١.١٠ رفع اليدين، ووضع اليمنى على اليسرى، والركوع والاعتدال


رفع اليدين في الصلاة

أركان الصلاة – الأفعال:
عقد ابن رشد لها الفصل الثاني من باب الأركان، وخصّ الفصل الأول بما يتعلّق بالأقوال، واشتمل على تسْع مسائل، وخصّ الفصل الثاني بالأفعال، وقسّمه إلى ثماني مسائل وهي على النحو التالي:
المسألة الأولى: رفع اليدين في الصلاة:
يذكر ابن رشد: أن العلماء اختلفوا في ذلك في ثلاثة مواضع -يعني: لم يتّفقوا على أنّ رفْع اليديْن ركنًا أو أنه سُنّة، وإنما اختلفوا في ثلاثة مواضع-.
الموضع الأول: هل هو فرْض فيكون ركنًا من أركان الصلاة؟ أم هو سُنّة؟ وهل هو واجب في بعض التكبيرات، وليس واجبًا في البعض الآخر؟ هذا ما يذكره ابن رشد تحت هذه الفقرة.
الموضع الثاني: هل عند تكبيرة الإحرام؟ هل عند تكبيرات الانتقال في الركوع والسجود، أو في بعض ذلك؟
الموضع الثالث: إلى أين ينتهي رفْعُهما؟ إلى الأذنيْن، أو إلى المنكبيْن، أو إلى الصدر؟
قال ابن رشد في هذه المواضع الثلاثة التي اختلف فيها الفقهاء.

١.١٠ رفع اليدين، ووضع اليمنى على اليسرى، والركوع والاعتدال


حُكم رفْع اليديْن:
يقول: أمّا الحُكم، فذهب الجمهور إلى: أنه سُنّة في الصلاة -أي: رفْع اليديْن-. وذهب داود وجماعة من أصحابه إلى أنّ ذلك -أي: رفْع اليديْن- فرْض. وهؤلاء الذين قالوا: إنه فرْض، انقسموا أقسامًا؛ فمنهم من أوجب ذلك -أي: الرفع- في تكبيرة الإحرام فقط، -وتكبيرة الإحرام كما سبق أن ذكرنا هي: أوّل تكبيرة من تكبيرات الصلاة، وهي المقترنة بنيّة الدخول في الصلاة-.
ومنهم من أوجب ذلك في الاستفتاح، وعند الركوع.
يقول ابن رشد: أعني عند الانحطاط فيه -أي: الهويّ إليه- وعند الارتفاع منه. ومنهم من أوجب ذلك في هذيْن الموضعيْن، وعند السجود؛ وذلك بحسب اختلافهم في المواضع التي يرفع فيها.
إذًا، خلاصة هذا:
أنّ الجمهور يرَوْن: أنّ رفْع اليديْن عند التكبير سُنّة وليس فرضًا.
أمّا الظاهرية ومَن معهم فيرونه: فرضًا، ثم ينقسمون في ذلك إلى ثلاثة أقسام:

١.١٠ رفع اليدين، ووضع اليمنى على اليسرى، والركوع والاعتدال


الأول: من قال بوجوبه في تكبيرة الإحرام فقط.
الثاني: من أوجبه في التكبيرة وعند الركوع.
الثالث: من أضاف إلى ذلك السجود.
ثانيًا: المواضع التي تُرفع فيها اليدان
يقول ابن رشد في هذه الجزئية:
ذهب أهل الكوفة -يعني: أبو حنيفة- وسفيان الثوري، وسائر فقهاء الرأي، إلى: أنه لا يرفع المصلِّي يديْه إلَّا عند تكبيرة الإحرام فقط؛ وهي رواية ابن القاسم عن مالك. وذهب الشافعي، وأحمد، وأبو عبيد، وأبو ثور، وجمهور أهل الحديث، وأهل الظاهر، إلى: الرفع عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع من الركوع.
وهو مروي أيضًا عن الإمام مالك -إذًا الإمام مالك عنده روايتان: رواية يوافق فيها الحنفية، وهي: أنّ الرفع عند تكبيرة الإحرام فقط، ورواية يوافق فيها الشافعية والحنابلة، وهي: أن التكبير عند الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع من الركوع- إلَّا أنه عند بعض أولئك -يعني: المذكورين- عند بعضهم فرْض، ولكنه عند مالك سُنّة. وذهب بعض أهل الحديث إلى رفْع اليديْن أيضًا عند السجود، وعند الرفع منه.

