٥.١ الصيغة في عقد النكاح: لا تكون إلا مُنَجَّزَةً


الصيغة في عقد النكاح
الأصل والشرط في عقد الزواج أن يكون منجَّزًا، وأن تكون صيغته من الألفاظ الدالة على إنشاء العقد في الحال. وهذا قدر متفق عليه بين جماهير أهل العلم، لا خلاف فيه لأحد.
لكن قد تقترن صيغة العقد بشيء يُبطلها كإضافتها إلى زمن مستقبلٍ، أو تعليقها على شيء غير موجود وقت العقد، أو اقترانها بشرط كتأقيتٍ أو غيره... وكلّ هذه العقود باطلة لا ينعقد بها زواج أبدًا.

وإليك عزيزي الطالب الكلام عن كل منها بشيء من الإيضاح.

أولًا: العقد المضاف إلى زمن المستقبل
قد يوجب أحد العاقدين بزواج أو تزويج مضيفًا إيجابه إلى زمن المستقبل، كأن يقول الخاطب: "تزوجتُ يا فلان ابنتك فلانة الشهر القادم"، أو يقول الولي للخاطب: "زوجتك أختي أو ابنتي في فصل الربيع"، وما إلى ذلك. ومثل هذا العقد لا ينعقد أبدًا، لا في وقت التلفظ بالإيجاب والقبول، ولا في الزمن الذي أضيف إليه؛ وذلك باتفاق جمهور الفقهاء.

٥.١ الصيغة في عقد النكاح: لا تكون إلا مُنَجَّزَةً


والسبب في ذلك: أن الإضافة تتنافى مع عقد الزواج وأحكامه وآثاره؛ لأن عقد الزواج تترتب عليه أحكامه وآثاره في الحال، فيفيد حل الاستمتاع عقب التلفظ بالصيغة، وإضافته إلى زمن المستقبل منافية لهذا الحكم، والشيء لا يوجد ولا يتحقق مع وجود ما ينافيه.

ثانيًا: العقد معلَّق على شرط
قد تكون صيغة العقد غيرَ مضافةٍ إلى زمن المستقبل، لكن يكون الإيجاب والقبول أو كلاهما معلقًا على حصول شيء آخَر في المستقبل لأداة من أدوات التعليق كـ"إن" و"إلى".
والتعليق نوعان: صوريّ، وحقيقي.

التعليق الصوري
هو: أن يكون الشيء المعلَّق عليه العقد موجوداً وقت العقد بالفعل، مثل: أن يقول وليّ المرأة لمن جاء يخطبها: "زوجتك ابنتي إن كنتَ نجحتَ في امتحان هذا العام"، ويكون الحال أنه قد نجح فعلًا. أو يقول الخاطب لوليِّ المرأة: "تزوجت موكِّلتك إن كانت بكرًا"، والحال أنها بكر حقيقةً.

٥.١ الصيغة في عقد النكاح: لا تكون إلا مُنَجَّزَةً


فهذا التعليق ينعقد معه العقد، ويكون منجزًا. وسبب صحة هذا العقد وانعقاده منجزًا: أن التعليق هنا لا ضير منه؛ إذ لا يترتَّب عليه شيء من منع صحة العقد، أو إرجائه إلى زمن المستقبل. أما تسميته معلقًا فمن حيث الصورة والتلفظ، لا من حيث الحقيقة والواقع.

التعليق الحقيقي
هو أن يكون على أمر غير موجود أصلًا وقت العقد، كقول الخاطب لوليّ المرأة: "أتزوج موكلتك إن جاء أبي من سفره"، والحال أن الأب لم يحضر من سفره حتى وقت التكلم. أو قول الولي: "أزوجك موكلتي إن قمت لي ببناء هذا البيت"، وهو لم يقم ببنائه للولي حتى وقت الاشتراط.
والتعليق الحقيقي مانع من صحة العقد، ولا ينعقد معه العقد أبدًا؛ لأن المعلق على غير الموجود لا يكون موجودًا كذلك.

