٤.٧ موانع النكاح المؤبَّدة المختلف فيها


المانع الأول: مانع الزنى
اختلف أهل العلم في زواج المرأة الزانية؛ فأجازه جمهور الفقهاء، ومنعه آخرون.
والذين قالوا بجوازه اشترطوا له شرطين:
الشرط الأول: انقضاء عِدَّتها. فإن حملت من الزنى، فقضاء عِدَّتها بوضعه. ولا يحل نكاحها قبل وضعه. وهو قول الإمام أحمد ومالك وأبي يوسف. وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة.
وفي الأخرى قال: يحلّ نكاحها ويصحّ؛ وهو مذهب الشافعي.
والشرط الثاني: أن تتوب من الزنى؛ قاله أحمد وقتادة وإسحاق وأبو عبيدة.
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لا يشترط ذلك، لما روي: أن عمر ضرب رجلا وامرأة في الزنى، وحرص أن يجمع بينهما، فأبى الرجل. وروي: أن رجلًا سأل ابن عباس عن نكاح الزانية فقال: "يجوز. أرأيت لو سرق من كرمٍ ثم ابتاعه، أكان يجوز؟".
فإذا وُجد الشرطان, حلّ نكاحها للزاني وغيره، في قول أكثر أهل العلم: أبي بكر, وعمر, وابن عباس، وجابر بن زيد، وعطاء، والحسن, وعكرمة, والزهري, والثوري, والشافعي, وابن المنذر, وأبي حنيفة.
روي عن ابن مسعود، والبراء بن عازب، وعائشة: أنها لا تحل للزاني بحال، قالوا: "لا يزالان زانيين ما اجتمعا".

٤.٧ موانع النكاح المؤبَّدة المختلف فيها


سبب الخلاف
ولعلنا نتساءل عن سبب اختلاف أهل العلم في نكاح الزانية لمَن زنى بها، فنقول: إن سبب اختلافهم هو: اختلافهم في مفهوم قول الله تعالى: ((وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)) [النور: الآية: ٣]، هل خرج مخرجَ الذم، أو مخرج التحريم؟ وهل الإشارة في قوله: ((وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)) إلى الزنى أو إلى النكاح؟
وإنما صار الجمهور لحمل الآية على الذم، لا على التحريم، لِما جاء في الحديث: أن رجلًا قال للنبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في زوجته: "إنها لا تَرُدُّ يدَ لامس"، فقال له النبي -عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ-: ((طَلِّقْها))، فقال: "إني أحبُّها"، فقال له: ((فأمسكها)).
وقال بعض أهل العلم أيضًا: إن الزنى لا يفسخ النكاح بناءً على هذا الأصل، بمعنى: أنه إن زنت امرأة رجل أو زنى زوجها لم يفسخ النكاح، سواء كان قبل الدخول أو بعده عند عامة أهل العلم. وبه قال: مجاهد, وعطاء, والنخعي، والثوري، والشافعي, وإسحاق، وأبو حنيفة.
وعن جابر بن عبد الله: أن المرأة إذا زنت، يُفرَّق بينهما وليس لها شيء. وكذلك روي عن الحسن، وعن عليٍّ: أنه فرَّق بين رجل وامرأة زنى قبل الدخول بها.
واحتج لهؤلاء بأنه لو قذفها، ولاعَنَها بانت منه، لتحقيقه الزنى عليها؛ فدل على أن الزنى يُفرِّق بينهما.
ولأهل القول الأول: أنّ دعواه الزنى عليها لا يُبِينها، أي: لا يجعل النكاح يُفسخ بينهما. ولو كان النكاح ينفسخ به لانفسخ بمجرد دعواه، كالرضاع. ولأنها معصية لا تُخرج عن الإسلام، فأشبهت السرقة.

٤.٧ موانع النكاح المؤبَّدة المختلف فيها


فأما اللعان، فإنه يقتضي الفسخ بدون الزنى، بدليل أنها إذا لاعنته فقد قابلته فلم يثبت زناها. ولكن الإمام أحمد استحب للرجل مفارقتها.
* وكما ترى -عزيزي الطالب-: فإن قول الجمهور القائل بعدم فسخ النكاح بسبب الزنى أقوى وأقرب للأدلة, والله أعلم.

