١.٢ تعريف خِطبة النكاح، مشروعيتها، النظر للمخطوبة


تعريف "الخِطبة"
"الخِطبة" -بكسر "الخاء"- و"الخُطبة" بضمها: كلمتان متَّحدتان لفظًا، متغايرتان معنًى. فكل منهما مأخوذ من خَطَبَ -بفتح "الخاء"-
- لكن خُصَّت الخُطبة -بالضم- بالكلام المنثور أو المسجوع، ومنه: خُطبة الجمعة التي يُلقيها الخطيب على المنبر.
- وخُصَّت "الخِطبة" -بالكسر- بخِطبة المرأة للزواج بها، ومنه قوله سبحانه: ((وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ)) [البقرة: ٢٣٥].

١.٢ تعريف خِطبة النكاح، مشروعيتها، النظر للمخطوبة


مشروعية الخِطبة, ودليلها
شُرعت الخطبة, وثبتت مشروعيتها بالكتاب والسنة:
فقوله تعالى: ((وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ)) [البقرة: ٢٣٥]: نزلت هذه الآية في شأن المتوفَّى عنها زوجها، وجواز التعريض بخِطبتها في عِدَّتها؛ فإذا جاز التعريض بخِطبة المعتدَّة من وفاة، فلأنْ يجوز من باب أوْلى التصريح بخطبة الخالية. وفي الجملة هذا دليل من الكتاب الكريم على مشروعية الخطبة.

١.٢ تعريف خِطبة النكاح، مشروعيتها، النظر للمخطوبة


النظر إلى المخطوبة: حُكمه والحِكمة منه

حُكم النظر إلى المخطوبة
حكمه: الجواز والإباحة باتفاق جميع الفقهاء؛ بل جعلت الشريعة الإسلامية لذلك أمرًا مندوبًا إليه ومرغوبًا فيه. يتجلَّى ذلك واضحًا في: قوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- للمغيرة بن شعبة في الحديث الذي أسلفناه: ((انظر إليها؛ فإنه أحرى أن يُؤدَم بينكما)). يؤيده ويؤكده: قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((إذا خطب أحدُكم امرأة، فإنِ استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فلْيفْعَلْ)). يقول جابر راوي الحديث: "فخطبتُ جارية من بني سلمة، فكنت أختبئ لها حتى رأيتُ منها ما دعاني إلى نكاحها, فتزوجْتُها".
كما اتفق جميع الفقهاء كذلك على: ألا يكون النظر إلى المخطوبة في خلوة؛ لأن خلوة الرجل بامرأةٍ أجنبيةٍ حرامٌ شرعًا؛ فربما زيَّن لهما الشيطان اقتراف المعصية، لِما جُبلت عليه النفس البشرية من الضعف أمام الشهوة الجنسية. يتمثل هذا في هديه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حين يقول: ((لا يَخلُونَّ رجلٌ بامرأةٍ لا تحلّ له؛ فإن ثالثَهما الشيطان إلا مَحْرم)). نعوذ بالله منه ومن وساوسه.

١.٢ تعريف خِطبة النكاح، مشروعيتها، النظر للمخطوبة


الحِكمة من النظر إلى المخطوبة
أما الحِكمة في إباحة الشريعة الإسلامية النظرَ إلى المخطوبة قبل العقد عليها, فهي: حصول الرضا والموافقة للرجل بمن يريد الاقتران بها في حياةٍ زوجيةٍ دائمةٍ ومستمرةٍ؛ إذ من حق الرجل أن يعرف عن بيِّنةٍ شكلَ مَن يتزوجها حتى يقتنع بها. وله أن يكرر المشاهدة حتى لا يكون له عذر بعد ذلك في تركها, بحجّة أنه لم يرها من قبل. ولا أدل على ذلك من قوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((انظر إليها؛ فإنه أحرى أن يُؤدم بينكما)) أي: تدوم العشرة والألفة والمحبة بينكما, وقوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((إذا خطب أحدُكم المرأة, فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فلْيفعلْ)). وهل يكون ذلك إلا لمعرفة شكلها وتكوينها الجسمي، وملامحها... وهذا هو المعنى المراد والمقصود بقوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((... إلى ما يدعوه إلى نكاحها، فليفعل)).

النظر إلى الخاطب
كما أن من حقّ الخاطب أن ينظر إلى مخطوبته، فكذلك يكون من حق المخطوبة النظرُ إلى خاطبها، لنفس الأسباب والدواعي، والحكمة التي ذكرناها في نظر الخاطب إلى مخطوبته؛ لأن الحكمة من النظر: دوام الألفة، واستمرار المحبة؛ وهذا لا يتأتّى بطرفٍ واحدٍ، بل لا بد أن يكون للطرفين. وكون الكتاب والسنة عبَّرَا عن ذلك بذكر الرجل وتوجيه الخطاب إليه، فلأن هذا عُرف الناس وعاداتهم؛ فالرجل هو الذي يتقدم لخطبة المرأة عادة، وليس العكس.

١.٢ تعريف خِطبة النكاح، مشروعيتها، النظر للمخطوبة


القدْر المسموح برؤيته من المخطوبة هو: الوجه والكفان والقدمان؛ لأن هذه الأعضاء هي جماع محاسن المرأة, على خلافٍ في بعضها عند بعض الفقهاء؛ وهذا هو مذهب الحنفية.
وقد أجاز بعض الفقهاء تجاوز هذا القدر. ومنع بعضهم النظر إلى القدمين.
ولكن الشافعية يفضِّلون أن تكون رؤية المخطوبة خفْية حتى لا يكون هناك حرج للخاطب وللمخطوبة إذا لم تحصل الموافقة ويتم الزواج.