...٢.٦ الموانع الشرعية للنكاح بين الزوجين: (المحرمات تحريمًا مؤبدًا


المحرَّمات من النساء على نوعين:
محرَّمات تحريماً مؤبَّداً.
ومحرَّمات تحريماً مؤقَّتاً.

المحرمات تحريمًا مؤبدًا
أما المحرَّمات على التأبيد, فهي خمسة أنواع:
ثلاثة محل اتفاق: وهن المحرّمات عن طريق النسب، أو الرضاع، أو المصاهرة.
واثنان محلّ خلاف: وهما المحرمة عن طريق الزنى، والمحرّمة عن طريق اللعان.
فنبدأ حديثنا بتوفيق من الله -عز وجل- عن القسم الأول من المحرَّمات, والذي هو محل اتفاق فنقول:


...٢.٦ الموانع الشرعية للنكاح بين الزوجين: (المحرمات تحريمًا مؤبدًا


أولًا: المحرمات تحريمًا مؤبدًا بالنسب
اتفق جمهور الفقهاء وأهل العلم على: أن النساء اللاتي يَحرم الزواج بهنّ تحريمًا مؤبَّدًا بسبب القرابة ينقسمن إلى أربع شعب، تَجمع سبعًا من النساء:
أصل الرجل مهما علا, وهو يشمل: الأمّ وأمَّها إلى ما لا نهاية، وأمَّ الأب، وأمَّ جَدَّة الأب... إلى ما لا نهاية.

...٢.٦ الموانع الشرعية للنكاح بين الزوجين: (المحرمات تحريمًا مؤبدًا


وممّا له صلة بالتحريم المؤبّد من جهة النسب
تحريم البنت من الزنى، أو عدم تحريمها، فنقول:
إن الفقهاء قد اختلفوا في: بنت الزنى: هل تحرم على مَن زنى بأمِّها وتأكَّد أنها من مائه؟ أو لا تَحرم؟
فعند الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة، ومالك، وأحمد: تحرم، لعموم قوله تعالى: ((وَبَنَاتُكُمْ)).
وعند الإمام الشافعي: لا تحرم لأنها أجنبية تنتفي عنها كلّ أحكام النسب من إرث وغيره.

والراجح في هذه المسألة: رأي الجمهور، قياسًا على الإجماع الثابت على حرمة ابن الزنى على أمِّه.

...٢.٦ الموانع الشرعية للنكاح بين الزوجين: (المحرمات تحريمًا مؤبدًا


الحكمة من تحريم القريبات من جهة النسب
حرَّمت الشريعة الإسلامية الزواج بالقريبات من النسب للأسباب الآتية:
إن المحبة والمودة والشفقة التي تكون بين الأقارب عادة تذوب وتتلاشى بسبب الزواج، لما يحدث بين الزوجين عادة من خلافات عائلية ومغاضبات زوجية.

...٢.٦ الموانع الشرعية للنكاح بين الزوجين: (المحرمات تحريمًا مؤبدًا


ثانيًا: المحرَّمات تحريمًا مؤبَّدًا بالمصاهرة
النساء اللاتي يَحرم التزوج بهن بسبب المصاهرة أربع فِرَق باتفاق جمهور الفقهاء وأهل العلم:

الفرقة الأولى
زوجة الأصل مهما علا ذلك:
"الأصل" والمراد بها: زوجة أبيك، وزوجة جدِّك لأبيك وجدك لأمك مهما علا الجد من الجهتين. وحرمة زوجة الأصل ثابتة بمجرَّد العقد عليها, دخل بها الأصل أو لم يدخل.
ودليل التحريم: قول الله تعالى: ((وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا)) [النساء: ٢٢].

الفرقة الثانية
زوجة الفرع مهما نزل ذلك الفرع. والمراد بذلك:
زوجة الابن إذا طلَّقها الابن أو مات عنها. والحرمة تنتشر وتثبت بمجرَّد العقد الصحيح من الابن، سواء دخل بها الابن أو لم يدخل. ولا فرق في ذلك بين زوجة الابن، وزوجة ابن الابن مهما نزل، وكذلك زوجة ابن البنت وابن ابنه، وابن بنت البنت مهما سفل.

