٢.٢ شروط إباحة الخطبة


يشترط لإباحة الخِطبة وجوازها
أن تكون المرأة صالحة للزوجية وقت الخطبة، وخالية من الموانع الشرعية بالنسبة لمن يخطبها، بألا يكون بينهما تحريم مؤبَّد أو مؤقَّت، بنسب, أو رضاع، أو مصاهرة.
فإذا كانت المرأة ذات زوج -أي: في عصمة رجل آخر- فإنّ هذه لا تجوز خطبتها بحال، لا تصريحًا ولا تعريضًا. وهذا أمر بدهي لما فيه من الاعتداء الواضح على زوجها، وعلى حقه المشروع عليها.
أمَّا الخالية من الزوج أو غير المشغولة بحق شرعي فهي: المعتدَّة من وفاةٍ أو من طلاق؛ وهذه يتعلق بخطبتها أحكام شرعية من حيث الجواز وعدمه، ومن حيث الطلاق الرجعي والطلاق البائن, ومن حيث التصريح والتعريض. ونبين -بمشيئة الله- هذه الأحكام من خلال السطور الآتية

المعتدة من وفاة
المعتدّة من وفاة تجوز خطبتها وهي في العدة، بالتعريض فقط. ولا تجوز بالتصريح. أما جواز التعريض فبقوله تعالى: ((وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ))؛ فهذه الآية خاصة بالمعتدة من وفاة، لورودها عقب قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا...

٢.٢ شروط إباحة الخطبة


... يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا))[البقرة: ٢٣٤]. والتعريض بالخطبة: أن يكون بعبارة تحتمل الخِطبة وتحتمل غيرها، ويكون ظاهرها غيرها، أي: ليست نصًّا في رغبته في الزواج بها، مثل أن يقول لها: "إنني أريد الزواج"، أو يقول: "وددت لو رزقني الله زوجةً صالحةً", أو يقول: "إن الله سيرزقك زوجًا صالحًا"، وهكذا من العبارات ذات الاحتمالين.
وقد روي: أن سكينة بنت حنظلة قالت: "استأذن عليَّ محمد بن علي بن الحسين، ولم تنقضِ عِدَّتي من مهلك زوجي، فقال: "قد عرفتِ قرابتي من رسول الله، وقرابتي من عليٍّ، وموضعي من العرب"، قلت: "غفر الله لك، يا أبا جعفر، إنك رجل يؤخذ عنك. تخطبني في عِدَّتي؟"، قال: "إنما أخبرتك بقرابتي من رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ومن علي".
أمّا عدم جواز التصريح بخطبة المعتدّة من وفاة، كأن يقول لها: "إنني أريد الزواج بك"؛ فلأن النص الوارد بالجواز، إنما هو بالتعريض فقط؛ فيجب الاقتصار على مورد النص.
ويكون التصريح على أصل المنع، لعدم إمكان العقد عليها في الحال.
وهذا فيه من الأدب الإسلامي الرفيع ما فيه؛ لأن المعتدة من وفاةٍ إذا خُطبت تصريحًا وهي في عِدَّتها فإن ذلك يحزن أهل الميت، ويقلب عليهم مواجعهم، ويجدِّد عليهم أحزانهم؛ لذلك حَرَّمت الشريعة الإسلامية التصريح بخطبة معتدَّة الوفاة. كما أنه من باب الوفاء للزوج المتوفَّى، فلا يصح أن تنكر الحياة الزوجية هكذا على الفور، وتنسى عشرة هذا الزوج الذي فارقها بأمر الله، وتستعدَّ لغيره وتستقبل الخُطَّاب.


٢.٢ شروط إباحة الخطبة


المعتدَّة من طلاق
الطلاق نوعان: رجعي وبائن. والبائن قسمان: بائن بينونة صغرى، وبائن بينونة كبرى. والمطلقة بصفة عامة في هذه الأحوال الثلاث لا تجوز خطبتها وهي في العِدَّة, لا تصريحًا ولا تعريضًا، ولكل حالة منها في هذه الحالات الثلاث حكمه الخاص به في المنع.