١.١٠ رفع اليدين، ووضع اليمنى على اليسرى، والركوع والاعتدال


ثالثًا: الحدّ الذي تُرفع إليه اليدان، أو إلى أين ينتهي الرّفع؟:
أمّا عن الحدّ الذي تُرفع إليه اليدان، هل ترفع إلى المنكبيْن؟ أو تُرفع إلى الأذنيْن؟ أو ترفع إلى الصدر؟.
يقول ابن رشد، ويحكي اختلاف العلماء في ذلك: ذهب بعضهم إلى: أنه المنكبان -يعني: الحدّ- وهذا رواه الجماعة، وبه قال مالك والشافعي، وأحمد في الرواية المشهورة عنه، وجماعة.
وذهب بعضهم إلى: رفعهما إلى الأذنيْن؛ وقد رواه الجماعة إلَّا الترمذي، وبه قال أبو حنيفة. وذهب بعضهم إلى: رفعهما إلى الصدر؛ وقد رواه أبو داود.
وكل ذلك مرويّ عن النبي إلَّا أنّ أثبت ما في ذلك: أنه كان يرفعهما حذْو منكبيْه، وعليه الجمهور، والرفع إلى الأذنين أثبت من الرفع إلى الصدر وأشهر.

١.١٠ رفع اليدين، ووضع اليمنى على اليسرى، والركوع والاعتدال


إذًا، الترتيب يكون على النحو التالي:
١. رفع اليديْن إلى المنكبيْن عند التكبيرات هو رأي جمهور العلماء، وهو أثبت من الأذنيْن والصدر.
٢. الرفع إلى الأذنيْن، وهذا أثبت من الصدر.
٣. الحدّ الأدنى في رفع اليديْن عند التكبير هو: رفعهما إلى الصدر.
إذًا، ما العمل إذا نسي رفْع اليديْن حتى فرغ من التكبير؟
قال: لا يرفعهما؛ لأنه سُنّة فات محلّها.
ما العمل إن ذكَر أنه لم يرفع يديْه في أثناء التكبير؟
يرفعهما؛ لأن المحلّ باقٍ. فإن لم يمكنه رفْع يديْه إلى المنكبيْن، رفَعهما قدْر ما يمكنه -يعني: مطلق الرّفع أوْلى من عدم الرفع-. فلو رفعهما ولو يسيرًا إلى الصّدر أو قريبًا من المنكبيْن لا إلى الأذنيْن فذلك مقبول؛ لأن المحل باقٍ. فإن لم يُمكنه رفْع اليديْن إلى المنكبيْن، رفعهما قدْر ما يمكنه.

١.١٠ رفع اليدين، ووضع اليمنى على اليسرى، والركوع والاعتدال


وإن أمكنه رفع إحداهما دون الأخرى رفعَها، لقول النبي : (إذا أمَرْتُكم بأمْر فأْتوا منه ما استطعتُم). وإن لم يُمكنه رفْعهما إلا بالزيادة على المسنون رفعهما؛ لأنه يأتي بالسّنّة وزيادة مغلوب عليها. وقول الشافعي كقولنا في هذا الفصل جميعه.
ثم يقول ابن قدامة: وإن كانت يداه في ثوبه، رفعهما بحيث يمكن -أي: إن كانت العباءة تغطي اليديْن وليس لها فتحتان تخرج منهما اليدان، فهذا المصلِّي رغم أنّ يديه مستورتان إلَّا أنه يرفعهما تحت الثوب على قدْر إمكانه، لما روى وائل بن حُجر قال: (أتيت النبي في الشتاء، فرأيت أصحابه يرفعون أيديهم في ثيابهم في الصلاة)، وفي رواية قال: (ثم جئت في زمان فيه برد شديد، فرأيت الناس عليهم جلّ الثياب، تتحرّك أيديهم تحت الثياب).
إذًا، هناك روايتان في موضوع تحريك اليديْن أو رفعهما تحت الثياب، والحديثان رواهما أبو داود، وفي رواية: (فرأيتهم يرفعون أيديهم إلى صدورهم)، وكلّ ذلك تحت الثياب. سُنِّيّة رفْع اليديْن: سواء عند تكبيرة الإحرام، أو عند الركوع أو عند الرفع من الركوع، كما هو رأي الجمهور -الشافعية، والمالكية، والحنابلة- يستوي فيها الإمام، والمأموم، والمنفرد.