...٢.٦ الموانع الشرعية للنكاح بين الزوجين: (المحرمات تحريمًا مؤبدًا


ودليل التحريم: قول الحق -سبحانه وتعالى-: ((حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ...)) [النساء: ٢٣] إلى أن قال: ((وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ)).

زوجة الابن المتبنَّى:
تحريم زوجة الفرع لا يشمل زوجة الابن المتبنَّى كما كان في الجاهلية؛ فهي حلال للأب المتبنِّي، فله الزواج بها إذا طلَّقها الابن المتبنَّى أو مات عنها حتى ولو كان ذلك بعد الدخول.
ودليل ذلك: الكتاب الكريم وهو: قوله تعالى: ((وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ))؛ فهذا قيد بكون الابن من الصلب، فيخرج الابن بالتبنِّي.
وأيضًا قوله تعالى: ((فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا)) [الأحزاب: ٣٧]. فهذه الآية الكريمة نزلت بسبب تبنِّي النبي -صلى الله عليه وسلم- لزيد بن حارثة -رضي الله عنه-، وكان ذلك قبل تحريم التبنِّي. قال ابن جريج: "سألت عطاء عن قوله تعالى: ((وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ)) قال: كنا نتحدث -والله أعلم-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما تزوج زينب بنت جحش الأسدية بنت عمَّته أميمة بنت عبد المطلب امرأة زيد بن حارثة الذي تبنَّاه النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال المشركون: "تزوَّج محمد حليلة ابنه!". فأنزل الله -عز وجل- قوله: ((وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ)) ليفيد إباحتها؛ لأن زيدًا لم يكن من صلبه وإنما كان ابنه بالتبنِّي". والقصة أشهر من نار على علم. فالذي خطبها للنبي -صلى الله عليه وسلم- هو: زيد نفسه بعد طلاقه لها.

...٢.٦ الموانع الشرعية للنكاح بين الزوجين: (المحرمات تحريمًا مؤبدًا


الفرقة الثالثة
أصل الزوجة, أي: تحرُم أمّ الزوجة على زوج بنتها، بمعنى:
أنه إذا عقد شخص على امرأة، فقد حرمت أمّها بمجرد العقد الصحيح، حتى وإن لم يحصل دخول بالبنت، بأن طلَّقها، أو ماتت قبل أن يدخل بها؛ وهذا باتفاق جميع الفقهاء.
ودليل ذلك: قوله تعالى: ((حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ...)) إلى أن قال: ((وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ)).
كذلك يستدل على هذا من السنة بما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((أيّما رجل نكح امرأة فدخل بها، لم يحلّ له نكاح ابنتها. فإن لم يكن دخل بها، فلينكح ابنتها. وأيّما رجل نكح امرأة فدخل بها أو لم يدخل، فلا يحلّ له نكاح أمِّها)).

الفرقة الرابعة
فرع الزوجة, أي:
تحرم بنت الزوجة -وهي: الربيبة- على زوج أمِّها. وهذا ثابت، بشرط الدخول بالأم، وإلا كان الزواج للربيبة حلالًا. وهذا باتفاق جميع جمهور الفقهاء وأهل العلم. ويدخل في التحريم: بنت بنت الربيبة، وبنت بنت بنتها، بشرط الدخول بجدّتهن كذلك.

