(٣.٦ الموانع الشرعية للنكاح بين الزوجين: (المحرَّمات تحريمًا مؤبَّدًا بالرضاع


المحرَّمات تحريمًا مؤبَّدًا بالرضاع
تعريف "الرضاع"
الرضاع" في اللغة: امتصاص الثدي. يقال: "أرضعَتْه أمُّه فارتضع"، فهي: مُرضِع ومُرضعة. فإن أريد مجرّد الوصف بالإرضاع، قيل: مُرضعٌ -بغير الهاء- أي: لها ولد تُرضعه. وإن أريد أنها محلّ إرضاع بالفعل أي: وصفها حالَ إرضاعها ولدها، قيل: مرضعة -بالهاء-. ومنه قول الحق -سبحانه وتعالى-: ((يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ)) [الحج: ٢].

حكم الرضاع
نقصد بذلك: إرضاع المرأة طفلًا أجنبيًّا عنها، أي: لم تلده هي.
وقد اتفق فقهاء الصحابة والتابعين، وكذلك فقهاء الأمصار وأئمة المذاهب كلّها -حتى الشيعة والخوارج- على: أن المرأة إذا أرضعت ابن غيرها فقد ثبتت صلة القرابة الرضاعية بينها وبين مَن أرضعتْه، وثبت تحريم الزواج بينهما. ويمتد التحريم كذلك إلى أصول المرضِعة، وفروعها،...

(٣.٦ الموانع الشرعية للنكاح بين الزوجين: (المحرَّمات تحريمًا مؤبَّدًا بالرضاع


... وأصول زوجها وفروعه، على خلاف في ذلك ليس هنا مجال بسطه.

دليل التحريم
استدل الجميع على ذلك بالكتاب، والسنة، والإجماع:
قوله تعالى: ((حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ)) [النساء: ٢٣]؛ فقد ذكر الله -سبحانه وتعالى- المحرَّمات بقوله سبحانه: ((حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ...)) إلى أن قال -جل شأنه-: ((وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ))؛ حيث سوّى في التحريم بين الأمِّ من الرضاع والأخت من الرضاع، وبين الأم والأخت النَّسَبِيَّتَيْنِ.
كذلك سوّى بين الأم والأخت من الرضاع، وبين بنات الشخص وعمَّاته وخالاته، وبنت أخيه وبنات أخته؛ حيث ذكر الجميع عاطفًا إحداهنّ على الأخرى بواو العطف على قوله سبحانه: ((حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ))، والمعروف: أن العطف يقتضي التشريك في الحكم.

(٣.٦ الموانع الشرعية للنكاح بين الزوجين: (المحرَّمات تحريمًا مؤبَّدًا بالرضاع


مقدار الرضاع المحرِّم
اختلف الفقهاء في مقدار الرضاع الذي يثبت به التحريم:

الحنفية والمالكية
فذهب الحنفية والمالكية إلى: أن التحريم بالرضاع يثبت بأي قدْر منه, قليلًا كان أو كثيرًا، حتى لو أخذ الرضيع من الثدي مصَّة واحدة ثبت التحريم بذلك.

واستدلوا على ذلك بالكتاب والسنة والمعقول:

(٣.٦ الموانع الشرعية للنكاح بين الزوجين: (المحرَّمات تحريمًا مؤبَّدًا بالرضاع


فقوله سبحانه: ((وَأُمَّهَاتُكُمُ الْلاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ)). ووجه الدلالة: أن الله -سبحانه وتعالى- أثبت التحريم بالرضاعة هكذا على الإطلاق، من غير تحديد ولا تقييد بعدد معيَّن. ولو أراد سبحانه التحديد بعدد معيَّن لبيَّنه؛ فتُحمل الآية على إطلاقها، ويثبت التحريم بالمصَّة الواحدة.

(٣.٦ الموانع الشرعية للنكاح بين الزوجين: (المحرَّمات تحريمًا مؤبَّدًا بالرضاع


مذهب الشافعية والحنابلة والظاهرية
أنّ الرضاع المحرِّم يُشترط فيه: أن يكون خمسَ رضعات فأكثر؛ فلا يثبت التحريم بأقل من ذلك. واستدلوا على ذلك بالسنة:
فعن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كان فيما أنزل من القرآن: "عشر رضعات معلومات يُحرِّمن"، ثم نُسخن: "بخمس معلومات"، فتوفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهنّ فيما يقرأ من القرآن".

الرأي الراجح
والذي يترجّح من هذه المذاهب كلها هو: المذهب الأول للحنفية والمالكية, وهو: أن التحريم يثبت بقليل الرضاع وكثيره، لإطلاقات الكتاب والسنة كما علله الحنفية والمالكية.

مدة الطفولة التي يثبت فيها التحريم
اختلف جمهور الفقهاء في المدة الزمنية التي يثبت فيها التحريم بالإرضاع:


(٣.٦ الموانع الشرعية للنكاح بين الزوجين: (المحرَّمات تحريمًا مؤبَّدًا بالرضاع


مذهب المالكية والشافعية والحنابلة والشيعة الإمامية والزيدية
أنّ المدة التي يثبت فيها التحريم بالرضاع هي: العامان؛ فما كان بعد العامين فإنه لا تأثير له، ويصح الزواج بين الرضيع وبين مَن أرضعتْه وأصولها وفروعها؛ وهذا هو مذهب الصاحبين: أبي يوسف ومحمد الحنفييْن.
إن زواج الأم بعد طلاق بنتها يُشعل نار الغيرة في قلب البنت؛ لأن هذه هي طبيعة النساء، ولأن البنت لا تؤثر أمها على نفسها عادة، لذلك حرمت الأم على زوج البنت بمجرّد العقد على البنت. ولما كانت الأم تؤثر بنتها على نفسها، فإن البنت لا تحرم على زوج الأمّ إلا بعد الدخول بالأم؛ لأن الرجل بعد دخوله بالأم ينظر إلى ربيبته نظرته إلى بنت الصلب، أما قبل الدخول بالأم فإن هذه العاطفة لا توجد.

