٣.٨ شرط الطهارة, والتروك المشترطة فى الصلاة


اشتراط الطهارة للصلاة

هل هي شرط من شروط صحة الصلاة؟ أم ليست كذلك؟ هل هي سُنّة أو فرض؟
وفي هذا الباب نتعرّف على الطهارة، وعلى أقوال الفقهاء فيها من حيث الشرطية، والسّنّيّة، والأسباب التي أدَّت إلى اختلافهم.
يقول ابن رشد: أمّا الطهارة من النّجس، فمَن قال: إنها سُنّة مؤكّدة، فيبعد أن يقول: إنها فرض في الصلاة، -أي: من شروط صحّتها- ومن قال: إنها فرْض بإطلاق، كأبي حنيفة والشافعي وأحمد، فيجوز أن يقول: إنها فرْض في الصلاة، ويجوز أن لا يقول ذلك. وحكى عبد الوهاب -وهو من أصحاب مالك للمذهب المالكي في ذلك قولان:
القول الأول: أنّ إزالة النجاسة شرط في صحّة الصلاة في حال القُدرة والذِّكر، وهذا هو المشهور والأصح في المذهب المالكي. القول الثاني: أنها ليست شرطًا.

٣.٨ شرط الطهارة, والتروك المشترطة فى الصلاة


والذي حكاه من أنها شرط لا يتخرّج على مشهور المذهب من أنّ غسل النجاسة سُنّة مؤكّدة، وإنما يتخرّج على القول: بأنها فرْض مع الذِّكر والقدرة. وقد مضت هذه المسألة في كتاب الطهارة، وعرفنا أنّ المشهور: أنّ إزالة النجاسة شرْط أو فرْض عند الذِّكر والقدرة. وعُرف هنالك أسباب الخلاف فيها. وإنما الذي يتعلّق به هاهنا الكلام من ذلك، هل ما هو فرْض مطلق ممّا يقع في الصلاة يجب أن يكون فرضًا في الصلاة أم لا؟
يقول ابن رشد: والحقّ: أنّ الشيء المأمور به على الإطلاق لا يجب أن يكون شرطًا في صحة شيء ما آخَر مأمور به وإن وقع فيه، إلَّا بأمر آخَر. وكذلك الأمر في الشيء المنهيّ عنه على الإطلاق، لا يجوز أن يكون شرطًا في صحّة شيء ما، إلَّا بأمْر آخَر.

٣.٨ شرط الطهارة, والتروك المشترطة فى الصلاة


المواضع التي تجوز الصلاة فيها، والمواضع التي لا تجوز الصلاة فيها

تحت هذا العنوان يقول ابن رشد -رحمه الله-:
أمّا المواضع التي يُصلّى فيها، أي: تجوز الصلاة فيها، فإن من الناس من أجاز الصلاة في كلّ موضع لا تكون فيه نجاسة؛ فالعبرة هي وجود نجاسة أو عدم وجودها؛ فما دامت النجاسة غير موجودة، فالصلاة صحيحة في أيّ موضع.
ومنهم من استثنى من ذلك -أي: من المواضع التي تجوز فيها الصلاة- وهي سبعة مواضع. المواضع التي لا يُصلَّى فيها:
المزبلة: وهي موضع الزّبل وهو: ما يخرج من الغنم.
والمجزرة: وهي موضع الذّبح، لِما يكثر فيها من مجانبة النجاسة والدماء المسفوحة.
والمقبرة: أيضًا لأنها تُحاذي النجاسة، ولِما فيها من استقبال القبر.
وقارعة الطريق: لِما فيه من اشتغال القلب بمرور الناس.
والحمّام: لأنه مأوى الشياطين.

٣.٨ شرط الطهارة, والتروك المشترطة فى الصلاة


ومعاطن الإبل: وهي المحلات التي تُنحى الإبل إليها بعد شُربها فتبول وتخرج، ونحو ذلك... وتشوّش خشوعه بشدّة نفارها.
الموضع السابع: فوق ظهر الكعبة.
إذًا، هناك سبعة مواضع استثناها فريق من العلماء، من المواضع التي تجوز الصلاة فيها، وهي: المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، والحمّام، ومعاطن الإبل، وفوق ظهر الكعبة. وهناك فريق آخَر من الفقهاء استثنى من ذلك: المقبرة فقط؛ وهو الإمام مالك، فعنده إن كانت منبوشة لم تصحّ الصلاة فيها.
ومنهم فريق آخَر استثنى: المقبرة والحمّام.
وفريق آخَر، وهو أبو حنيفة، كرِه الصلاة في هذه المواضع المنهيّ عنها، ولم يُبطل الصلاة فيها. وهو أيضًا أحدُ ما روي عن مالك. وقد روي عنه رواية أخرى: جواز الصلاة، وهذه رواية ابن القاسم. ومنهم -أي: من المالكية- مَن أبطلها مطلقًا؛ وهو مشهور مذهب الإمام أحمد بن حنبل.