...٢.٦ الموانع الشرعية للنكاح بين الزوجين: (المحرمات تحريمًا مؤبدًا


ودليل ذلك: الكتاب الكريم، والسنة النبوية المطهرة:
أما الكتاب: فقوله تعالى: ((وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلًا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ)) [النساء: ٢٣].
وأما السنة: فما روي عن عمرو بن العاص عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((أيّما رجل نكح امرأة فدخل بها، لم يحلّ له نكاح ابنتها. فإن لم يكن دخل بها، فلْينكح ابنتها. وأيما رجل نكح امرأة فدخل بها أو لم يدخل بها، فلا يحلّ له نكاح أمِّها)).
هل يشترط في تحريم الربيبة أن تكون في حجر الزوج؟
أجمع فقهاء الأمصار وأئمة المذاهب كلّها -حتى الشيعة والخوارج- على: تحريم الربيبة على زوج أمِّها مطلقًا, سواء كانت في حجره أو لم تكن. ولم يكن ثمَّة شرط سوى ما جاء في القرآن الكريم من قيْد الدخول بالأم.
ووجهة الجمهور في ذلك: أن الله -سبحانه وتعالى- ذكر الحجر بناء على عرف الناس وعاداتهم؛ إذ العرف جرى: أن البنت تكون مع أمِّها وفي حجر زوج أمِّها عادة، فخرج الكلام مخرج الغالب والعرف والعادة. وهذا نظير قول الله تعالى: ((وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ)) [الأنعام: ١٥١]؛ فإن قتل الأولاد محرَّم ومنهيّ عنه على أيِّ وجه كان ولأي علَّة كانت، لا خصوص الإملاق؛ ولكن العرف والعادة جَرَيَا بين العرب في جاهليتهم على قتل أولادهم خشية الفقر، فنزلت هذه الآية على عادتهم غالبًا.

...٢.٦ الموانع الشرعية للنكاح بين الزوجين: (المحرمات تحريمًا مؤبدًا


ولم يخالف في تحريم الربيبة على زوج الأم سوى أهل الظاهر؛ حيث اشترطوا: إقامتها في حجر زوج أمِّها. فإذا لم تكن كذلك، كانت حلالًا له بعد موت أمِّها أو طلاقها، ولو دخل بالأم.
ووجهة أهل الظاهر في هذا النص الكريم الذي اشترط ذلك بقوله تعالى: ((وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ)), فقد قيَّد سبحانه تحريم الربيبة على زوج أمِّها بكونها في حجره، أي: تحت رعايته وفي كنفه حتى صارت كابنته الصُّلبية، فإذا لم تكن كذلك فلا تحريم إذن.

حكمة التحريم بالمصاهرة
أولًا: تحريم زوجة الأب على الابن، وزوجة الابن على الأب
الحكمة من التحريم: لاحتمال أن يكون كلّ من الأب أو الابن إذا طلق زوجته قد ندم على فراقها ويتمنَّى العودة إليها، فإذا تزوج الأب زوجة ابنه أو تزوَّج الابن زوجة أبيه، يكون في هذا وذاك وقوع العداوة والحزازات بين الأب والابن، ووجود الجفاء من الأب لابنه، والعقوق من الابن لأبيه؛ وهذا هدم للأسرة والبيوت الإسلامية، وهذا أمر يرفضه الإسلام ويأباه.
وكذلك في حالة وفاة الأب عن زوجته، أو وفاة الابن عن زوجته، فإن الابن ينظر إلى زوجة أبيه على أنها أمُّه وفي منزلتها، ويَبَرُّها من باب البِر لأبيه. وأيضًا فإن الأب ينظر إلى زوجة ابنه على أنها ابنته، فيرعاها ويرعى مصالحها كما يرعى مصلحة ابنته التي من صُلبه، ويرعى أولادها لأنهم أولاد ولده.


...٢.٦ الموانع الشرعية للنكاح بين الزوجين: (المحرمات تحريمًا مؤبدًا


ثانيًا: تحريم أمِّ الزوجة على زوج ابنتها، وبنت الزوجة على زوج أمِّها
إن زواج الأم بعد طلاق بنتها يُشعل نار الغيرة في قلب البنت؛ لأن هذه هي طبيعة النساء، ولأن البنت لا تؤثر أمها على نفسها عادة، لذلك حرمت الأم على زوج البنت بمجرّد العقد على البنت. ولما كانت الأم تؤثر بنتها على نفسها، فإن البنت لا تحرم على زوج الأمّ إلا بعد الدخول بالأم؛ لأن الرجل بعد دخوله بالأم ينظر إلى ربيبته نظرته إلى بنت الصلب، أما قبل الدخول بالأم فإن هذه العاطفة لا توجد.