واستدلوا على ذلك بالكتاب، والسنة:
أولًا: الكتاب: قوله تعالى: ((وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ)) [البقرة: ٢٣٣]؛ فالآية نص في: أنّ مدة الرضاع هي: العامان، وقوله سبحانه: ((وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا)) [الأحقاف: ١٥]؛ فالآية دليل آخر على: أن مدة الرضاع هي: العامان؛ حيث ذكرت مدة الحمل والفصال معًا وهي: ثلاثون شهرًا، ومدة الحمل أدناها: ستة أشهر باتفاق الجميع؛ فيبقى للفصال الذي هو الفطام: أربعة وعشرون شهرًا؛ فتكون هي مدة الرضاع المحرِّم.

(٣.٦ الموانع الشرعية للنكاح بين الزوجين: (المحرَّمات تحريمًا مؤبَّدًا بالرضاع


ثانيًا: دليل الجمهور من السنة:
أولًا: عن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا يُحرِّم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي, وكان قبل الفطام)). فقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((ما فتق الأمعاء في الثدي)) أي: في زمن الثدي، أي: زمن الرضاعة، يؤيِّده قوله -صلى الله عليه وسلم- في نفس الحديث: ((وكان قبل الفطام)).
ويدل على هذا بصريح لفظه: ما يرويه ابن عباس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا رضاع إلا ما كان في الحولين)).

مذهب الإمام أبي حنيفة
أن مدة الرضاع المحرِّم هي: عامان ونصف العام، أي: ثلاثون شهرًا.
واستدل الإمام أبو حنيفة على ذلك بقوله تعالى: ((وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا)). يقول أبو حنيفة: "قد ذكر الله -سبحانه وتعالى- في الآية شيئين مختلفين: الحمل، والفصال، معطوفا أحدهما على الآخر بحرف العطف. وضرب لهما أجلًا واحدًا ومدّة محدودة: ((ثَلاثُونَ شَهْرًا))؛ فكأن الله -عز وجل- يقول -والله أعلم-: "وحمْله ثلاثون شهرًا، وفصاله ثلاثون شهرًا"؛ فتكون مدة الرضاع ثلاثين شهراً".

(٣.٦ الموانع الشرعية للنكاح بين الزوجين: (المحرَّمات تحريمًا مؤبَّدًا بالرضاع


الرأي الراجح
والذي يترجّح هو: رأي جمهور الفقهاء, وهو: أن مدة الرضاع التي يثبت فيها التحريم هي: العامان فقط، لِقوله تعالى: ((وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ))، وقوله سبحانه: ((وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ)) [لقمان: ١٤]؛ فكلٌّ من هاتين الآيتين: نص صريح في محلِّ النزاع لا يحتمل التأويل.

اختلاط لبن المرضعة بغيره
قد تحلب المرأة لبنًا من ثديها وتخلطه بشيء آخَر مثل: الماء، أو الدواء، أو الطعام، أو تخلطه بلبن شاة أو بهيمة، وتعطيه لطفل أجنبي، وهذه قد اختلف جمهور الفقهاء في كل منها بين ثبوت التحريم بهذا اللبن المخلوط، وعدم ثبوته.
والذي أرجِّحه هو: ثبوت التحريم في كلٍّ منها إذا كان اللبن غالبًا على الشيء المخلوط أو مساويًا له، أخذًا بالأحوط؛ لأن به يتحقق إنبات اللبن وإنشاز العظم.
أما إذا خُلط لبن المرأة بلبن امرأة أخرى، ثم أُعطي للطفل، فإن الأمومة تثبت للمرأتين، وتكون كل منهما أمًّا له في الرضاع، من باب الأخذ بالأحوط أيضًا من غير نظر إلى أي اللبنين أكثر. فلو كان لبن إحداهما كثيرًا ولبن الأخرى قليلًا، ثبتت أمومتُهما له؛ حيث إننا قد رجَّحنا من قبل ثبوت التحريم بقليل الرضاع، كما هو مذهب الحنفية والمالكية.

(٣.٦ الموانع الشرعية للنكاح بين الزوجين: (المحرَّمات تحريمًا مؤبَّدًا بالرضاع


الوجور والسعوط والحقنة
"الوجور" هو: إعطاء اللبن للطفل بصبِّه في حلقه.
و"السعوط": إعطاؤه له بصبِّه في أنفه.
ويثبت التحريم بهما، كما لو رضعه الطفل من الثدي مباشرة.
وكذلك يثبت التحريم لو أُعطي اللبن للطفل بالحقنة التي تكون للغذاء؛ لأن إنبات اللحم وإنشاز العظم يتحقق بهذه الثلاثة؛ فلهذا ثبت التحريم.

لبن الميتة
اتفق الحنفية والمالكية والحنابلة والظاهرية على: أن لبن الميتة محرِّم كلبن الحيَّة سواء بسواء. بمعنى أنه: إذا ماتت امرأة بها لبن، ودبَّ طفل رضيع إليها، والتقم ثديها ورضَعه؛ فهي أمُّه وبنتها أخته، وثبت التحريم بينهما.