، لِما روى الحاكم والطبراني في "الأوسط" عن عمر أنه جاء إليه رجل, فسأله عن رجل طُلِّقت امرأته ثلاثًا, فتزوّجها أخٌ له عن غير مؤامرة لِيُحلِّها لأخيه، هل تحلّ للأول؟ قال: "لا، إلا بنكاح رغبة".
وروى أبو مرزوق التجيبي مثله عن عثمان، أي: إنه إن تزوج على نية التحليل بدون شرط، صحّ النكاح؛ لأن العقد إنما يبطل بما شرط لا بما قصد.

١.٨ المحرَّمات على وجه التأقيت


والخلاصة:
أن زواج المحلِّل بلا شرط -أي: بدون شرط صريح في العقد على التطليق، وإنما النية والقصد باطن- صحيح، مكروه عند الحنفية والشافعية؛ لأن العقد استوفى أركانه وشروطه في الظاهر. ولا يتأثر العقد بالباعث الداخلي، أي: إنهم لا يقولون بمبدأ سدِّ الذرائع بالقصد الداخلي.
وقال المالكية والحنابلة: إن نكاح المحلِّل -أو نكاح التيس المستعار- ولو بلا شرط، وهو الذي يتزوجها ليُحِلَّها لزوجها: حرام باطل مفسوخ لا يصح، ولا تَحِلُّ لزوجها الأول. والمعتبر: نية المحلِّل لا نية المرأة، ولا نية المحلَّل له.
واستدل المالكية والحنابلة بالحديث السابق عن ابن مسعود -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((لَعَنَ رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ))، وكذلك بحديث عقبة بن عامر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ؟))، قَالُوا: "بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ"، قَالَ: ((هُوَ الْمُحَلِّلُ، لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ)). فهذا يدل على تحريم التحليل؛ لأن اللعن إنما يكون على ذنب كبير. وهذا يتفق مع مبدئهم بسد الذرائع. وخص الفريق الأول التحريم والإبطال بما إذا شرط الزوج: أنه إذا نكح الثاني بانت منه، أو شرط: أن يطلقها أو نحو ذلك...