٣.٨ شرط الطهارة, والتروك المشترطة فى الصلاة


معرفة التّروك التي هي شروط في صحّة الصلاة

يقول ابن رشد -رحمه الله-: وأمّا التّروك المشترطة في الصلاة، فاتفق المسلمون على: أن منها قولًا، ومنها فعلًا.
فأمّا الأفعال: فجميع الأفعال المباحة التي ليست من أفعال الصلاة -أي: جميع الأفعال المباحة يجب ترْكُها بمجرّد الدخول في الصلاة-.
فكلّ ما كان من الأفعال مباحًا قبل الصلاة، فبتكبيرة الإحرام يُصبح حرامًا؛ لأنّ هذه التكبيرة تعني ذلك.
وكما جاء في حديث الرسول الله : (وتَحريمُها: التّكبير). فالحركة التي كان مسموحًا بها قبل تكبيرة الإحرام ذات اليمين وذات الشمال، أو التّلفّت بالوجه أو بالعينيْن، أو امتداد الأيدي أو الأرجل، أو القيام أو القعود لغير الصلاة أو لغير الأركان، أو نحو ذلك من الأفعال، كالجري أو المشي، كل ذلك يصبح من الأمور التي يجب ترْكها أثناء الصلاة.
يستثني ابن رشد من ذلك ما استثناه الفقهاء، وهو: قتل العقرب أو الحية، أو ما يشبه ذلك من الحشرات الضّارّة.

٣.٨ شرط الطهارة, والتروك المشترطة فى الصلاة


يقول: إلَّا قتْل العقرب والحية في الصلاة، فإنهم اختلفوا في ذلك، لِمعارضة الأثَر -أي: الحديث- للقياس. واتفقوا -فيما أحسب- على جواز الفعل الخفيف.
هذا عن الأفعال؛ إذًا، منها نعلم أنّ جميع الأفعال التي كانت مباحة قبل الصلاة، تصبح بتكبيرة الإحرام والدخول في الصلاة مُحرّمة، إلَّا ما استثناه ابن رشد نقلًا عن العلماء، من قتْل العقرب والحيّة في الصلاة.
أمّا الفعل اليسير: فجائر ولا حرج فيه. والمقصود بالفعل اليسير: ما يتعارف الناس على أنه يسير، كحركة واحدة، أو لفْتة واحدة، أو تقدّم ذات اليمين وذات اليسار بحركة واحدة، أو نحو ذلك، وأن يكون أيضًا لمصلحة الصلاة.
هذا عن الأفعال.
وقبل أن ننتقل إلى الأقوال، نجد أيضًا ابن قدامة -رحمه الله- يتحدّث عن هذه الجزئية، فيقول عن الأكل والشرب:
إذا أكل أو شرب في الفريضة عامدًا، بطلت صلاته؛ لأنّ الأكل و الشرب فعْل. ولا نعلم فيه خلافًا. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلْم على: أنّ المصلِّي ممنوع عن الأكل والشرب. وأجمع كلّ مَن نحفظ عنه من أهل العلْم على: أنّ مَن أكَل أو شرِب في صلاة الفرض عامدًا، أن عليه الإعادة، وأنّ ذلك يفسد الصوم الذي لا يفسد بالأفعال، فالصلاة أوْلى؛ لأنها تفسد بالأفعال. فإن فعَل ذلك في التّطوّع أبطله في الصحيح من المذهب؛ وهو قول أكثر الفقهاء؛ لأن ما أبطل الفرْض أبطل التطوع، كسائر مبطلاته.

٣.٨ شرط الطهارة, والتروك المشترطة فى الصلاة


وعن أحمد رواية أخرى: أنه لا يُبطلها.
ويروى عن عروة وسعيد بن جبير: أنهما شربا في التّطوّع. وعن طاوس: أنه لا بأس به. وكذلك قال إسحاق؛ لأنه عمل يسير، فأشبه غير الأكل.
فأمّا إن كثر، فلا خلاف في أنه يُفسدها -أي: يفسد الصلاة-؛ لأن غير الأكل من الأعمال يُفسد إذا كثُر، فالأكل والشرب أوْلى.
وإن أكَل أو شرِب في فريضة ناسيًا، أو تطوّعٍ ناسيًا، لم يفسد؛ وبهذا قال عطاء والشافعي.
وقال الأوزاعي: تفسد صلاته؛ لأنه فعْل مُبطل من غير جنس الصلاة، فاستوى عمْدُه وسهْوُه كالعمل الكثير.