١.٨ القبلة وأحكامها


القِبلة، وما يتعلّق بها من أحكام

ننتقل إلى القبلة وما يتعلّق بها من أحكام، وهي الباب الثالث من الجملة الثانية: شروط الصلاة. أولًا: التّوجّه نحو القِبلة شرط في الصلاة:
اتفق المسلمون على أن التوجه نحو البيت -وكلمة "البيت" هنا يقصد بها: البيت العتيق، أي: الكعبة المشرّفة، في المسجد الحرام في مكة المكرمة- شرط من شروط صحة الصلاة؛ لقوله تعالى: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) [البقرة: ١٥٠]. أما إذا أبصر البيت، فالفرض عندهم هو التّوجّه إلى عين البيت -المعاينة- ولا خلاف في ذلك. وأمّا إن كان بعيدًا أو غائبًا عن البيت لا يستطيع أن يعاينه:
وأما إذا غابت الكعبة عن الأبصار، فاختلفوا من ذلك في موضعيْن.
أمّا المسألتان اللّتان يسقط عن المصلِّي فيهما استقبال القِبلة:
ففيهما يقول الخرقي: "إذا اشتد الخوف وهو مطلوب -أي: أنّ المصلي مطلوب من العدو- ابتدأ الصلاة إلى القبلة وصلى إلى غيرها راجلًا -يعني: ماشيا على رجليه- وراكبًا -أي: فارسًا، راكبا فرسًا أو ناقة- يومئ إيماء للركوع والسجود على قدْر الطاقة، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه إن استطاع.

١.٨ القبلة وأحكامها


المسألة الأولى: الصلاة في حالة الخوف والحرب وملاقاة الأعداء.
يقول ابن قدامة: إذا اشتدّ الخوف بحيث لا يتمكّن من الصلاة إلى القِبلة، أو احتاج إلى المشي، أو عجز عن بعض أركان الصلاة إمّا لهربٍ مباح من عدوٍ، أو سيلٍ-مياه غزيرة تجرف مَن أمامها- أو سبُع -يطارد الإنسان- أو حريق، أو نحو ذلك ممّا لا يمكنه التخلص منه إلَّا بالهرب والمسابقة، أو التحام الحرب والحاجة إلى الفر والكر والطعن والضرب، والمطاردة -في كل هذه الأحوال- له أن يصلّي على حسب حاله راجلًا وراكبًا إلى القبلة إن أمكن أو إلى غيرها إن لم يمكن. وإذا عجز عن الركوع أو السجود، أومأ بهما وينحني إلى السجود أكثر من الركوع، كل ذلك على قدْر طاقته. وإن عجز عن الإيماء سقط عنه. وإن عجز عن القيام أو القعود أو غيرهما سقط. وإن احتاج إلى الضرب والكرّ والفرّ فعل كل ذلك، ولا تبطل الصلاة ولا يؤخِّرها عن وقتها، بل يصلي بهذه الكيفية وبأٌقل منها وهو يقاتل، قال تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) [البقرة:٢٣٩].

١.٨ القبلة وأحكامها


(فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا) يعني راجلين أو راكبين مستقبلي القبلة، أو غير مستقبليها. وروى مالك عن نافع عن ابن عمر قال: فإن كان خوفًا هو أشد من ذلك، صلّوْا رجالًا قيامًا على أقدامهم، أو ركبانًا مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها. قال نافع: لا أرى ابن عمر حدّثه إلا عن رسول الله -أي: لا يمكن أن يقول ابن عمر ذلك من عند نفسه، و إنما هو نقل ورواية عن رسول الله .
وإذا أمكن افتتاح الصلاة إلى القِبلة جاز له ذلك أو استحب له ذلك، وإن لم يمكن جاز له أن يبدأها من أيّ جهة. تلك هي المسألة الأولى التي يسقط فيها استقبال القبلة.
أمّا المسألة الثانية: فهي مسألة الركوب على الراحلة أثناء السفر، وأداء النافلة وهو راكب.
وفيها يقول ابن قدامة في شرح كلام الخرقي: "وله أن يتطوع في السفر على الراحلة على ما وصفنا من صلاة الخوف".

١.٨ القبلة وأحكامها


هل الفرْض عيْن الكعبة، أو جهتها؟ والاجتهاد في القبلة

يقول ابن رشد: وأمّا إذا غابت الكعبة عن الأبصار، فاختلفوا من ذلك في موضعيْن:
الأول: هل الفرْض هو العين أو الجهة؟
الثاني: هل فرْضه الإصابة، أو الاجتهاد على قدر ما يستطيع؟
هذان موضعان عقَد ابن رشد لكلّ منهما مسألة:
المسألة الأولى: هل الفرْض في استقبال القبلة هو العيْن –عين الكعبة- أو جهتها؟:
فقال في المسألة الأولى: هل الفرْض في استقبال القبلة هو العيْن أو جهتها؟
تحت هذا العنوان يقول، ويحكي اختلاف الفقهاء:
فذهب قوم إلى أنّ الفرْض هو العيْن، وذهب آخَرون إلى أنه الجهة.
كيف يتحقّق للإنسان معاينة الكعبة وهو بعيد عنها؟ أليس ذلك فوق الطاقة والاستطاعة؟ لذلك فإن رأي الجمهور في هذه المسألة، وهو -كما نرى- أيضًا رأي ابن رشد: أنّ الفرْض هو: الجهة، وليس عيْن الكعبة.

