٤.٢ العدول عن الخطبة، وممّن تُخطب المرأة


العدول عن الخطبة
تعارف الناس فيما بينهم عند إعلان الخطبة: أن يقرؤوا (الفاتحة) تبركًا للوعد بالزواج، كما يصاحب إعلان الخطبة أيضًا: تقديم الشبكة والهدايا تعبيرًا عن الجدية في الارتباط. وأحيانًا يدفع المهر المتفق عليه كلّه أو بعضه استعدادًا لتجهيز بيت الزوجية.
وربما يحدث بين الخاطبين مانع يمنع من إتمام عملية الزواج، فيعدل أحدهما أو كلاهما عن الخطبة. فإذا ما حدث ذلك فلا يخلو الحال من أمرين:
أولهما: أن يكون سبب العدول هو: موت أحد الخاطبين.
فإن كان سبب العدول هو: موت الزوج، فلِورثته الحق في استرداد جميع ما دَفع من هدايا أو نقود إن مات بعد الخطبة وقبل العقد أو بعده قبل الدخول. أمَّا بعد الدخول فليس لهم الحق في استرداد ما قدَّمه من قبل مورثهم؛ لأنها زوجة وليست مخطوبة.
وإن ماتت المخطوبة بعد إعلان الخطبة وقبل العقد, فمِن حق الخاطب استرداد جميع ما قدَّمه للمخطوبة. وإن ماتت بعد العقد وقبل الدخول, فليس من حق الخاطب أن يستردَّ شيئًا ممَّا قدَّم.

٤.٢ العدول عن الخطبة، وممّن تُخطب المرأة


ثانيهما: ألا يكون سبب العدول الموت.
فإن كان سبب العدول ليس موت أحد الخاطبيْن, فلا يخلو الحال من أمرين:
أولهما: ألا يكون قد صاحب الخطبة أو قراءة (الفاتحة) إيجاب وقبول، وعدل أحد الخاطبين عنها. فإن كان قد دفع إليها المهر كله أو بعضه فله استرداده؛ لأن المهر قد دُفع نظير عقد لم يتم. أما ما قدّم من شبكة وهدايا فله استرداده إلا ما هلك منها، ويحتكم في هذه الأمور إلى العُرف والاتفاق.
الثاني: أن يكون قد صَاحَبَ الخطبة وقراءة (الفاتحة) إيجاب وقبول بحضور شاهديْن، ففي هذه الحالة عقد شرعي له آثاره الشرعية. فإن كان العدول من جهةِ المخطوبة بسبب من جهتها, فعندئذ تجري بينهما صيغة الخلع لإبراء الزواج ممَّا لها عليه، ولا يأخذ منها أكثر ممَّا أعطاها. وإن كان العدول من جهة الخاطب بسبب من جهته، ولم يكن قد سمَّى لها مهرًا فلها المتعة تطييبًا لخاطرها، وتقدَّر متعتها حسب حال الخاطب يسرًا وعسرًا وتوسطًا؛ لأن العدول هنا طلاق قبل الدخول، والله تعالى يقول: ((لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ)) [البقرة: الآية: ٢٣].

٤.٢ العدول عن الخطبة، وممّن تُخطب المرأة


وإن كان قد سمَّى لها مهرًا فلها نصفه، لقوله تعالى: ((وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ)) [البقرة: ٢٣٧]. وإنما لم يجب لها المهر كلُّه ووجب لها نصفه؛ لأنها لم تسلِّم له البُضع، فكان لها النصف تطييبًا لخاطرها. وفي كلتا الحالتين لا تجب عليها العِدَّة، لقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا)) [الأحزاب: ٤٩]. أمَّا الشبكة والهدايا فمن حقه استرداد ذلك، إلا إذا كان هناك شرط أو اتفاق على عدم الرد عند العدول عن الخطبة.

ممَّن تُخطب المرأة المراد خطبتها
تخطب البكر البالغة العاقلة الرشيدة من نفسها، أو من وليِّها. أمَّا الصغيرة فإنها تُخطب وتُزوَّج من وليِّها لا من نفسها؛ لعدم إدراكها ما فيه مصلحتها إن كانت بكرًا. ففي "صحيح" البخاري -رحمه الله-: أن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خطب عائشة -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- من أبيها أبي بكر، فقال له أبو بكر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "إنما أنا أخوك!"، فقال له النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((أنت أخي في دين الله وكتابه، وهي حَلاَلٌ لِي)).

٤.٢ العدول عن الخطبة، وممّن تُخطب المرأة


ووجْه الدلالة من الحديث هو: أنّ خطبة الصغيرة البكر تكون من وليِّها، كما دَلّ كذلك على: أن للأب تزويجها قبل البلوغ. فعقد النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على عائشة بعد خطبتها من أبيها وهي بنت ست سنين، ودخل بها بعد بلوغها، وهي بنت تسع سنين.
وإن كانت الصغيرة ثيِّبًا عاقلةً دون البلوغ، فلا تُزوَّج إلا بعد بلوغها وإذنها، وبالتالي فإنها تخطب من نفسها أو وليِّها بعد بلوغها.
وإن كانت مجنونة صغيرة كانت أمْ كبيرة، فإنها تُخطب من وليِّها. وإن كانت الثيب بالغةً عاقلة فإنها تُخطب من نفسها، لما رواه مسلم عن أم سلمة قالت: "لما مات أبو سلمة, أرسل إليَّ النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حاطب بن بلتعة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، يخطبني له".
ووجه الدلالة من الحديث هو: أن الثيب البالغة العاقلة تُخطب من نفسها، لأنها أحق بنفسها من غيرها.