المانع الثاني: مانع اللِّعان
تعريف "اللِّعان"
و"اللِّعان": مصدر: لَاَعَنَ، يُلَاعِنُ، لِعَانًا ومُلَاعَنَةً، كقَاَتَل، يُقَاتِلُ، قِتَالًا ومُقَاتَلَةً. ولاعَنَ الرجلُ زوجتَه: قذفها بالفجور. وقال في "الفتح": "اللعان مأخوذ من: اللَّعْن؛ لأنّ المُلاعن يقول في الخامسة: "لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين". واختير لفظ "اللعن" في التسمية لأنه قول الرجل، وهو: الذي يبدأ به في الآية الكريمة".

حكم اللعان
واللعان مشروع بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة:
أما الكتاب: فقول الله تعالى: ((وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ...)) [النور: ٦].

٤.٧ موانع النكاح المؤبَّدة المختلف فيها


وأما من السُّنة: فما رواه مالك وغيره من حديث عمير العجلاني؛ إذ جاء إلى عاصم بن عدي العجلاني رجل من قومه، فقال له: "يا عاصم، أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا فيقتله فتقتلوه، أم كيف يفعل؟ سل يا عاصم عن ذلك رسولَ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-". فسأل عاصم عن ذلك رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. فلما رجع عاصم إلى أهله، جاء عمير، فقال: "يا عاصم، ما ذاك قال لك رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟". فقال: "لم تأتني بخير. قد كَرِه رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- المسألة التي سألت عنها"، فقال: "والله لا أنتهي حتى أسأله عنها". فأقبل عمير حتى أتى رسولَ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وسط الناس، فقال: "يا رسول الله, أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا، أيقتله فتقتلوه؟ أم كيف يفعل؟". فقال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((قد نزل فيك وفي صاحبتك قرآن, فاذهب فأتِ بها)). وقال: "فتلاعنا، وأنا مع الناس عند رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. فلما فرغا من تلاعنهما، قال عمير: "كذبتُ عليها يا رسول الله إن أمسكْتُها". فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره بذلك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".
قال مالك: "قال ابن شهاب: فلم تزل تلك سُنة المتلاعنين".
وأيضًا من جهة المعنى: لما كان الفراش موجبًا للُحوق النسب، كان للناس ضرورة إلى طريق ينفونه به إذا تحقَّقوا فساده؛ وتلك الطريق هي: اللعان. فاللعان: حكم ثابت بالكتاب والسنة والقياس والإجماع، إذ لا خلاف في ذلك. فهذا القول في إثبات حكمه.


٤.٧ موانع النكاح المؤبَّدة المختلف فيها


الآثار المترتِّبة على اللعان
ومن الآثار المترتبة على اللعان: هل اللعان مانع من موانع النكاح على التأبيد؟ أو على خلاف ذلك؟
اختلف أهل العلم في: اجتماع المتلاعنيْن بعد حكم القاضي بالتفريق بينهما بسبب اللعان: هل له أن يراجعها؟ بعد اتفاق الجمهور على: أن الفرقة تجب باللعان، إما بنفسه وإما بحكم حاكم.
فقال مالك والشافعي والثوري وداود وأحمد وجمهور الفقهاء: إنهما لا يجتمعان أبدًا، وإن أكذب نفسه.
وحجّة الفريق الأول القائل بأنهما لا يجتمعان أبدًا: قول رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((لا سبيل لكَ عليها)), ولم يستثنِ ذلك؛ فَأُطْلِقَ التحريم.
وجاءت الأخبار عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن مسعود -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم- قالوا: "إن المتلاعنيْنِ لا يجتمعان أبدًا". وبه قال الحسن, وعطاء، وجابر بن زيد، والنخعي، والزهري، والحاكم, ومالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأبو يوسف.
وقال أبو حنيفة وجماعة: إذا أكذب نفسه جُلِدَ الحدّ، وكان خاطبًا من الخُطَّابِ. وقد قال قوم: تُرَدُّ إليه امرأته إذا أكذب نفسه.

٤.٧ موانع النكاح المؤبَّدة المختلف فيها


وحجّة الفريق الثاني, ألا وهو قول أبي حنيفة الذي قال: "إذا أكذب نفسه يُحد حد القذف، ويكون خاطبًا من الخُطَّابِ": أنه إذا أكذب نفسه فقد بطل حكم اللعان؛ فكما يلحق به الولد، كذلك تُرَدُّ المرأة إليه. وذلك أن السبب الموجب للتحريم إنما هو: الجهل بتعيين صدق أحدهما مع القطع بأن أحدهما كاذب، فإذا انكشف ارتفع التحريم. هذا وبالله التوفيق, وهو أعلى وأعلم.