١.١٠ رفع اليدين، ووضع اليمنى على اليسرى، والركوع والاعتدال


يقول ابن قدامة:
"والإمام، والمأموم، والمنفرد في هذا سواء أيضًا، سواء كانت الصلاة فريضة أو نافلة؛ التكبير ورفع اليدين مطلوب في الفريضة والنافلة؛ لأن الأخبار لم تفرِّق بين ما هو فريضة وبين ما هو نافلة. ولم يَرِدْ أمْر عن رسول الله أنّ رفْع اليديْن في الفرائض وليس في السُّنن، وما دام لا يوجد تفريق فالرفع مطلوب في جميع الصلوات.
أمّا المرأة، فذكر القاضي فيها روايتيْن عن الإمام أحمد:
الرواية الأولى: أنها ترفع مثْل الرجُل، لما روى الخلال بإسناده عن أم الدرداء وحفصة بنت سيرين: أنهما كانتا ترفعان أيديهما. وهو قول طاوس؛ ولأن مَن شُرع في حقّه التكبير، شُرع في حقّه كالرجُل؛ فعلى هذا، ترفع قليلًا. قال أحمد: رفْع دون الرفع -أي: ما يبقي على ستْر بدنها، وليس رفعًا عاليًا كما يفعل الرّجَال-.
الراوية الثانية: أنّ الرفع بالنسبة للمرأة لا يُشرع، فهو غير مسنون ولا مستحب، ومن باب أوْلى ليس فريضة عند من يقول: إنه فريضة؛ لأن رفْع اليديْن في معنى التجافي -أي: إبعاد اليديْن عن الجنبيْن- ولا يُشرع ذلك للمرأة؛ بل إن المرأة مأمورة أن تجمع نفسها في الركوع والسجود وسائر صلاتها؛ لأن ذلك أستر لها.

١.١٠ رفع اليدين، ووضع اليمنى على اليسرى، والركوع والاعتدال


ومِن هذا نعلم أن مسألة رفْع اليديْن في الركوع، أو السجود، أو في الرفع من الركوع، أو تكبيرة الإحرام، موضع خلاف بين العلماء -رضوان الله عليهم أجمعين- وأن الخلاف محصور في ثلاثة مواضع -كما ذكر ابن رشد:
الموضع الأول: مِن حيث الحُكم: هل رفْع اليديْن سُنّة، أو واجب، أو فرْض؟ جمهور العلماء على أنه سُنّة، وقليل من العلماء رأى أنه فرْض. ثم هؤلاء القائلون بأن رفع اليديْن فرْض، قال بعضهم: إنه فرض عند تكبيرة الإحرام فقط. وقال بعضهم: إنه فرْض في تكبيرة الإحرام، وعند الركوع. وقال آخرون: وعند السجود أيضًا. وأنّ السبب في ذلك -كما حكاه ابن رشد-: الآثار الواردة عن النبي وقد عرفنا منها حديثيْن: حديث أبي هريرة، وحديث البراء بن عازب؛ وفيهما: تعليم مِن النبي الصلاة للمسيء، ولم يرد فيهما رفْع اليديْن، والذي رواه البراء بن عازب: (أن الرسول رفع يديْه عند تكبيرة الإحرام مرة واحدة، ولم يعد إلى ذلك)، لا في ركوع ولا في سجود.
أمّا الحديثان المثبِتان: حديث ابن عمر، وحديث وائل بن حجر، فقد أخذ بهما الإمام الشافعي وأحمد في رفْع اليديْن عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرّفع من الركوع. أمّا حديث وائل بن حجر في رفع اليديْن أيضًا عند السجود الأوّل، أو الرفع منه، أو السجود الثاني، فهذا لم يأخذ به إلَّا قلة قليلة من الفقهاء.

١.١٠ رفع اليدين، ووضع اليمنى على اليسرى، والركوع والاعتدال


الاعتدال من الركوع وفي الركوع

يقول ابن رشد: إن الفقهاء اختلفوا في ذلك:
فمنهم: مَن أوجب هذا الاعتدال.
ومنهم: مَن لم يوجبْه، واعتبره سُنّة. فقد ذهب أبو حنيفة إلى: أنّ الاعتدال من الركوع وفي الركوع أيضًا -أي: استواء الجسم أثناء الركوع- غير واجب، وكذلك الأمر بالنسبة للسجود، بل هو سُنة. هذا رأي أبي حنيفة وأصحابه.
أمّا الشافعي ومالك، والمشهور مِن مذهب الإمام أحمد، فعلى: أن الاعتدال من الركوع واجب. ثم اختلف أصحاب مالك: هل ظاهر مذهب الإمام مالك يقتضي أن يكون الاعتدال سُنّة أو واجبًا؟ إذ لم يُنقل عنه نص في ذلك، مع أنّ المشهور عن الإمام مالك هو: أن الاعتدال من الركوع واجب، كما قال الشافعي وأحمد.

