١.١ معنى "الزكاة"، أدلة وجوبها، وعلى من تجب


معنى "الزكاة" لغةً وشرعًا
معنى "الزكاة"


لغةً

"الزكاة" من: الزَّكاء والنَّماء والزيادة. سُمِّيت بذلك لأنها تُثمر المال وتنَمِّيه. يقال: "زكَا الزرعُ": إذا كثر ريعه، و"زكَتِ النفقةُ": إذا بورك فيها.

شرعًا

التعبُّد إلى الله تعالى بإخراج جزء واجب شرعًا، فى مالٍ معيَّن، لطائفة مخصوصة. أو يقال فيها أيضًا: أداءُ حقٍّ واجب، فى مالٍ خاصٍّ، لطائفة مخصوصة، فى وقت مخصوصٍ امتثالًا.


١.١ معنى "الزكاة"، أدلة وجوبها، وعلى من تجب


أدلة وجوبها من الكتاب والسُّنَّة

الزكاة: أحد أركان الإسلام الخمسة، وحُكمها: الوجوب. وهي واجبة بكتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وإجماع الأمَّة.

الكتاب

فقول الله تعالى في آيات عديدة: (( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)).

السُّنة

فإنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- بعث معاذَ بن جبل إلى اليمن, وقال فيما قال له: (( أعْلِمْهم أنَّ الله افترض عليهم صدقةً تُؤخَذ من أغنيائهم فتُرَّدُّ في فقرائهم )) ، متفق عليه.


١.١ معنى "الزكاة"، أدلة وجوبها، وعلى من تجب


الإجماع

أجمع المسلمون أيضًا في جميع الآثار على وجوبها، واتّفق الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- على قتال مانِعيها، كما فى "صحيح" البخاري وغيره...
مَن أنكر وجوب الزكاة جهلًا بحكمها، وكان فى الواقع ممَّن يجهل ذلك لحداثة عهده بالإسلام، أو لأنه نشأ ببادية نائية عن الأمصار والعمران، عُرِّف وجوبها ولم يُحكَم بكُفره لأنه معذور. وإن كان مسلمًا ناشئًا ببلاد الإسلام بين أهل العلم، فهو مرتدٌّ تَجري عليه أحكام المرتدين، ويُستتاب ثلاثًا، فإن تاب وإلا قُتل؛ لأنَّ أدلة وجوب الزكاة -كما رأينا- ظاهرة في الكتاب الكريم والسنة النبوية وإجماع الأمّة؛ فلا تكاد تخفى على أحد ممن هذه حاله. أمَّا إذا جحدها فلا يكون إلّا لتكذيبه الكتاب والسنة وكُفره بهما.
ومن مَنع أداء الزكاة وهو يعتقد وجوبَها، وقدَر الإمام على أخذها منها أخذها منه، وعزّره، أي: عاقبه عقوبة تقديرية كما يراها، ولم يأخذ زيادة عليها، أي: على القدر الواجب منها، في قول أكثر أهل العلم، منهم: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأصحابهم -رضوان الله عليهم أجمعين-.

١.١ معنى "الزكاة"، أدلة وجوبها، وعلى من تجب


على من تجب

الأمور المتفقة فيها الفقهاء

اتفق الفقهاء على:
أن الزكاة تجب على كل مسلم حُرٍّ بالغ عاقل، مالِك النِّصاب ملكًا تامًّا، حالَ عليه الحول الهجري القمرى.
فالإسلام لأنه شَرْط كلِّ عبادة.
والحرية لأنَّ العبد لا يملك، وما بيده لسيِّده.
والبلوغ لأنه مناط التكليف، ولقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (( رُفع القلم عن ثلاثة )) ومنها: (( الصغير حتى يبلغ )) .
والعقل لأنه آلة الإدراك والفهم، وبه تُفهم أوامر الشرع، ويحصل القصد فى امتثال المكلَّف، ولحديث (( وعن المجنون حتى يَعقل )) .
وملك النصاب معتبر بناءً على حكمة الشارع فى ذلك، مراعاةً لحق الفقير فى حق الغنيِّ من وجْه، ولاعتبار عدم إلحاق الضرر بأصحاب الأموال التي لم تصل إلى النصاب الذى به يحصل تمام النعمة.

