١.١ تعريف النكاح، بيان حكمه


تعريف النكاح

تعريف "فقه الأسرة"

نوضِّح أولًا معنى كلمة "الفقه" في اللغة, وفي الاصطلاح.
فـ"الفقه" في اللغة: مطلق الفَهم.
وفي الاصطلاح: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسَبة من أدلَّتها التفصيلية.

وأما كلمة "الأسرة" فهي:
في لغة العرب يُقصد بها: الدّرع التي يلبسها المحارِب عند دخوله المعركةَ لكي تَقِيَه وتحمِيَه من السهام.
و"الأسرة" في الاصطلاح: ما يحيط بالإنسان من أهله وأقاربه الذين يتقوَّى بهم.

١.١ تعريف النكاح، بيان حكمه


فقه الأسرة:
والإسلام بتشريعه السمح تناول الأحكام الشرعية التي تنظِّم علاقة الأسرة في حال إنشائها عن طريق عقد الزواج، وكذلك في حال إنهائها عن طريق الطلاق.
ونحن -بتوفيق الله تعالى- سنتناول هذه الأحكام بالشرح والتوضيح، سائلين الله -عَزَّ وَجَلَّ-: أن يلهمنا الصواب، وأن يجنِّبنا الزلل.

فنقول وبالله التوفيق:
تعريف عقد النكاح
"العقد" في اللغة يطلق على عِدَّةِ معانٍ يجمعها كلها معنى: الربط، والشد، والتوثيق. وهذا يُستعمل في الحسي والمعنوي. فالحسي مثل: عقد الحبل وربْطه. والمعنوي يُستعمل في ذلك كلّه: الربط والشد؛ فيطلق العقد على: الضمان والعهد.

١.١ تعريف النكاح، بيان حكمه


تعريف "الزواج"
تعريف "الزواج" في اللغة:
"الزواج": اقتران أحد الشيئين بالآخر، ومخالطته له, وارتباطه به؛ قال الله تعالى: ((وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُور...)) [الدخان: ٥٤]، أي: قَرَنَّاهم بهنّ. والرجل زوج المرأة، وهي: زوجُه أيضًا. وهذه هي اللغة العالية التي جاء بها القرآن الكريم؛ قال تعالى: ((وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ)) [البقرة: ٣٥].
ثم زاد استعمال كلمة "الزواج" واشتهر في: اقتران الرجل بالمرأة على سبيل الدوام والاستمرار؛ فهو زواج بالطريق المشروع بقصد تكوين الأسرة؛ بحيث إذا أطلقت كلمة "الزواج" فلا يقصد منها إلا هذا المعنى، ولا تنصرف إلى غيره أبدًا.

١.١ تعريف النكاح، بيان حكمه


حكم الزواج التكليفي
قبل أن نوضِّح حكمه, يجب علينا أن نذكر تمهيدًا للكلام عن حكم الزواج التكليفي، فنقول:
يختلف الناس من حيث حاجة كلٍّ منهم إلى الزواج, تبعًا لظروفهم المالية، وطبائعهم الجنسية:
فمن الناس من يكون قادرًا على مؤونة النكاح المالية، وعنده القدرة الجنسية والتوَقان الشديد إلى النساء.
ومنهم الفقير المعدم الذي لا يستطيع الزواج، لعدم مقدرته على تكاليفه، ولا على الإنفاق على الزوجة؛ لكنه مريض بحب النكاح.
ومنهم المعتدل من حيث الشهوة الجنسية, بحيث يأمن على نفسه من الوقوع في الزنى إن لم يتزوج؛ وهذا قد يكون قادرًا على مؤونة النكاح، وقد يكون غير قادر عليها.
ومن الناس من هو ضعيف الشهوة الجنسية, بحيث يستطيع أن يعيش بدون زواج؛ لكنه موسر كثير المال.
من أجل ذلك, كان لكل حالة من هذه الحالات حكم يخصّها. فما أيسرَ الشريعة الإسلامية! وما أوسع باعها في الحرص على مصالح العباد، والسعي لإيجاد حياة كريمة مشروعة لكل منهم!

