٢.١ مشروعية النكاح


أدلة مشروعية الزواج
الزواج مشروع بالكتاب، والسُّنة، والإجماع:
أما الكتاب: فقوله تعالى: ((فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ)) [النساء: ٣]، وقوله تعالى: ((وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ)) [النور: ٣٢].

٢.١ مشروعية النكاح


حكمة مشروعية الزواج
إن الأغراض التي من أجلها شُرع الزواج في الإسلام كثيرة ومتعددة.
فلقد رغَّبَنَا الإسلامُ في النكاح، وحبّبنا فيه على النحو الذي عَلِمْنَاهُ من خلال الكتاب والسنة، لِمَا في النكاح من آثار نافعة على النوع الإنساني عامّة، وعلى الفرد نفسه، وعلى الأمّة أجمع, وللحِكم الشرعية الآتية:

الحكمة الأولى
لا تستمرُّ الحياةُ البشريةُ إلا مع المحافظة على الإنسان التي اعتنى بها الإسلام عناية فائقة. والزواج الشرعي هو: أحسن وسيلة لإنجاب الأولاد، وتكثير النسل، امتثالًا لقوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((تزوَّجوا الولود الودود؛ فإنِّي مُكاثر بكم الأمَمَ يوم القيامة)). وعند ابن ماجه من حديث عمران بن حصين، قال: قال -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((إن الله يحب الفقير المتعفّف أبا العيال)).
وقال بعض السلف الصالح: "إنَّ من الذنوب ذنوبًا لا يكفِّرها إلا الغمّ والعيال". وفي ذلك يقول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((إن من الذنوب ذنوبًا لا يكفّرها إلا الهَمّ بطلب المعيشة)).

٢.١ مشروعية النكاح


وقد يشوب الزوجية بعض المتاعب بسبب الأولاد وأعباء الحياة الزوجية، ولكنَّ الزوج يشعر مع هذا كلِّه بالسعادة والطمأنينة وإشباع النفس، في حين أنَّ غير المتزوج غالبًا يشعر بفراغ في حياته.
ودلّت الإحصائيات التي قام بها أحد الباحثين على: أنّ عدد الذين يدخلون المستشفيات العقلية نسبتهم عادة أربعة من غير المتزوجين إلى واحد من المتزوجين. كما أن حوادث الانتحار بين غير المتزوجين أكثر منها بين المتزوجين. وأن المتزوجين يتَّصفون عادة بالاتزان العقلي والخلقي، وحياتهم هادئة، ولا يشوبها الشذوذ والسوداء اللذان يتَّصف بهما عددٌ كثيرٌ من غير المتزوجين.
وتوصَّلت الأبحاث العلمية إلى: أن النساء المتزوِّجات مع ما يعانينه من متاعب الولادة والأمومة ومشاكل الحياة الزوجية والمنزل، غالبًا ما يعمّرن أطولَ من زميلاتهن اللاتي يقضين حياتهن عانسات.
وأقول: إنّ ما توصلت إليه الأبحاث قد سبقهم فيه القرآن الكريم, حيث يقول ربنا -جل جلاله-: ((لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا)) [الأعراف: ١٨٩]، ويقول كذلك: ((لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا)) [الروم: ٢١].
فالسَّكَن بين الزوجين كافٍ -بإذن الله- في حمايتهما من الأمراض، وخصوصًا العقلية منها. وفي هذا يقول حجّة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي -يرحمه الله-: "وفي التوصل إلى الولد: قُربة من أربعة وجوه هي: الأصل في الترغيب في النكاح:

٢.١ مشروعية النكاح


الأول: موافقة محبة الله -عَزَّ وَجَلَّ- في تحصيل الولد لإبقاء جنس الإنسان.
الثاني: طلب محبة رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في تكفيل من به مباهاته.
الثالث: طلب التبرك بدعاء الولد الصالح بعده.
الرابع: طلب الشفاعة بموت الولد الصغير إذا مات قبله". انتهى كلام الإمام أبي حامد الغزالي.

الحكمة الثانية
مِن حِكم مشروعية الزواج في الإسلام: أنّ النكاح المشروع أحسن وسيلة لإشباع الغريزة الجنسية التي هي من أقوى الغرائز وأعنفها؛ فإذا ما سكنت سكنت النفس عن الصراع، وكفَّ النظر عن محارم الله، واطمأنت العاطفة إلى ما أحلَّ الله؛ وإلى هذا كله يشير ربنا -جلّ جلاله- قائلًا: ((وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً)) [الروم: ٢١]. كما يقول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فيما يرويه مسلم من حديث أبي هريرة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: ((إنَّ المرأة تُقبل في صورة شيطان وتُدْبر في صورة شيطان، فإذا رأى أحدُكم من امرأة ما يُعجبه فلْيأْتِ أهلَه؛ فإن ذلك يَرُدُّ ما في نفسه)).


٢.١ مشروعية النكاح


الحكمة الثالثة
التحصُّن عن الشيطان، وكسر التوَقان، ودفع غوائل الشهوة، وغضّ البصر، وحفظ الفرج؛ يرشدنا إلى هذا: رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فيقول: ((مَن نَكَحَ فقد حصَّن نصْفَ دِينِه؛ فلْيتَّق الله في الشِّق الآخَر)).

الحكمة الرابعة
الترويح عن النفس، وإيناسها بالمجالسة والنظر والملاعبة، ممّا يكون سببًا في إراحة القلب وتفريغه للعبادة. فالنفس البشرية مِن طبْعها الملل والنفور عن الحق لأنه على خلاف طبعها، فلو كُلِّفت المداومة بالإكراه على ما يخالفها جمَحت ونفَرتْ، وإذا رُوِّحت باللذات في بعض الأوقات قوِيَتْ ونشطت. وفي الاستئناس بالنساء من الاستراحة ما يريح القلب، ويزيل الكرب.
وينبغي أن يكون لنفوس المتَّقين استراحات بالمباحات؛ لذلك يقول الحق -عَزَّ وَجَلَّ-: ((هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا)) [الأعراف: ١٨٩]. ويقول الإمام علي بن أبي طالب -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "رَوِّحُوا القلوب ساعة؛ فإنها إذا أُكْرِهَت عَمِيَتْ".


٢.١ مشروعية النكاح


الحكمة الخامسة
تفريغ القلب عن تدبير المنزل، والتكلف لشغل الطبخ والكنس، وتنظيف الأواني وتهيئة أسباب المعيشة. فالرجل لو تكفَّل بجميع أعمال المنزل لضاع أكثر أوقاته، ولم يتفرغ للعلم والعمل. فالمرأة الصالحة المصلحة للمنزل عوْن على الدِّين بهذه الطريقة. وأخرج الترمذي وحسَّنه عن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: ((لِيتَّخذ أحدُكم قلبًا شاكرًا، ولسانًا ذاكرًا، وزوجة مؤمنة تُعينه على الآخرة)).


الحكمة السادسة
مجاهدة النفس بالقيام على حقوق الزوجية، والصبر على أخلاقها، وتحمّل الأذى منها، والعمل على إصلاحها وإرشادها إلى طريق الله المستقيم، والاجتهاد في تحرِّي كسب الحلال لأجلها، والقيام بتربية الأبناء...
كل هذه حِكَم سامية، وأعمال عظيمة؛ لأنه لا يدخل من اشتغل بإصلاح نفسه فقط مع من اشتغل بإصلاح نفسه وغيره. وفي الحديث المتفق عليه يقول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((ما أنفقه الرجل على أهله فهو صدَقة، وإنَّ الرَّجلَ ليؤجَر في اللقمة يرفعها إلى امرأته)).