١.١ معنى "الزكاة"، أدلة وجوبها، وعلى من تجب


الأمور المختلفة فيها الفقهاء

واختلفوا فى وجوبها على:

اليتيم والمجنون

وسبب الاختلاف: الاختلاف فى مفهوم الزكاة الشرعية، هل هي عبادة مثل الصلاة والصيام، فيُشترط لها التكليف؟ أم أنها حق واجب فى المال تجب على مَن مَلك القدْر المحدَّد شرعًا، بغض النظر عن كونه مُكلفًا أو لا؟


١.١ معنى "الزكاة"، أدلة وجوبها، وعلى من تجب


ذهب فريق من العلماء إلى القول بوجوب الزكاة في أموال اليتامى حتى ولو لم يصلوا سن البلوغ؛ وبهذا القول قال علي، وابن عمر، وجابر، وعائشة. وهؤلاء من الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين-. وقال بهذا القول من الأئمة الفقهاء: مالك، والشافعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وغيرهم من فقهاء الأمصار...
إذًا نستطيع أن نقول: إن القول بوجوب الزكاة في أموال الصغار هو: قول جمهور العلماء، وكثير غيرهم من فقهاء الأمصار. وهذا هو الرأي الراجح؛ لأن الزكاة -كما نعلم- حق للفقراء والمساكين. فكيف يكون هذا الصغير مالكاً للنصاب وذا مقدرة مالية واسعة، ويضيع حق الفقراء، أو وليُّه يُضيع حق الفقراء؟


١.١ معنى "الزكاة"، أدلة وجوبها، وعلى من تجب


العبيد والمكاتبون

وسبب الاختلاف أنه هل يملك العبد ملكًا تامًّا؟ أم أنَّ ما بيده من أموال ملْك لسيِّده؟ ولأنه هو وماله ملك لسيده؟ ففى ذلك ثلاثة أقوال:
فذهب الثوري وإسحاق وأصحاب الرأي وأحمد فى رواية إلى: وجوبها على السَّيِّد دون العبد.
وذهب الظاهرية وغيرهم إلى: وجوبها فى مالِه على نفسه.
وذهب الجمهور ومنهم أحمد والشافعي ومالك وغيرهم إلى: أنه لا زكاة على العبد مطلقًا, لا عليه فى ماله ولا على سيده عنه.

١.١ معنى "الزكاة"، أدلة وجوبها، وعلى من تجب


أهل الذِّمّة

هم الذين يجب على إمام المسلمين أو نائبه أو حاكم المسلمين عمَلُ عقد الذمة معهم -أي: تركهم على كفرهم لا إقرارًا لهم إذا أبَوا اعتناق الإسلام بالاختيار، والإقامة بديار المسلمين- عقوبةً شرعية لهم، وحقنًا لدمائهم، بشرط بذل الجزية والتزام أحكام الملَّة الإسلامية.
سبب الاختلاف فى ذلك: أنَّ ما روي عن عمر -رضى الله عنه- فى مضاعفة ما على المسلمين من الزكاة وأخذه مضاعفًا من نصارى بنى تغلب بدلًا من الجزية, هل هو زكاة بالمعنى الشرعي، أم أنه جزية؟ وإن سُميت بـ"ضِعف ما على المسلمين من زكاة". فذهب أهل الحجاز وأهل العراق وفقهاء الحديث إلى: أن ذلك زكاة. وذهب الشافعي إلى: أن المأخوذ منهم جزية ولو كان باسم الصدقة.

١.١ معنى "الزكاة"، أدلة وجوبها، وعلى من تجب


المالِك المَدين

هل المالكون الذين عليهم الدُّيون التي تستغرق أموالهم أو تستغرق ما تجب فيه الزكاة من أموالهم، وبأيدهم أموال تجب فيها الزكاة، هل تجب عليهم الزكاة أم لا؟ والسبب فى الاختلاف: هل الزكاة عبادة؟ أم حق مرتب فى المال للمساكين؟ ففى ذلك أقوال:
الدَّيْن لا يمنع الزكاة مطلقًا؛ وعليه الشافعي فى الجديد.
الدَّيْن يمنع الزكاة فى الأموال الباطنة وهي العروض والأثمان دون الظاهرة كالمواشى والحبوب؛ وعليه مالك والليث، والثوري وأصحاب الرأي وغيرهم...
الدَّيْن يمنع الزكاة مطلقًا؛ لأن الزكاة مواساة للفقراء والمساكين، وتجب على الغني، ولأن صاحب النصاب عليه دَيْن فحاجته مقدَّمة؛ وعليه الثوري وأبو ثور والحنابلة.
وقال أبو حنيفة: الدَّيْن يمنع الزكاة إلّا فى الزروع؛ لأن الزكاة فيه مقابل النماء والمؤونة.