٥.٢ حُكم الولاية في عقد الزواج


تعريف "الوَِلاية"
الوَلَايَةُ -بفتح "الواو" وكسرها-: مصدر: وَلِيَ الرجلُ الرجلَ، يليه: إذا نصره وأعانه أو قام بأمره وتولَّى شئونه. والوصف منه: الوليّ. قال ابن السكيت: "المختار في الوِلاية بالكسر: السُّلطان، وبالفتح والكسر: النصرة. وعليه فللولي في اللغة معنيان:
الأول: الناصر والمُعِين، فمنه قوله تعالى: ((فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ)) [التحريم: ٤] أي: ناصره. ومنه قوله تعالى: ((وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ )) [محمد: ١١]، أي: لا ناصَرَ لهم.
والثاني: القائم بأمر الشخص والمتولي لشئونه.

٥.٢ حُكم الولاية في عقد الزواج


حُكم الولاية في عقد الزواج
اختلف الفقهاء في اشتراط الولاية في عقد الزواج، هل هي شرط؟ أم ليست بشرط؟
فذهب الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد، وكذلك أهل الظاهر إلى: أن الولاية شرط في عقد الزواج, فلا يصحّ العقد عند هؤلاء جميعًا إلا بوليّ.
وذهب أبو حنيفة إلى: أن الولاية ليست بشرطٍ في عقد الزواج، إذا زوَّجَتِ المرأة نفسها بكفءٍ، ومعناه: أنه يكون شرطًا إذا زوَّجت نفسها بغير كفء.

ولتفصيل القول في هذا الخلاف نقول:
اشتراط إذن الوليّ ومباشرته العقد بنفسه:
يُشترط: إذن الوليّ في عقد الزواج. كما يُشترط: أن يتولَّى العقد بنفسه، ويباشره بعبارته؛ وهذا باتفاق الأئمة الثلاثة خلافًا للأحناف؛ ومن ثَمَّ فإن المسألة فيها ثلاثة مذاهب


٥.٢ حُكم الولاية في عقد الزواج


المذهب الأول لجمهور الفقهاء
اتفق جمهور الفقهاء -مالك، والشافعي، وأحمد- على: أنَّ إذن الوليِّ ورضاه شرطٌ في صحة عقد الزواج؛ وذلك لأنَّ الولاية على البكر ولاية إجبار، والولاية على الثيب ولاية شركة، فلا بد من إذن الولي ورضاه.
كما اتفقوا أيضًا على: أنه يشترط أن يتولَّى العقد بنفسه ويباشره بعبارته. فإذا زوجت المرأة نفسها، وباشرت العقد بعبارتها، فإنه يكون باطلًا من أوَّله، بكرًا كانت أم ثيبًا، سواء أكانت تزوِّج نفسها أم تزوِّج غيرها كبنتها أو أختها، ونحو ذلك... وبهذا قال الظاهرية والإمامية في قول لهم.

أدلة الجمهور
استدل الجمهور على: اشتراط إذن الولي، واشتراط توليه العقد بنفسه بالكتاب، والسنة، والمعقول:

٥.٢ حُكم الولاية في عقد الزواج


منه قول الله تعالى: ((وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا)) [البقرة: ٢٢١]، وقول الله تعالى: ((وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ)) [النور: ٣٢]. في هاتين الآيتين قد خاطب الله بالنكاح الرجال لا النساء، والخطاب على وجه التحديد للأولياء؛ فدل ذلك على: أن النكاح إليهم لا للنساء. فكأنه -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- يقول -والله أعلم-: لا تنكحوا أيها الأولياء موليَّاتكم للمشركين. قال القرطبي: "في هذه الآية دليلٌ بالنص على: أن النكاح لا يكون إلا بوليٍّ".

٥.٢ حُكم الولاية في عقد الزواج


المذهب الثاني للشيخين
ذهب أبو حنيفة وأبو يوسف في ظاهر الرواية، وزفر والإمامية في قول ثانٍ لهم، إلى: أن إذن الوليّ ليس بشرط في العقد. فلو عقدت المرأة نكاحها بدون إذنه، وباشرت بعبارتها، كان صحيحًا نافذًا، سواء كانت بكرًا أم ثيبًا، متى كانت بالغةً عاقلةً رشيدةً، ومتى توافرت المصلحة بأن كان الزوج كفئًا، والمهر مهر المثل.
فإن لم تتوافر المصلحة وتتحقق هذه الشروط، فإن الأولياء يحق لهم الاعتراض على الزواج. ولا يلزم إلا إذا رضوا به أو سكتوا حتى ولدت أو حملت حملًا ظاهرًا. ويكون العقد باطلًا من أوَّلِ الأمرِ لو زوَّجت نفسها بغير كفء، كما هي رواية الحسن عن أبي حنيفة، وهذه الرواية هي التي اختيرت للفتوى.

