١.٩ النية، التكبير، دعاء التوجه، والبسملة


معرفة النِّية، وكيفيّة اشتراطها في الصّلاة

الباب الثامن والأخير من أبواب شروط صحّة الصلاة وهو: الباب الخاص بالنّية؛ وقد عنون له ابن رشد بقوله:
الباب الثامن: معرفة النّيّة، وكيفية اشتراطها في الصلاة:
وقد سبق أن تعرّضنا لمبحث النية عند حديثنا عن الوضوء، وعن الغسل والطهارة، وعن الأمور المتعلّقة بنحو ذلك.
وعرفنا أنها هي: القصد والعزم، وتوجيه العمل إلى الله . فإذا كانت النية مطلوبة في الوضوء أو الغسل أو التيمم، فإنها تكون مطلوبة من باب أوْلى في الصلاة. ( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) [البيِّنة:٥].
يقول ابن رشد: أمّا النية، فقد اتفق العلماء على كونها شرطًا من شروط صحّة الصلاة؛ لِكون الصلاة هي رأس العبادات التي وردت في الشّرع لغير مصلحة معقولة، يعني: لا نستطيع أن نحسّ المصلحة في هذا الأمر.
ابن قدامة -رحمه الله- تناول هذه القضية بشيء من التفصيل الواسع أو الكبير، فقال: تحت مسألة الخرقي: "وينوي بها المكتوبة -يعني: التكبيرة-، ولا نعلم خلافًا بين الأمّة في وجوب النية للصلاة، وأنّ الصلاة لا تنعقد إلَّا بها".

١.٩ النية، التكبير، دعاء التوجه، والبسملة


وهناك جزئية مفيدة أيضًا وهي: أنّ النية هل تتقدّم التكبير أو تتأخّر عنه؟
قال أصحابنا -يعني: أصحاب الحنابلة-: يجوز تقديم النّية على التكبير بزمن يسير. وإن طال الفصل أو فسخ نيته بذلك، لم يُجْزه. وحمل القاضي كلام الخرقي على هذا وفسّره به؛ وهو مذهب أبي حنيفة.
وقال الشافعي وابن المنذر: يشترط مقارنة النية لتكبيرة الإحرام، لقوله تعالى: ( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) [البيِّنة:٥]، فقوله: (مُخْلِصِينَ): حال لهم في وقت العبادة؛ فإن الحال وصف هيئة الفاعل وقت الفعل، والإخلاص هو النية. وقال النبي: (إنما الأعمال بالنِّيّات، وإنّما لكلِّ امرئ ما نوى)؛ ولأن النية شرط، فلم يَجُز أن تخلو العبادة عنها، كسائر شروط الصلاة.
قال ابن قدامة: ولنا: أنها عبادة، فجاز تقديم نيّتها عليها كالصوم، وتقديم النية على الفعل لا يُخرجه عن كونه منْويًّا، ولا يخرج الفاعل عن كونه مُخلصًا، بدليل الصوم، والزكاة إذا دفعها إلى وكيله، كسائر الأفعال في أثناء العبادة.

١.٩ النية، التكبير، دعاء التوجه، والبسملة


استصحاب النية

يقول: الواجب: استصحاب حُكم النية، بمعنى: أن يستحضر الإنسان صلاة الظهر، أو صلاة العصر، أو ما يُصلِّيه من الفرائض، من البداية إلى النهاية، من أوّل تكبيرة الإحرام إلى التسليم، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ الإنسان يمكن أن يسهو أو تعزب عنه النية، أو يذهل، أو يتشاغل بأمر من الأمور، هذا وارد، وهذا لا ينطبق عليه قول الله سبحانه: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) [الماعون:٤- ٥]، ليس داخلًا في هذه الآية، ولا في هذا الويْل، إنما هذا الويل لمن يسهو عن الصلاة حتى يُضيع وقتها، وهم المنافقون الذين كانوا إذا قاموا إلى الصلاة (قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا) [النساء:١٤٢].
فكانوا يتكاسلون عنها حتى يضيع وقت الصلاة، فقال الله تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) أي: ساهون: عن وقت الصلاة (الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧) [الماعون: ٦- ٧].
فالواجب هو: استصحاب النية قدْر الطاقة وبكلّ الاستطاعة، فإن عزبت قليلًا أو حدث شيء من السهو، فإن ذلك لا يؤثِّر في صحّة الصلاة؛ لأنّ التحرز من هذا غير مُمكن.