ثالثًا: العقد المقترن بشرط
قد تكون صيغة العقد منجزة غير مضافة إلى زمن المستقبل، ولا معلّقة على شرط، لكن اقترن بها شرط زائد اشترطه أحد العاقدين لتحقيق مصلحة له أو لغيره. وهذا العقد يسمَّى: عقدًا مقترنًا بشرط.
والشروط التي يقترن بها العقد قد تكون صحيحة وقد تكون غير صحيحة.

٥.١ الصيغة في عقد النكاح: لا تكون إلا مُنَجَّزَةً


الشروط الصحيحة التي يصح اقتران العقد بها، وحكم العقد المقترن بها
الشروط التي يقتضيها العقد بطبيعته:
مثل: أن يكون الشرط حكمًا من أحكام عقد الزواج أو أثرًا من آثاره. مثل: أن تشترط الزوجة على زوجها أن ينفق عليها، أو أن يعدل بينها وبين ضرتها في القَسْمِ، أو يشترط الزوج عليها أن يكون من حقه أن يطلقها، فهذه الشروط لا تضر، ويصح العقد معها.
الشروط التي تلائم العقد، وتؤكِّد ما يقتضيه:
مثل: أن يشترط الزوج على الزوجة أن يدفع لها المهر بعد عام أو بعد الدخول، فتطلب الزوجة ضامنًا لذلك. فهذا الشرط: طَلَبُ ضامنٍ: ليس من مقتضى العقد. أي: ليس حكمًا من أحكامه، ولا أثرًا من آثاره، لكن من حق المرأة أن تشترط تأكيدًا لضمان حقها, وهذا لا يضر.
الشروط التي ورد بجوازها الشرط:
مثل: أن تشترط الزوجة على زوجها: أن يكون أمرها بيدها، أو يشترط الزوج عليها ألا تخرج من البيت إلا بإذنه.

٥.١ الصيغة في عقد النكاح: لا تكون إلا مُنَجَّزَةً


الشروط التي جرى بها العرف:
هي: التي تكون قد اصطلح عليها أهل البلدة من غير أن تكون منافيةً لصحة عقد الزواج، أو مخالفةً لقواعد الشرع وأحكامه، مثل: أن تشترط الزوجة على زوجها أن يدفع لها المهر معجلًا، أو نصفه معجلًا ونصفه مؤجلًا، أو تشترط على الزوج أن يسكنها في بيت وحدها, أو ألا تسكن مع أهله.

حكم العقد المقترن بشرط صحيح
وحكم العقد المقترن بشرط صحيح من هذه الشروط السابقة: أنه ينعقد منجزًا صحيحًا, شأنه شأن أي عقد لم يقترن به شرط.

الشروط غير الصحيحة, وحكم العقد المقترن بها
قد يقترن العقد بشرط غير صحيح:
بأن يكون الشرط لا يقتضيه عقد الزواج ولا يلائمه، ولا مما ورد بجوازه الشرع أو جرى به عرف بلدة المتعاقدين، كأن يتزوج رجل بامرأة ويشترط عليها ألا ينفق عليها، أو أن تنفق هي على البيت, أو يشترط عليها ألا مهر لها، أو تشترط عليه أن يطلق زوجته التي...

٥.١ الصيغة في عقد النكاح: لا تكون إلا مُنَجَّزَةً


...في عصمته، أو تشترط عليه ألا يتزوج عليها، فكل هذه الشروط باطلة.
حكم العقد المقترن بشرط غير صحيح:
حكم العقد المقترن بشرط غير صحيح كالمقترن بشرط صحيح من حيث صحة انعقاده كالمنجَّزِ, مستتبعًا أحكامه وآثاره طالما كان مستوفيًا جميع أركانه وشروطه؛ لأنه لا أثر للشروط الفاسدة على صحة عقد الزواج، طالما كان الفساد بعيدًا عن الأركان والشروط.
حكم الشرط غير الصحيح:
أما الشرط نفسه، فلا يجب الوفاء به طالما كان مخالفًا للشرع أو العرف، ولا شيء على الملتزم به؛ وهذا هو الأصل عند الأحناف والمالكية: أن العقد يصحّ، ويُلغى الشرط الفاسد. ودليل ذلك: قوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل, وإن كان مائة شرط))، وقوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((والمسلمون على شروطهم, إلا شرطًا حرَّم حلالًا، أو أحلَّ حرامًا)).