أدلة الشيخين
استدل الشيخانِ -أبو حنيفة وأبو يوسف- في ظاهر الرواية، ومَن وافقهما على عدم اشتراط إذن الولي لصحة الزواج، وأن الزواج ينعقد صحيحًا بعبارة المرأة، استدلوا بالكتاب والسنة:

٥.٢ حُكم الولاية في عقد الزواج


الكتاب: قوله تعالى: ((وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا)) [الأحزاب: ٥٠]، وقوله تعالى: ((فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ)) [البقرة: ٢٠].
دلت الآية الأولى على: صحة انعقاد النكاح بعبارة المرأة، إذ نصها يفيد ذلك؛ لأن المرأة عرضت نفسها على النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- للزواج بها بغير وليّ. كما أفادت الآية الثانية ذلك أيضًا؛ لأن الله سبحانه قد أسند النكاح إلى المرأة, فيقتضي تصوّره منها؛ إذ الأصل في الإسناد: أن يكون للفاعل الحقيقي، والفاعل هنا هو: المرأة.

٥.٢ حُكم الولاية في عقد الزواج


المذهب الثالث للإمام محمد بن الحسن
ذهب الإمام محمد بن الحسن الحنفي إلى: أن إذن الولي شرط في نفاذ العقد لا في صحته. فلو عقدت المرأة العقد بغير إذن وليِّها وباشرته بعبارتها، انعقد صحيحًا، موقوفًا على إجازة الوليّ، ولا تترتب عليه آثاره إلا إذا أجازه، سواء أكانت المرأة بكرًا أم ثيبًا؛ وذلك لأن الولاية عنده ولاية شركة، فلا يستبد بها أحد دون الآخر، وأيهما عقد العقد يكون عقده صحيحًا موقوفًا على إجازة الآخر؛ وهذا قول ثالث عند الشيعة الإمامية.

* دليل الإمام محمد بن الحسن:
أمّا وجهة الإمام محمد بن الحسن الحنفي فيما ذهب إليه من أن العقد بعبارة المرأة ينعقد صحيحًا موقوفًا على إجازة الولي, فإنه قد استدل بما روي عنه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه قال: ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ, فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ, فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ)). يقول الإمام محمد: "أثبت -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أن نكاح المرأة بغير إذن وليها يكون باطلًا, والإذن أعم من أن يكون سابقًا أو لاحقًا؛ لذلك فإن إذن الولي بعد العقد صار صحيحًا نافذًا أيضًا".

٥.٢ حُكم الولاية في عقد الزواج


هذا، وهناك الكثير من المناقشات والاعتراضات من أصحاب كلِّ مذهب على أصحاب المذهب الآخَر لا يتّسع المقام لذكرها هنا، فلنتركها ونأخذ الرأي الراجح:
* الذي أرجِّحه هو: مذهب الأئمة الثلاثة مالك، والشافعي، وأحمد ومَن معهم من: أنَّ إذن الولي شرط في صحة عقد الزواج، وأنَّ العقد بعبارة المرأة يكون باطلًا من أوَّله، وذلك لقوّة ما استدلوا به من الكتاب والسنة والمعقول، صونًا لكرامة المرأة، وحفظًا للفروج والأبضاع من التبذل والضياع.

تزويج الولي الزوج والزوجة معًا بولايته وحده
قد يكون الولي وليًّا على الطرفين، أو وكيلًا عنهما، ويتم العقد بعبارته وحده؛ وذلك في حالة ما إذا كان للشخص الواحد ولايةٌ على الزوج والزوجة كالجَدّ؛ فله أن يزوِّج ابن ابنه الصغير من بنت ابنه الصغيرة. وكذلك العم، فله أن يزوِّج ابن أخيه من بنت أخيه، بصفته وليًّا عن الطرفين، وذلك في حالة عدم وجود ولي أولَى منه.
فالجد والعم -ومَن كان على شاكلتهما- يتولَّى الواحد منهما العقد عن الطرفين. ويتم بعبارته وحدَه بحكم ولايته لهما شرعًا. وقد يكون الولي وكيلًا عن الطرفين، فيتولى كذلك العقد بنفسه.

٥.٢ حُكم الولاية في عقد الزواج


فعن عقبة بن عامر: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لرجل: ((أترضى أن أزوِّجك فلانة؟)) قال: "نعم". وقال للمرأة: ((أترضيْن أن أزوِّجكِ فلانًا؟)) قالت: "نعم", فزوَّج أحدَهما صاحبَه، فدخل بها".
واضحٌ من هذا الحديث: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- تولَّى العقد عن الطرفين. ولم يثبت في الحديث أنه -صلى الله عليه وسلم- كانت له ولاية إجبار عليهما، أو على أحدهما.
والظاهر من نص الحديث: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان وكيلًا عن الطرفين، لا وليًّا مجبرًا لهما؛ فدل هذا على صحة تولِّي الواحد العقد عن الطرفين. وهذا ما ذهب إليه مالك وأبو حنيفة، وأكَّده أصحابه. وهو رأي الحنابلة وأبي ثور من الشافعية.
- وذهب الشافعي وزفر -من الحنفية- إلى: أنه لا يجوز للواحد أن يتولى طرفي العقد، واستدلا بقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا نكاحَ إلا بأربعة: خاطب، ووليّ، وشاهدين))، وهنا يتم الزواج بثلاثة، فلا يصح.
وأجيب عن هذا: بأنه أراد الأربعة أو من يقوم مقامهم، أو أن ذلك حسب العادة والغالب.

الرأي الراجح
والذي يترجّح هو: ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة -غير الشافعي- بأنه قد ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد تولَّى طرفي العقد بالوكالة؛ فيكون ذلك بالولاية الشرعية أوْلى.