١.٩ النية، التكبير، دعاء التوجه، والبسملة


ولأنّ النية لا تُعتبر حقيقتها في أثناء العبادة، بدليل الصوم وغيره، وقد روي عن النبي أنه قال: (إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ الْأَذَانَ، فَإِذَا قُضِيَ الْأَذَانُ أَقْبَلَ فَإِذَا ثُوِّبَ بِهَا أَدْبَر،َ فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا وَكَذَا مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِي كَمْ صَلَّى، فَإِذَا لَمْ يَدْرِ أَحَدُكُمْ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا؛ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ)، متفق عليه، ورواه مالك في (الموطأ). ونحن نعلم أنّ رسول الله قال: (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ)؛ ولذلك يسعى إلى وسوسة الإنسان وإخراجه عن الصلاة. ونحن نقرأ:
(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦) [الناس:١ - ٦].
ولذلك شرع لنا أن نستعيذ بالله من الشيطان بعد دعاء التوجه أو دعاء الاستفتاح، وقبل قراءة (الفاتحة)، كما قال الله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) [النحل:٩٨]. روي عن عمر (رضي الله عنه): أنه صلّى صلاة فلم يقرأ فيها، فقيل له: إنك لم تقرأ، فقال: "إني جهّزت جيشًا للمسلمين حتى بلغت به وادي القرى".

١.٩ النية، التكبير، دعاء التوجه، والبسملة


الفرق بين الشرط والرّكن

فالشرط -كما يقول العلماء-: ما يلزم مِن عدَمِه العدَم، ولا يلزم من وُجوده وجود ولا عدَم. ما معنى ذلك؟
يلزم من عدَمه العدم: مثل: الطهارة، أو استقبال القِبلة، أو دخول وقت الصلاة، إلى غير ذلك من الشروط التي سبَق ذِكْرها...
يلزم من عدم وجود هذا الشرط عدَم صحّة الصلاة.
هذا معنى قولهم: "يلزم من عدَمه العدَم".
ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم: يعني: ليس بالضرورة أنّني كلما توضّأت أو كنت طاهرًا، يلزم وجود الصلاة، أو لا أتطهّر إلّا للصلاة؛ إذًا لا يلزم من وجود الطهارة وجود الصلاة، ولا عدمها. هذا عن الشروط، وهي كما عرفنا أيضًا كلّها خارجة عن ماهية الصلاة أو عن حقيقة الصلاة؛ فاستقبال القبلة شيء خارج أقوال وأفعال الصلاة. وكذلك ستْر العورة، وكذلك الطهارة، وكذلك الوقت...
إذًا، هي كلّها أمور خارجة عن حقيقة الصلاة وعن ماهيتها.

١.٩ النية، التكبير، دعاء التوجه، والبسملة


ما المراد بحقيقة الصلاة وماهيتها؟
الصلاة هي: الأقوال والأفعال المبدوءة بالتكبير، المختومة بالتسليم، بشروط مخصوصة.
إذًا، حقيقة الصلاة أو ماهيتها تتكوّن من أقوال ومن أفعال، بكيفية مخصوصة. هذه الأقوال والأفعال جزء من حقيقة الصلاة. فالتكبير مثلًا جزء من الصلاة، داخل في ماهيتها، داخل في حقيقتها. الركوع جزء من حقيقة الصلاة، من ماهية الصلاة، ركن من أركانها. وكذلك السجود، وكذلك الرفع من السجود أو من الركوع، وكذلك القيام للقادر الصحيح، وهكذا... فتلك هي الأركان؛ وبهذا نكون قد عرفنا الفرق بين الشرط والركن.
الإمام ابن رشد -رحمه الله- جعل الشروط في جملة معيّنة، وقسّمها -كما عرفنا- إلى ثمانية أبواب.
أمّا الأركان، فهي الجملة الثالثة، وسوف نعلم من كلام ابن رشد أنها تنقسم أيضًا إلى عدّة أبواب.

١.٩ النية، التكبير، دعاء التوجه، والبسملة


تقسيمات أركان الصلاة، وما يندرج تحتها

ابن رشد قبل أن يبدأ ذكْر الأركان، يبدأ بهذه الجزئية التي توضّح لنا الحقيقة والماهية:
فيقول: أركان الصلاة هي معرفة ما تشتمل عليه من الأقوال والأفعال، وهي: الأركان. لكن هذه الأقوال والأفعال تتفاوت أو تختلف باختلاف الأحوال -أحوال الإنسان-: فالصحيح يصلِّي قائمًا، والمريض يصلّي كيفما استطاع. المسافر يصلّي الظهر أو العصر أو العشاء -الصلاة الرباعية- يصلّيها ركعتيْن، أمّا المقيم أو الحاضر فيصلِّيها أربع ركعات. الآمن المقيم يصلّي الصلاة تامة، أمّا الخائف فيصلّي بكيفية أخرى، سواء استقبل القِبلة أو لم يستقبلها.
من هنا، فإن أركان الصلاة تختلف من الأقوال والأفعال بالزيادة والنقصان:
إمّا من قبل الانفراد والجماعة، يعني صلاة الشخص منفردًا أو صلاته في جماعة؛ لأن الجماعة تتطلب التزامًا آخَر وائتمامًا بالإمام، وقد تسقط عن المأموم قراءة (الفاتحة)، وهكذا... إذًا، الأقوال والأفعال قد تزيد وقد تنقص باختلاف حالة المصلِّي، هل هو منفرد في صلاته أو يصلي في جماعة؟
وإمَّا من قِبل الزمان، مثل: ظُهر الجمعة يختلف عن ظُهر سائر الأيام؛ لأن صلاة الجمعة تختلف عن صلاة الظهر، مع أنها بديل عنه.