المعتدة من طلاق رجعي
المطلقة رجعيًّا تكون خلال العِدَّة زوجة، لها ما للزوجات، وعليها ما على الزوجات؛ إذ من حق مطلِّقها أن يراجعها من غير حاجة إلى رضاها، وبغير حاجةٍ إلى عقدٍ ومهرٍ جديدين؛ فهذه لا تجوز خطبتها أثناء العدة بأي حال من الأحوال لا تصريحًا ولا تعريضًا، وشأنها شأن أيّ امرأة في عصمة زوجها لم يسبق عليها طلاق.

المعتدة من طلاق بائن بينونة صغرى
المطلَّقة بائنًا بينونة صغرى لا تجوز خطبتها أثناء عِدَّتها، لا تصريحًا ولا تعريضًا؛ فهي وإن بانت من زوجها وانتهت الحياة الزوجية بينهما ولا سبيل إلى إعادتها إلا بعقد ومهر جديدين ورضا المرأة بذلك، لكن الأمل في عودة الزوجية بينهما قائم؛ لأن البينونة الصغرى وإن أزالت حِلَّ...

٢.٢ شروط إباحة الخطبة


... الاستمتاع بينهما، لكنها لم تُزِلْ حِلَّ كلٍّ منهما للآخر من غير اشتراط زوج آخَر، بدليل أنه يجوز لمطلِّقها دون سواه أن يُعيدها لزوجية جديدة خلال العِدَّة لأنها تعتدّ منه.

المعتدة من طلاق بائن بينونة كبرى
كذلك فإنه لا تجوز خطبة المطلقة بائنًا بينونةً كبرى خلال عِدَّتها، لا تصريحًا ولا تعريضًا؛ فهي وإن كانت تزيد عن المطلقة بائنًا بينونة صغرى في عدم حِلِّها لمطلِّقها إلا بعد أن تنكح زوجاً غيره، وبالرغم من ذلك لا تجوز خطبتها خشية حدوث العداوة بين المطلِّق والخاطِب إذا تقدم لخطبتها وهي في العِدَّة؛ وذلك لما جُبلت عليه النفس البشرية من غيْرة المطلِّق على من كانت بالأمس القريب زوجةً له وفراشًا، خاصة وأنها خلال العِدَّة تكون نفقتها على مطلقها، فكيف تخطب لغيره وهي تعيش بنفقته؟

والفرق بين المعتدَّة من وفاة والمعتدَّة من طلاق في جواز التعريض بخطبة الأُولى دون الثانية, يكون من وجوه
إن عودة الحياة الزوجية لمعتدّة الوفاة مستحيلة دون المطلَّقة, حتى ولو كانت بينونتها كبرى.

٢.٢ شروط إباحة الخطبة


إنَّ عدَّة المتوفى عنها زوجها بالأشهر، فلا سبيل لها إلى إنهائها قبل وقتها؛ إذ هي بالحساب. فجميع الناس يعرفون متى تخرج المتوفَّى عنها زوجها من عِدَّتها، وإن ذلك يكون بانقضاء أربعة أشهر وعشر من يوم وفاة الزوج؛ فهذا مقطوع به. بينما عِدَّة المطلَّقة في الغالب: الحِيَض، وهذا شيء لا يُعرف إلا من قِبَلِ المرأة؛ لأنه من خصوصيتها، وينبغي أن تصدق فيه ما دام في الإمكان تصديقها؛ لأنها أمينة على نفسها.
فإذا جازت خِطبتُها خلال العِدَّة، ربَّما ضعف إيمانها أمام خاطب معيَّن ارتضتْه وخافت فواته، فكذبت وادَّعت انتهاء العِدّة لإتمام عقد القران وهي لم تنتهِ في الحقيقة.
إن خطبة المرأة تستلزم رؤيتها، والمطلقة بائنًا تلزم منزل الزوجية لا تخرج منه، ولا يدخل عليها أحد إلا بإذن مطلِّقها، ومن حُبست لأجله. أمَّا معتدَّة الوفاة فلا تلزم منزل الزوجية كالمطلقة.
هذا بالإضافة إلى ما ذكرناه من قبل، وهو: أن جواز التعريض بخطبة المعتدة جاء في المتوفى عنها زوجها دون سواها, فيجب الاقتصار عليه، ويبقى غيره على أصل المنع.