...١.٧ لبن البكر والعجوز المسنَّة، والرجل والخنثى المشكل، وأنواع


لا يزال الحديث متواصلًا بتوفيق الله وعونه عن المحرمات من النساء على وجه التأبيد, وبالتحديد عن المحرمات من جهة الرضاعة فنقول:
لبَن البِكر والعجوز المُسنَّة

لبَن البِكر
إذا فُرض ونزل لبن لِبِكْر صغيرة كانت أم كبيرة, وأرضعت به طفلًا، فقد اتفق جمهور الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية: أنَّ الحرمة تثبت به، شأنه شأن لبن أيَّة امرأة أخرى بالغة متزوِّجة، ولا أثر للبكارة ولا للصغر على انتشار التحريم وثبوته.
ووجهتهم في هذا: أن نصوص الكتاب والسُّنة أطلَقت أو أُطْلِقَتْ في التحريم من غير تحديد ببكر من ثيِّب؛ فكل مرضعة: أمٌّ بنص القرآن الكريم.
وخالف في هذا الحنابلة فقالوا: لا يثبت التحريم بلبن البكر صغيرة كانت أم كبيرة.
ووجهتهم في هذا: أن هذا اللبن نادر الوجود، فأشبه لبن الرجل، ولبن البهيمة؛ وحيث إن هذين لا يثبت بهما التحريم، فكذلك لبن البِكر.


...١.٧ لبن البكر والعجوز المسنَّة، والرجل والخنثى المشكل، وأنواع


لبن العجوز المُسنَّة
لو فُرض: أنّ العجوز المُسِنَّة التي بلغت سنَّ اليأس وقطعت الولادة، نزل لها لبن وأرضعت به طفلًا، فهل يثبت التحريم بينها وبين مَن أرضعتْه؟
قال المالكية: نعم، يثبت التحريم؛ وذلك لإطلاق اسم "اللبن" عليه، وحصول المراد منه وهو: إنبات اللحم، وإنشاز العظم.

لبن الرجل، والخنثى المشكل

لبن الرجل
اتفق الأئمة الأربعة على: أنه لو فُرض ونزل للرجل لبن، وأرضع به طفلًا: أن التحريم لا يثبت بينه وبين الرضيع؛ فلا يكون أبًا له, ولا زوجته أمًّا، ولا ابنته أختًا.
ووجهتُهم في ذلك: أن هذا لا يسمَّى "لبنًا" على التحقيق؛ إذ إن اللبن المقصود هو: الذي يكون ممّن يُتصور منه الحمل والولادة. ولبن الرجل بمنزلة الماء الأصفر الذي ينزل من ثدي البكر عادة.


...١.٧ لبن البكر والعجوز المسنَّة، والرجل والخنثى المشكل، وأنواع


لبن الخنثى المشكل
اختلف الفقهاء في حكم لبن الخنثى المشكل على ثلاثة أقوال:
الأول للحنفية: لا يثبت به التحريم، إلا إذا قال النساء: إنه امرأة.
الثاني للمالكية: قالوا: الظاهر: أنّ لبن الخنثى المُشكِل ينشر الحرمة.
الثالث للشافعية والحنابلة: التوقف إلى البيان. فإن بانت أنوثته كان سببًا في التحريم، وإلا فلا.
وهذا هو القول الذي يكون أوْلى بالترجيح.

أنواع المحرمات رضاعًا من جهة المصاهرة
اتفق الأئمة الأربعة على: أنه يحرم بالرضاع ما يحرم بالمصاهرة كما حرم بالرضاع ما حرم من النسب. فكل امرأة حرمت على الشخص بالمصاهرة، تحرم عليه أيضًا بالرضاعة عن طريق المصاهرة كذلك، والذي يحرم على الرجل بالرضاع عن طريق المصاهرة: أربع فرق, كالآتي, حرمن عليه بطريق المصاهرة بغير رضاع كما بينا.

...١.٧ لبن البكر والعجوز المسنَّة، والرجل والخنثى المشكل، وأنواع


الفرقة الأولى: زوجة الأصل الرضاعي، فيحرم على الشخص أن يتزوج زوجة أبيه الرضاعي, أو زوجة جده الرضاعي وإن علا.
الفرقة الثانية: زوجة الفرع الرضاعي، أي: فيحرم على الرجل أن يتزوج زوجة ابنه من الرضاع, أو زوجة ابن ابنه، أو زوجة ابن بنته من الرضاع مهما نزلوا.
الفرقة الثالثة: الأصل الرضاعي للزوجة، أي: فيحرم على الشخص كذلك: المرأة التي أرضعت زوجته، وكذلك أمّ أمِّها من الرضاعة مهما علت الأم.
الفرقة الرابعة: الفرع الرضاعي للزوجة، أي: فيحرم على الشخص كذلك: بنت زوجته من الرضاع، وبنت بنتها، وبنت ابنها من الرضاع كذلك وإن نزلت.