١.٩ النية، التكبير، دعاء التوجه، والبسملة


وإمّا من قبل الحضَر والسّفر؛ فالإنسان المقيم تختلف صلاته وعدد الركعات المطلوبة منه في الصلوات الرباعية عن صلاة السفر. وإمّا من قِبل الأمن والخوف؛ فالإنسان الآمن لا بد أن يستوفي جميع الشروط، بما فيها استقبال القِبلة. أمّا الخائف فيصلي كيفما استطاع، كما قال تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا) [البقرة: ٢٣٩]، أي: مُستقبِلِي القِبلة وغير مُستقبليها. (فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُون) [البقرة: ٢٣٩].
كذلك تختلف الأركان بالزيادة والنقصان من قِبل الصّحة والمرض؛ لأن صلاة المريض تختلف أركانها عن صلاة الصحيح. فالمريض قد لا يركع، قد لا يسجد، قد يومئ إيماءً للركوع والسجود، قد يصلِّي وهو مضطجع ومُستلقٍ على ظهره بلا ركوع ولا سجود. أمّا الصحيح فليس كذلك. ثم يقول: فإذا أريد أن يكون القول في هذه -أي: هذه المسائل- صناعيًّا، بمعنى: التقيّد بقواعد المنطق والحساب، وتقديم شيء وتأخير آخَر، وجاريًا على نظام، فيجب أن يقال أولًا: فيما تشترك فيه هذه كلّها. -يعني: الصلوات السابقة-، سواء كانت منفردة أو جماعة، أو حضَرًا أو سفرًا، أو أمنًا أو خوفًا، أو صحة أو مرضًا. فيما تشترك الصلوات كلها.

١.٩ النية، التكبير، دعاء التوجه، والبسملة


ثم يقال: فيما يخصّ واحدة واحدة منها. -يعني ابن رشد يقول: كان ينبغي أن نقسّم الأركان إلى الأركان التي تتّفق عليها جميع الصلوات، ثم الأركان التي تختص بها صلاة دون أخرى. أو يقال -وهذا أسلوب آخَر- في واحدة واحدة منها: صلاة المريض نستوفيها، صلاة المسافر نستوفيها. صلاة المنفرد نستوفيها. صلاة الجماعة نستوفيها. وهو الأسهل، وهذا هو الذي أخذ به ابن رشد وسار عليه، حيث يبدأ ببيان كيفية صلاة المنفرد، ثم يثنّي بصلاة الجماعة، ثم بصلاة الجمعة، ثم بصلاة السفر، وهكذا...
يقول: -وهذا هو الأسهل- وإن كان هذا النوع من التعليم يعرض منه تكرار ما -يعني: قد يحدث أن فيه تكرارًا-، لكن هذا هو الذي سلَكه الفقهاء، ونحن نتّبعهم في ذلك، فنجعل هذه الجملة -الجملة الثالثة- منقسمة إلى ستّة أبواب.
الباب الأول: في صلاة المنفرد الحاضر الآمِن الصحيح.
معنى قوله: الحاضر يعني: المقيم، والآمن: بعيد عن الحرب. صحيح: ليس مريضًا. منفرد: ليس في جماعة.

١.٩ النية، التكبير، دعاء التوجه، والبسملة


الباب الثاني: في صلاة الجماعة، أعني: في أحكام الإمام والمأموم في الصلاة. ماذا يتحمّل الإمام عن المأموم؟ ماذا يجب على المأموم نحو الإمام؟ وهكذا...
الباب الثالث: في صلاة الجمعة.
الباب الرابع: في صلاة السّفر.
الباب الخامس: في صلاة الخوف.
الباب السادس: في صلاة المريض.
وقبل أن نسترسل في شرح هذه الأبواب وتفصيلها، أريد أن نتعرّف على صفة صلاة رسول الله التي أخذ منها الصحابة والتابعون والأئمة الفقهاء أركان الصلاة، وعرّفونا إيّاها.
وقد ذكر ابن قدامة ذلك، ولم يذكره ابن رشد.