١.٨ القبلة وأحكامها


المسألة الثانية: هل فرْض المجتهد في القِبلة الإصابة أو الاجتهاد؟:
يقول ابن رشد: وأمّا المسألة الثانية فهي: هل فرْض المجتهد في القِبلة الإصابة أو الاجتهاد فقط حتى يكون؟ إذا قلنا: إنّ فرْضه الإصابة، متى تبيّن له أنه أخطأ أعاد الصلاة. ومتى قلنا: إن فرْضه الاجتهاد فقط، لم يجب أن يُعيد إذا تبيّن له الخطأ وقد كان صلّى قبل اجتهاده.
إذًا، هما مسألتان يترتّب عليهما أيضًا حُكمان آخَران:
المسألة الأولى: هل فرْض المجتهد في القِبلة الذي لا يُعاينها، ولا يعرف جهتها، ولا يجِد من يُخبره عن جهتها، الفرض في حقه هو: الاجتهاد والإصابة، أو الاجتهاد فقط؟
عندنا في ذلك رأيان: رأي يقول بالاجتهاد فقط، ورأي يقول بالاجتهاد مع الإصابة.
يترتّب على هذيْن القوليْن حكمان من أحكام الصلاة:
مَن صلّى بالاجتهاد فقط، ثم تبيّن له أنه كان مُخطئًا، مَن يقول بضرورة الإصابة، فيقول: عليه الإعادة. ومَن يقول بالاكتفاء بالاجتهاد حتى ولم يُصِب، وتبيّن له الخطأ: أنه لا إعادة عليه.

١.٨ القبلة وأحكامها


يقول ابن رشد: أمّا الشافعي، فزعم أنّ فرضه الإصابة، أي: لا بد أن يكون الاجتهاد صحيحًا ومصيبًا لعين الكعبة، وأنه إذا تبيّن له أنه أخطأ أعاد أبدًا -يعني: أكثر من صلاة، فكلّ ما صلاه مع هذا الخطأ عليه إعادته.
وقال قوم : لا يُعيد وقد مضت صلاته؛ فهو اجتهد وأدّاه اجتهاده إلى هذه الجهة، وصلّى وله أجْر الصلاة، ولا يُعيد حتى إذا تبيّن له أنه قد أخطأ، ما لم يتعمّد الخطأ، أو صلّى بغير اجتهاد، فنقول له: صلاتك غير صحيحة؛ لأنك لم تجتهد. وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، إلَّا أنّ مالكًا استحب له الإعادة، لم يُلزمه بها، ولكنه استحبّها خروجًا من الخلاف مع الشافعي.
المسألة الثالثة: الصلاة داخل الكعبة:
في هذا الباب مسألة مشهورة وهي: جواز الصلاة في داخل الكعبة. وتلك هي المسألة الثالثة التي عقَدها ابن رشد -رحمه الله- لهذه القضية، وهي: الصلاة داخل الكعبة، هل هي صلاة صحيحة جائزة؟ أو ليست صحيحة؟ أو ليست جائزة؟ يقول تحت هذا العنوان: وقد اختلفوا في ذلك:
فمنهم: مَن منَعه على الإطلاق، أي: لا تجوز الصلاة داخل الكعبة لا فرضًا ولا نفلًا، لا حجًّا ولا عمرة، فمنهم مَن منَعه على الإطلاق كالإمام أحمد بن حنبل.

١.٨ القبلة وأحكامها


ومنهم: من أجازه على الإطلاق، يعني: سواء فرضًا أو نفلًا، أوفي حج أو في عمرة، وهذا هو الشافعي وأبو حنيفة.
منهم: مَن فرّق بين النّفل في ذلك والفرْض، فقال بجواز النفل، وعدم جواز الفرْض؛ وهو الإمام مالك.
انقسم العلماء، أو اتجه العلماء في فهْم هذيْن الحديثيْن ثلاث وجهات:
الوجهة الأولى: مذهب الترجيح أو النسخ، يقول ابن رشد: فمَن ذهب مذهب الترجيح بين الأحاديث، أو نسْخ حديث بالآخَر أو لِلآخر، قال: إمّا بمنع الصلاة مطلقًا إن رجّح حديث ابن عباس، وإمّا بإجازتها مطلقًا إن رجّح حديث ابن عمر.
الوجهة الثانية: مَن ذهب مذهب الجمع بين الحديثيْن، حمَل حديث ابن عباس على الفرض. (لم يُصلِّ)، أي: لم يُصلِّ الفريضة، وحمل حديث ابن عمر على النفل، يعني: جازت الصلاة لأنها نافلة. فالحديث الأول أنّ النبي لم يصلِّ الفريضة، والحديث الثاني محمول على أنه صلى في الكعبة النافلة.
والجمع بينهما فيه عسر. من أين هذا العسْر؟ لأن الكلمة مُطلقة، النبي صلّى ركعتيْن، هل الركعتان فريضة أو سُنّة؟

١.٨ القبلة وأحكامها


فإنّ الركعتيْن اللّتيْن صلاّهما خارج الكعبة. وقال: (هذه القِبلة)، هي نفل.
الوجهة الثالثة: مَن ذهب مذهب سقوط الأثر عند التعارض، فإن كان ممّن يقول باستصحاب حُكم الإجماع والاتفاق، لم يُجز الصلاة داخل البيت أصلًا. وإن كان ممّن لا يرى استصحاب حُكم الإجماع، عاد النّظرُ في انطلاق اسم "المستقبِل" للبيت على مَن صلّى داخل الكعبة؛ فمَن جوّزه أجاز الصلاة، ومَن لم يُجوِّزه -وهو الأظهر-، لم يُجز الصلاة في البيت.
والأوْلى أن نقول: تجوز صلاة النافلة عملًا بأحد الحديثيْن، ولا تجوز صلاة الفريضة عملًا بالحديث الآخَر.