...١.٧ لبن البكر والعجوز المسنَّة، والرجل والخنثى المشكل، وأنواع


أنواع المحرمات رضاعًا من جهة النسب
نساء هذا النوع ينقسمن إلى أربع شعب، كما انقسم نساء النسب المحرَّمات تحريمًا مؤبدًا إلى أربع شُعب أيضًا:
الأصول من الرضاع، وهذا يشمل ويتناول: المرأة التي أرضعت الصبي لأنها أمّه من الرضاعة. ويحرم على الشخص كذلك أم أمه الرضاعية، سواء كانت الجدة أمًّا نسبيةً أو رضاعية لأمه التي أرضعته. وهكذا كل أصل لأمِّه الرضاعية يحرم عليه, مهما علا ذلك الأصل، كان الأصل من نسب أم من رضاع. ويشمل كذلك أم أبيه الرضاعي وأمّ أمه إلى ما لا نهاية، سواء كانت أم أبيه الرضاعي, أو جدته نسبية أو رضاعية ولا فرق.

...١.٧ لبن البكر والعجوز المسنَّة، والرجل والخنثى المشكل، وأنواع


حكمة التحريم بالرضاعة
جعل الإسلام الرضاع في منزلة النسب من حيث قوة الصلة، وتحريم الزواج؛ وهذه لفتة كريمة من شريعتنا الإسلامية الغراء حيث جعلت الأم من الرضاعة في منزلة الأم من النسب احترامًا وتحريمًا. وامتد هذا إلى أصولها وفروعها، وكذلك زوجها فهو: أب للرضيع؛ وذلك للأسباب الآتية:
السبب الأول: أن المرأة حينما ترضع الطفل إنما تكون هي العامل الأول في تكوين جسمه من حيث إنبات لحمه وإنشاز عظمه؛ لأن الطفل في هذه السن يكون غذاؤه الوحيد هو: اللبن. واللبن الذي أرضعت به المرأة الطفل إنما هو جزءٌ من جسمها لأنه درّ منها وتكوَّن من دمها، ولا شيء أكثر من أن تُدْخِلَ المرأة أجزاءها أو جزءًا منها في تكوين الولد؛ وبهذا تستحق: أن تكون أمًّا له في الرضاعة.
السبب الثاني: بعد أن ثبتت الأمومة الرضاعية للمرضع، فإنه يمتنع الزواج بينها وبين مَن أرضعته؛ لأن صلة الأمومة تتعارض مع العلاقة الزوجية. فشتان ما بينهما في كل شيء. وقد تكلَّمنا عن هذا كله خلال الكلام عن: الحكمة من تحريم القريبات من جهة النسب.

...١.٧ لبن البكر والعجوز المسنَّة، والرجل والخنثى المشكل، وأنواع


مسألة لبن الفحل
اتفق جمهور الفقهاء وأئمة المذاهب كلها من: حنفية ومالكية وشافعية وحنابلة، وظاهرية وإمامية وزيدية على: أن الأبوة الرضاعية تثبت لزوج المرضعة، كما ثبتت الأمومة لها، طالما كان هو سبب إدرار اللبن الذي أرضعت به الطفل، وإن لم تكن المرأة وقت الإرضاع في عصمة الرجل.
والشرط في المسألة هو: أن يكون الرجل الذي ثبتت الأبوّة الرضاعية له هو: سبب اللبن. وذلك كما لو طلقت المرأة من زوجها وهي حامل، فما ينزل لها من لبنٍ بعد الولادة فإن سببه هو: الرجل الذي طُلِّقت منه في حملها, أو طلقت منه وهي ترضع طفلها.
وكذلك لو مات الرجل، فكذلك في الحالتين تثبت أبوّته للرضيع، ويثبت التحريم بين الرضيع وبين أسرة الأب الرضاعي.
واستدلوا على ذلك بالسنة والمعقول:

...١.٧ لبن البكر والعجوز المسنَّة، والرجل والخنثى المشكل، وأنواع


عن عائشة- رَضِيَ اللهُ عَنْها- قالت: "جاء عمي من الرضاعة يستأذن عليَّ, فأبيت أن آذن له حتى أستأمر رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. فلما جاء رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قلت: "إنّ عمي من الرضاعة استأذن عليَّ فأبيت أن آذن له، فقال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((فلْيَلِجْ عليكِ عمُّك)), قلت: "إنما أرضعتني المرأة، ولم يرضعني الرجل", قال: ((إنه عمُّك, فلْيَلِجْ عليك)).
ووجه الدلالة: أن الحديث دل على: ثبوت الأبوة الرضاعية لزوج المرضعة؛ لأن عمَّ عائشة من الرضاعة هو: أفلح أخو أبي القعيس، وأبو القعيس هو: أَبٌ لعائشة من الرضاعة؛ لأنها رضعت من زوجته، ولو لم يكن أبو القعيس زوج المرضعة أبًا لعائشة من الرضاعة، لما سُمِّيَ أخوه: عمها من الرضاعة؛ لأن ثبوت العمومة فرع ثبوت الأبوة. فكل ألفاظ الحديث على اختلاف رواياته تنطق بلفظ "عمّ عائشة من الرضاعة"، فلا يكون لها عمٌّ من الرضاعة إلا إذا كان لها أبٌ من الرضاعة.