٣.٩ التسليم، والقنوت فى الصلاة


التّسليم

التّسليم هو: نيّة الخروج من الصلاة، أو القول الذي نَخرج به من الصلاة؛ لأن الرسول قال لنا: (تحريمُها التكبير، وتحليلها التّسليم)، يعني: بمجرّد أن يُكبِّر الإنسان تكبيرة الإحرام يكون كلّ شيء كان مباحًا قبْلها أصبح مُحرَّمًا بعد التكبيرة (تحريمها التكبير). متى نعود إلى الحلال، ونمارس ما نشاء من الأقوال أو الأفعال؟ بعد التسليم، يعود الحرام حلالًا (تحليلها التسليم).
وضع ابن رشد هذا "التسليم" تحت المسألة الثامنة، وأخذ يُبيِّن أقوال الفقهاء في ذلك، يقول: اختلفوا في التسليم من الصلاة، وكذلك في نية الخروج من الصلاة. فقال الجمهور بوجوب التّسليم. وقال أبو حنيفة وأصحابه: ليس بواجب. ثم الذين أوجبوه اختلفوا: فمنهم من قال: الواجب على المنفرد والإمام تسليمة واحدة. ومنهم من قال: تسليمتان. إذًا، نحن أمام عدّة أقوال في موضوع التسليم، وهل هو ركن من أركان الصلاة أو لا؟ جمهور العلماء على أنه ركن واجب، وإلا فكيف نخرج من الصلاة.

٣.٩ التسليم، والقنوت فى الصلاة


أبو حنيفة وأصحابه لم يوجبوه؛ لأنه إذا تمّت الصلاة بالتشهد فقد تمّت الصلاة. هل الواجب تسليمة واحدة أم تسليمتان؟ يقول ابن رشد -رحمه الله-: ذهب الجمهور مذهب ظاهر حديث علي، هو: قوله: (وتحليلها التسليم) رواه أبو داود، والترمذي، وغيرهما، بإسناد صحيح. ومَن ذهب إلى أنّ الواجب من ذلك تسليمتان، لِما ثبت عند مسلم وأصحاب السنن من أنه كان يُسلِّم تسليمتيْن؛ وذلك عند مَن حمَل فِعْل النبي على الوجوب.
واختار مالك للمأموم تسليمتيْن وللإمام تسليمة واحدة. وقد قيل عنه أيضًا: إن المأموم يسلِّم ثلاثًا: الواحدة للتحليل، والثانية للإمام، والثالثة لمن هم عن يساره. ماذا عن القائلين بعدم الوجوب؟
يقول: أمّا أبو حنيفة، فذهب إلى ما رواه عبد الرحمن بن زياد الإفريقي: أنّ عبد الرحمن بن رافع وبكر بن سوادة حدّثاه عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله : (إذا جلس الرّجُل في آخِر صلاته فأحْدث قبل أن يُسلِّم- فقد تمّتْ صلاته). إذًا، لم يجعل التسليم هو تمام الصلاة، وإنما جعل الجلوس الأخير والتّشهّد فيه هو المتمِّم للصلاة. قال أبو عمر ابن عبد البَر: وحديث علي المتقدّم: (تحليلها التّسليم) أثبت عند أهل النقْل، يعني: أكثر صحة؛ لأن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص انفرد به الإفريقي، وهو عند أهل النقل ضعيف.

٣.٩ التسليم، والقنوت فى الصلاة


ذًا، نحن أمام حديثيْن: أحدهما ثابت وصحيح، وهو حديث علي، وهذا الذي جعل الجمهور يأخذ به ويأخذ بظاهره، وهو: أن التسليم واجب وركن من أركان الصلاة. ولم يأخذوا بالحديث الآخَر حديث عبد الرحمن بن زياد الإفريقي؛ لأنه لم يثبت بمثل ما ثبت به حديث عليّ؛ فهو ضعيف.
قال القاضي: إن كان حديث علي أثبت من طريق النقل فإنه محتمل من طريق اللفظ. ما وجه الاحتمال؟ ذلك أنه ليس يدلّ على أن الخروج من الصلاة لا يكون بغير التسليم إلا بضرب من دليل من الخطاب، وهو مفهوم ضعيف عند الأكثر، ولكن للجمهور أن يقولوا: إن الألف واللام التي للحصر أقوى من دليل الخطاب.
المقصود بدليل الخطاب: المخالفة، وهو موضع خلاف عند الأصوليِّين، منهم من يعمل به ومنهم من لا يعمل به، وذلك في كون حُكم المسكوت عنه بضدّ حُكم المنطوق به.

٣.٩ التسليم، والقنوت فى الصلاة


القنوت في الصلاة

القنوت كلمة تعني: الخضوع لله وكثرة الخشوع له، والتقرب إليه بالطاعة، كما جاء في الآية الكريمة: (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) [البقرة: ٢٣٨]. ومِن هذا القبيل أيضًا قوله تعالى لأمّهات المؤمنين: (وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ) [الأحزاب: ٣١]، وقوله سبحانه عن مريم أم عيسى -عليهما السلام-: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) [التحريم: ١٢]، وقوله تعالى لمريم أيضًا: (يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) [آل عمران: ٤٣].
كلمة "القنوت" ها هنا في هذه المسألة تعني: الدعاء بأدعية مأثورة، قبل الركوع أو بعده في الصلاة، إمّا صلاة الصبح كما يقول بعض العلماء، وإمّا صلاة الوتر كما يقول آخَرون، وإمّا في الصلوات المفروضة عند النوازل كما يقول آخَرون، أو في النصف الأخير من شهر رمضان فقط، أو في النصف الأوّل منه كما يقول آخَرون، وهكذا...
نتعرّف على ما قاله ابن رشد في هذه الجزئية، المسألة التّاسعة:
يقول -رحمه الله-: اختلفوا في القنوت.

٣.٩ التسليم، والقنوت فى الصلاة


فذهب مالك إلى: أنّ القنوت في صلاة الصبح مُستحبّ.
وذهب الشافعي إلى: أنه سُنّة.
وذهب أبو حنيفة إلى: أنه لا يجوز القنوت في صلاة الصبح. وقال أيضًا: وأنّ القنوت إنما هو موضعه الوتر.
وقال أحمد: القنوت للأئمة يدْعون للجيوش، فإن ذهب إليه ذاهب فلا بأس به في الصبح، وهو سُنّة في الوتر بعد الركوع.
وقال قوم: بل يقنت في كلّ صلاة.
وقال قوم: لا قنوت إلا في رمضان.
وقال قوم: بل في النصف الأخير منه.