١.١ تعريف النكاح، بيان حكمه


مذاهب الفقهاء في حكم الزواج

أولًا: يكون فرضًا أو واجبًا
ذهب جمهور الفقهاء إلى: أن الزواج يكون فرضًا: إذا كان الشخص شديد الغلمة إلى النساء، وشهوته مفرطة؛ بحيث يعلم ويتأكد أنه سيقع في الزنى إن لم يتزوج, ويحصِّنْ نفسه بحليلة. وتتأكد الفرضية إذا كان الرجل عنده القدرة المالية على الزواج.
أما إذا كان الشخص على مقدرته المالية التي ذكرت في هذه الحالة، لكنه غير متأكِّد من الوقوع في الزنى بحيث يخشى ذلك أو يظنه، لعدم شهوته المفرطة:
فقد ذهب الحنفية إلى: أن الزواج في هذه الحالة يكون واجبًا.
ويستدل على فرضية الزواج أو وجوبه بما رُوي عن عكاف بن وداعة: أنه أتى النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقال له: ((ألك زوجة يا عكاف؟))، قال: "لا". قال: ((ولا جارية؟))، قال: "لا". قال: ((وأنت صحيح موسر؟)) قال: "نعم، والحمد الله". فقال: ((فأنت إذًا من إخوان الشياطين؛ إن كنت من رهبان النصارى فالْحَقْ بهم، وإن كنت منَّا فَاصْنَعْ كَمَا نَصْنَعُ؛ فَإِنَّ مِنْ سُنَّتِنَا: النِّكَاحَ. شِرَارُكُمْ عُزَّابُكُمْ، وَأَرَاذِلُ مَوْتَاكُمْ عُزَّابُكُمْ)).

١.١ تعريف النكاح، بيان حكمه


وللشافعية رأي يقول: إنه يكون مستحبًّا فقط.

ثانياً: يكون مستحبًّا
وذلك حال اعتدال الشهوة والميل إلى النساء، بحيث يأمن على نفسه من عدم الوقوع في الزنى إن لم يتزوج.
وعند الحنفية يكون سُنَّة مؤكَّدة في هذه الحالة، على الأصحِّ عندهم.

ثالثًا: يكون حرامًا
يحرم على الشخص أن يتزوج: إذا كان يعلم ويتأكد أنه سيظلم زوجته ماديًّا أو معنويًّا. فمن الناحية المادية: أن يكون فقيرًا معدمًا؛ فهذا يخشى على زوجته أن تبيع نفسها لأهل الهوى كي تكفي نفسها بنفقتها. ومن الناحية المعنوية أن يكون الرجل لا شهوة له، ولا ميل عنده للنساء لمرض، أو كِبَر، أو ضعف؛ بحيث لا يستطيع الجماع وإعفاف زوجته؛ فهذا يُخشى عليه أن تنحرف زوجته لإشباع غريزتها الجنسية فتقع في الحرام؛ لذلك فإن الزواج يكون في هذا حرامًا.


١.١ تعريف النكاح، بيان حكمه


رابعًا: يكون مكروهًا
يُكره للشخص أن يتزوج: إذا كان يظن من غير تأكيد أنه سيظلم زوجته بأي نوع من أنواع الظلم المادية أو المعنوية التي ذكرناها.

خامسًا: يكون الزواج مباحًا في غير الحالات السابقة
بأن كان لا يقع الشخص في الزنى إن لم يتزوج لا تأكيدًا ولا ظنًّا، ولا يتأتى منه ظلم للزوجة إن تزوَّج لا تأكيدًا ولا ظنًّا.
ففي غير هذه الحالات -الوجوب، والندب، والتحريم، والكراهة- يكون الزواج مباحًا للشخص أن يفعله دون إلزام، وله أن يتركه دون تحريم.