١.١٠ رفع اليدين، ووضع اليمنى على اليسرى، والركوع والاعتدال


هيئة الجلوس

المقصود بهيئة الجلوس:
الجلوس للتّشهّد الأوسط، أو الجلوس للتشهد الأخير. ويُلحق بهما الجلوس بين السجدتيْن.
يقول ابن رشد -رحمه الله-: إن الفقهاء اختلفوا في هذه القضيّة:
فقال مالك وأصحابه: يُفضي بإليتيْه إلى الأرض -أي: يثني قدَمَه اليسرى تحت قدمِه اليمنى المنتصبة، بحيث تُفضي إليتاه إلى الأرض، ويجلس عليهما. وجلوس المرأة عند مالك كجلوس الرجُل. قال أبو حنيفة وأصحابه: يَنصب الرجْل اليمنى، ويقعد على اليسرى، فتكون إليتاه على قدمِه اليسرى، ولا تصلان إلى الأرض. هذا رأي الحنفية.
أمّا الشافعية، ففرّقوا بين التّشهد الأوسط والجلسة للتّشهّد الأخير، فقال في الوسطى: تكون على القدم اليسرى، يكون قاعدًا بإليتيْه على قدمِه اليسرى، وناصبًا قَدَمه اليمنى -يعنى: وافق أبا حنيفة في حالة التشهد الأوسط. أما في التشهد الأخير، فقد وافق الشافعي مالكًا في: أنه يفضي بإليتيْه إلى الأرض، وينصب رجْله اليمنى، ويَثني اليسرى.

١.١٠ رفع اليدين، ووضع اليمنى على اليسرى، والركوع والاعتدال


الجلسة الوسطى، والأخيرة

يحكي ابن رشد اختلاف الفقهاء في ذلك على النحو التالي: اختلف العلماء في الجلسة الوسطى، والأخيرة:
فذهب الأكثر -وهذا يضمّ أقوال الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأبي حنيفة- إلى: أنها سُنّة وليست بفرض.
وشذّ قوم وقالوا: إنها فرْض؛ وهذا رأي الإمام أحمد.
عكس هذا حدث في الجلسة الأخيرة، حيث:
ذهب الجمهور في الجلسة الأخيرة إلى: أنها فرْض.

١.١٠ رفع اليدين، ووضع اليمنى على اليسرى، والركوع والاعتدال


وضْع اليديْن إحداهما على الأخرى في الصلاة

وضْع اليديْن إحداهما على الأخرى في الصلاة، كما يفعل أثناء قراءة (الفاتحة)، هل نضع اليديْن على بعضهما، أو لا نضعهما؟ وإذا وضعنا: هل نضع اليمنى على اليسرى، أو اليسرى فوق اليمنى؟ وإذا وضعنا، أين يكون موضع اليديْن؟ هل فوق السّرّة، أو تحت السّرّة؟
كل هذه الأوضاع محلّ اختلاف بين الفقهاء، كما يقول ابن رشد -رحمه الله- يقول: اختلف العلماء في وضْع اليديْن إحداهما على الأخرى في الصلاة؛ فكرِه ذلك مالك في الفرْض -يعني: الإمام مالك يريد أن نترك اليديْن إلى الجانبيْن، لا نضع إحداهما على الأخرى؛ فالإمام مالك يكره ذلك في الفرض- وأجازه في النفل. هذا رأي الإمام مالك. ورأى قوم: أن هذا الفعل -أي: وضع اليديْن إحداهما على الأخرى في الصلاة- مِن سُنن الصلاة؛ وهم جمهور الفقهاء.
إذًا، نحن أمام قوليْن: قول بالكراهية في الفرْض فقط، وهو قول الإمام مالك. وقول بالسّنِّية، وهو قول الجمهور في الفرض والنفل. ماذا عن موضع اليديْن؟
يقول المعلِّق: واختلفوا في موضع وضع اليديْن.
فقال أبو حنيفة، وأحمد على المشهور: يضعهما تحت السُّرّة. وقال مالك والشافعي: تحت صدره وفوق سرّته.